يا حسرة على القضاء

By : فتحى أبو الورد

بعد اعتقال المستشار الكبير محمود الخضيرى نائب رئيس محكمة النقض الأسبق بتهمة الإشراف على التعذيب في ثورة 25 يناير ، وإصدار الحكم على 12 طالبا بالسجن 17 سنة  لكل منهم، وتغريم كل منهم 65 ألف جنيه، لمحاولتهم اقتحام مبنى مشيخة الأزهر كما زعموا ،  حتى  وصل الأمر إلى حبس طالب 15 يوما على ذمة التحقيق بتهمة حيازة مسطره عليها شارة رابعه بمدرسة بلطيم الثانوية الصناعية ، وبعد صدور كثير من الأحكام فى قضايا تافهة ، أو مختلقة وملفقة ، ينكرها القاصى والدانى ، ولا تنطلى على عاقل ، فى ظل وضع استثنائى شاذ يهدر حقوق الإنسان والآدمية ، بعد حدوث هذا كله نقول : يا حسرة على القضاء ، وإنا لله وإنا إليه راجعون ، ورحم الله من نادى طويلا بتطهير القضاء واستقلاله . 
فالقضاء يعنى الحكم بين الناس بالحق ، وهو نوع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما يقول ابن حزم .

والمقصود من القضاء هو دفع الفساد، وإقامة العدل ، وإيصال الحقوق لأصحابها.

وتسييس القضاء معناه الانحراف به عن مسار العدالة ، والانجراف به بعيدا عن النزاهة ، والانجرار من خلاله إلى ظلم الأبرياء ، واستخدامه آلة لذبح الخصوم باسم العدالة ، والخضوع فى أحكامه لأهواء الحكام , وتكبيله بالتبعية بعيدا عن الاستقلال ، لترسيخ الفساد ، وتمكين المستبدين ، وإصباغ الشرعية على أوضاع باطلة . ورحم الله حافظ إبراهيم الذى قال :

لقد كان فينا الظلم فوضى فهذبت ... حواشيه حتى بات ظلما منظما .

ولم الغرابة ؟ وفيم العجب ؟ إذ كيف ننتظر العدالة ممن تسنموا سدة القضاء وهم قد دخلوا إليه من أبواب خلفية ، ودفعوا فى سبيل تقلده الأموال والهدايا ، لم تؤهلهم قدراتهم ولا أمانتهم ولا كفاءتهم له ، بل كانت الوساطة والشفاعة والأموال بريدهم إلى الحاكم ليأذن لهم بالدخول ، ليستكمل بهم نقصا فى الفسدة ، وعجزا فى الأتباع والأذناب ، وثغرة فى زوايا الباطل .

كيف ننتظر العدالة ممن اعتلوا منصة القضاء نفعا لأنفسهم ، ورغبة فى ميزات تميزهم عن الناس ، وطمعا فى مزايا طبية وترفيهية ومعيشية ومالية ؟ إن أمثال هؤلاء من القضاة بالشفاعة مجروحون وبالمزايا مطعونون .

وقد قرر الفقهاء أن بذل المال على طلب القضاء محظور في حق الباذل والمبذول له، لما روي أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: " لعن الله الراشي والمرتشي ". رواه أحمد والترمذي وابن حبان والحاكم وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح ، وقال الحاكم: صحيح الإسناد.

والراشي هو باذل الرشوة ، والمرتشى هو قابلها.

وماذا ننتظر من محاكمات ، قضاتها مطعونون ومجروحون ، وتاريخهم مناوئ للعدالة ، وهم خصوم لمن يحاكمونهم ؟

نتيجة حتمية ومسلمة لمحاكمات مسييسة ، فحواها الظلم ، ومضمونها التشفى ، حين تقلد النفايات وتهمش الكفايات ، وحين يوسد الحكم إلى أهل الثقة من الفسدة ويمنع منه أهل الكفاءة من الصلحاء ، نتيجة حتمية مؤداها الجور فى الأحكام .

وقد ورد عن النبي - عليه الصلاة والسلام - «من قلد إنسانا عملا وفي رعيته من هو أولى منه فقد خان الله ورسوله وجماعة المسلمين» .قال الزيلعى : روي من حديث ابن عباس، ومن حديث حذيفة .فحديث ابن عباس: أخرجه الحاكم في المستدرك وقال: حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه،وأما حديث حذيفة: فرواه أبو يعلى الموصلي في مسنده

وإذا كان - القضاة قديما- كانوا يحلفون الشهود فيما يأتون به من الشهادة أن ما شهدوا به هو حق ، وذلك لفساد الزمان وخراب الضمائر ، فنحن اليوم - أمام عشرات الأحكام الجائرة المتعجلة الصادمة ، فى قضايا ملفقة وتافهة ، لا تتناسب مع قدر التهمة مع افتراض ثبوتها - ، نحن إزاء هذا نحتاج إلى أن نحلف القضاة  أنفسهم  أن ما يأتون به من الأحكام هو حق ، لفساد القضاة والزمان وغلبة الجور عندهم ، واستشراء الهوى فيهم ، وما نحن بمصدقيهم ولو حلفوا  .

وكان مما قرره  -  أيضا -  كثير من الفقهاء منع القاضى أن يقضي  بعلمه لوجود التهمة وسدا للذريعة ، لما قد يترتب على ذلك من مفاسد ومظالم ، وما قد يقوده إليه الهوى والانتقام للنفس من شرور ومهالك .

قال الكرابيسي: لا يقضي القاضي بما علم لوجود التهمة، إذ لا يؤمن على التقي أن تتطرق إليه التهمة .

هذا فى شأن التقى فكيف بمن سواه ؟

وقال القرافى : القضاء بعلم القاضى وسيلة للقضاء بالباطل من قضاة السوء، فالمقصد حرام وساقط، فتسقط الوسيلة، ويحرم القضاء بعلم القاضي.

قال الشافعي : لولا قضاة السوء لقلت : إن للحاكم أن يحكم بعلمه .

وإذا كان هذا في الزمان الأول فما الظن بالمتأخر ؟ .

وإذا كان القاضى لا يقضى بعلمه دفعا للتهمة فكيف يحكم بعلم غيره ممن تيقن عنده كذبهم ، وثبت لديه افتراؤهم ، واستقر أمام ناظريه تلفيقهم للاتهامات ،  من رجال الشرطة ، وادعاء النيابة  ؟

لقد تواطأ القاضى مع الشرطة والنيابة ، على المجنى عليهم حين انساق ليحكم فى قضايا هزلية ملفقة ، لا تخطىء العين بطلانها، ولا يجهلها من يعيش فى عصرنا من بسطاء الناس فضلا عن القضاة والساسة .

وكما قيل : ليس العدل فى نص القانون وإنما العدل فى نفس القاضى .

إن القاضى فى منصب خطير ، والحكم فى القضايا المعروضة عليه يورده جنة أو نارا،  والنبي صلّى الله عليه وسلّم يقول: «من جعل قاضيا بين النّاس فقد ذبح بغير سكّين»  رواه أصحاب السنن والحاكم والبيهقي من حديث أبي هريرة ، وقال الحاكم : صحيح الإسناد  .

والمعنى أن من جعل قاضيا فقد عرض نفسه لخطر عظيم كالذبح بغير سكين . وقيل : أراد الذبح غير المتعارف الذي هو عبارة عن هلاك دينه دون هلاك بدنه، وذلك أنه ابتلي بالعناء الدائم، والداء المعضل الذي يعقبه الندامة إلى يوم القيامة، وجمهور العلماء حمله على ذم التولي للقضاء والترغيب عنه، لما فيه من الخطر .

ولذلك كان العلماء الأتقياء يتهيبون القضاء ، ويفرون منه ، وينصحون من ابتلى به بالحذر والحيطة والاستعانة بالله تعالى لكى يسدده .

قال مكحول: لو خيرت بين القضاء وضرب عنقي لاخترت ضرب عنقي ولم أختر القضاء.

وقال أيوب السختياني: إني وجدت أعلم الناس أشدهم هربا منه.

ودعا مالك بن المنذر محمد بن واسع ليجعله على قضاء البصرة ، فأبى ، فعاوده وقال : لتجلس وإلا جلدتك ، فقال : إن تفعل فأنت سلطان، وإن ذليل الدنيا خير من ذليل الآخرة .

وقال الفضيل بن عياض - رضي الله عنه -: ينبغي للقاضي أن يكون يوما في القضاء ويوما في البكاء على نفسه .

وقد كان قضاة السوء يعرفون بين العلماء من خلال الجور فى الأحكام ، التى تظهر فيها ممالأتهم للسلطان ، وقبولهم الرشى ، وعدم التعفف عن الدنيا ،  ولذلك ذاع بين العلماء قولهم : (إن فلانا من قضاة السوء في عصرنا ). كما يقول ابن حجر العسقلاني (المتوفى سنة 852هـ) .

ماذا نقول فى قضاة هذا الزمان  ؟ لقد مضى زمان اتصف فيه القضاة بالنّزاهة عما ترمي به قضاة السوء – إلا من رحم الله –  ، وولى عصر كان الشرفاء فيه  يهربون من القضاء .

وقد أجرى الفقهاء الأحكام الشرعية الخمسة على قبول القضاء فقالوا : قد يكون واجبا أو مستحبا أو مباحا لمن هو أهل له وقد يكون مكروها أو حراما .

وقرروا أن تقلد القضاء يكون حراما إذا كان أحد يعلم عجزه عن القضاء ، وعدم استطاعته لمراعاة العدل فيحرم عليه قبول القضاء، فلذلك قرروا أن تقليد ( الجاهل الملوث أو المتلبس بالأشياء الموجبة للفسق ، أو القاصد الانتقام ، أو الراغب في أخذ الرشوة ) حرام .

وكم من قاض اليوم لا يصلح  أن يكون قاضيا ، وكم من قاض اليوم وقع تقليده حراما ، وجاء حكمه باطلا .


اترك تعليق