روح الريف أم صخب المدينة ؟

By : سلمان بن فهد العودة

الآلة الإعلامية والاقتصادية تعمل على تدويل العادات والتقاليد الاستهلاكية عبر الشركات متعددة الجنسيات التي تنشر فروعها في كافة مدن العالم، في الأغذية والأحذية والألبسة، وحتى في الأفكار والقيم والعادات.

(20%) من المدن الكبرى تتشابه في أنماط استهلاكها، حيث استطاعت شركات أمريكية وأوروبية ويابانية في اعتماد أنماط محددة من الآلات في صنع اللباس والغذاء والسكن وإنتاج سلع متماثلة.

نشر ثقافة الاستهلاك الأمريكية في لبس الجينز، وتناول الهامبورجر، وسماع موسيقى البوب، ومشاهدة الأفلام الأمريكية، يؤثر على الاستهلاك المحلي، ويدفع الناس لتناول السلع وارتياد المطاعم الأمريكية.

الإعلان يروج تلك البضائع، ويتحدث عن ميزاتها وآثارها الصحية وملاءمتها للشروط الثقافية، حتى تجد «سمكاً مذبوحاً على الطريقة الإسلامية».

ويخاطب وعي الصغار والكبار، ويصنع لدينا التعطش إلى امتلاك السلعة، ولذا أصبح التسوق هدفًا ومتعة بحد ذاته، وتحول الاستهلاك من عملية ترتبط بالإنتاج وتكملها إلى حالة تشبه «الإدمان».

الاستهلاك صار يرمز لمكانة الشخص عند أصدقائه وجماعته وزملائه.

وقيمة السلعة لم تعد ترتبط بجودتها، بل بقدرة صانعيها على تحويلها إلى ثقافة، وأصبح الإعلان عن السلعة أهم منها.

المؤسسات الاستهلاكية: المولات، الأسواق، ضخامتها ونظافتها، وشموليتها لجميع الاحتياجات، وكونها مكانًا للتسوق والتمشية واللقاء، وجود المقاهي، والمطاعم، وملاعب الأطفال والترفيه، توفير وسائل الحمل والحركة صارت متنفسًا للأسر يغري بالاستهلاك فوق ما تحتاجه.

التخفيضات والتقسيط علامتان على شيوع النمط الاستهلاكي حتى فيما ليس ضروريًّا، الملابس والألعاب وأدوات التجميل والأجهزة، حتى أصبح حجم الديون الاستهلاكية على المواطنين يعادل حجم الناتج القومي.

تنفق المرأة في دول الخليج أكثر من عشرة مليارات دولار لأدوات التجميل.

حتى القيم تحولت إلى «سلع»، فالحرية والحضارة والحب صارت مرتبطة بشراء لباس أو وردة أو منتج خاص، والإنسان نفسه -والمرأة خاصة- صار يكتسب قيمته من لباسه أو نظارته أو شنطته، أو حتى نوع علبة السجائر التي يحملها.

الجزء الأهم من الإنسانية والأخلاق والحضارة لا يمكن شراؤه بالمال، إنه المعنى الكامن في داخل النفس.

الإيمان والصداقة والعمل والأسرة هي الذخر الحقيقي.

الاستهلاك الرياضي مذهل: كم ربح اللاعب؟ كم راتبه؟ بكم بيع؟

الإعلانات في القنوات ومدرجات الكرة صارت مرتبطة بمشاهير الرياضة.

عاداتنا الريفية الجميلة أقرب إلى تحقيق التوازن الاجتماعي والإسعاد النفسي.

التكافل الاجتماعي حتى في الوجبات، الاعتماد على الأطعمة المحلية كالفواكه والخضار والتمور والألبان، اللباس المعتدل، السكن الريفي، الأفراح تتم بشكل جماعي، التعاون في الجدب والأزمات «إذا أَرْمَلُوا، أو قلَّ طعامُ عيالهم بالمدينة، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسَّويَّة» كما قال صلى الله عليه وسلم عن الأَشْعريين، (كما في صحيح البخاري، وصحيح مسلم).

وهذا يمكن تفعيله في كافة الظروف، مثلًا: اشتر سيارة مثل الجديدة وليس جديدة، إصلاح القطعة التالفة وليس استبدالها.

انصرف عن التخفيضات الوهمية، والتقسيط.

تعاون جماعة في بناء مسكن كالزوجين مثلاً، لا داعي للكم الهائل من الملابس التي تكتظ بها الخزانات.

توعية الأسرة والتخطيط للشراء بصورة مركزية، وإعداد قائمة مسبقة بالمشتريات.

ترشيد الفواتير والطبخ.

تجنب الإسراف{وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا} (الإسراء: 26) {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} (الأنعام: 141) «لا تسرف ولو كنت على نهر جار» (رواه أحمد وابن ماجه).

يجري هذا في الماء، في البنزين، في الطاقة، في الكهرباء، في الطعام، في علب المناديل، في المشروبات، في اختصار الثرثرة عبر الهاتف...

الإسراف يحرق أموالنا، فائض الأطعمة التي في المزابل يشبع مدنًا بأكملها.

المسرف أسوأ من البخيل؛ لأنه لا يستهلك خيراته فحسب، بل خيرات الآخرين.

(68%) لا يدرون بوجود شح للمياه في المملكة، و (82%) لا يطبقون أي إجراءات لتوفير الماء.

التخطيط يوفر الكثير، حجوزات الطيران والفنادق توفر (30%) مما يصرفه السائح الخليجي، مع تأمين خدمات أفضل.

تبني أسرة مكونة من بضعة أفراد قصرًا فارهًا تبقى معظم مرافقه غير مستخدمة، ولكنها تستنزف مالاً وجهدًا في الصيانة والتنظيف.. بينما تبقى الأغلبية بلا مساكن.

رؤساء دول في العالم يسكنون في شقق متواضعة.

الأثرة سلوك أناني ليس على مستوى الأفراد فحسب، بل على مستوى المناطق والدول.

خبير اقتصادي إنجليزي قال: الفقير ليس له صحن على مائدة الطبيعة!

إذًا فالمرض والجوع والموت هو الذي ينتظره.

الفقير ليس دائمًا مسؤولًا عن فقره، وحين خلق الله البشر والطبيعة جعلهم متساوين فيها.

كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ من الفقر، ويدرب على الكدح والعمل والاستغناء عن الناس وعدم مد اليد بالسؤال، كما يربي على العطاء والمشاركة ولو بالقليل.

كان يرسم المنهج المعتدل في إشباع الحاجات الضرورية «الطعام، السكن، اللباس»، وفي تناول الطيبات لمن تيسرت له دون تكلف {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (الأعراف: 32).

والعرب تقول: ما عال من اقتصد، وفي القرآن الكريم {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} (الفرقان: 67). 


اترك تعليق