مشاهد من المتناقضات الانقلابية الفاضحة الكاشفة عن تداعيه وعن نموذجه الصراعي

By : أ. د. يوسف القرضاوي

نادية مصطفي - عضو الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين


المشهد الأول: الرئيس المؤقت يحيي ثورة يوليو 1952 ويدعو الشباب لاستكمال دوره:

 

خطاب الرئيس المؤقت لتهنئة الشعب المصري بإقرار الدستور، حوى خطأ وتناقضًا بيِّنًا، يكشف عن هشاشة التحالف الانقلابي.


ففي غمار الخطاب الاحتفالي المليء بالعبارات الإنشائية عن المستقبل والحريات والحقوق…إلخ من هذه المفردات المدنية الرحبة، في غمار هذا الخطاب الذي ينفصل جملة وتفصيلا عن مشهد الواقع المحيط المليء بالشهداء والاعتصامات والمظاهرات والذي ينضح بالمعاناة والفقر، في غمار هذا الخطاب الذي تأكد منه كيف أن هذا الرئيس المؤقت (الذي عينه قائد الانقلاب العسكري) يعيش في فقاعة هواء تحجبه عن مصر فلا يتحدث عنها ولا يمثلها حقيقة، في غمار هذا الخطاب الرصين المنضبط لغويًا ونحويًا يكمن تناقض جوهري يكشف عن متناقضات الانقلاب التي ستأتي عليه بإذن الله.


في حديثه البروتوكولي الذي لم يمس الأعصاب أو الأوتار المشدودة للموقف الراهن، ومن دون كافة الأحداث والتطورات السياسية سواءً التاريخية أو الراهنة، لم يتوقف الرئيس المؤقت إلا عند ثورة يوليو 1952قائلا: "إن مفهوم الثورة مفهوم متكامل لم يقف يومًا عند حد التخلص من الظلم أو دفع القهر وتغيير الواقع السيء وإنما يمتد ليشمل استكمال البناء.. وتحويل آمال وطموحات الشعوب إلى واقع ملموس ويبرهن تاريخنا المعاصر على ذلك.. فلنا في ثورة يوليو 1952 تجربة حية شاهدة. تلك الثورة البيضاء التي أنجزها رجال من خيرة أبناء مصر الأوفياء.. والتي أسست لنهضة صناعية وزراعية حديثة.. ونشرت قيمًا سامية.. ومعاني اجتماعية وتكافلية جليلة.. ما زالت حية في ذاكرتنا ووجداننا”.


كأن الرئيس المؤقت، الذي حيا ثورتي 25 يناير و30 يونيه، لا يعرف أن ثورة 25 يناير قد قامت ضد جمهورية يوليو 1952، وليس ضد نظام مبارك فقط، لأن الأخير كان الطبعة الأخيرة لهذه الجمهورية، التي بدأت فتية بمشروع وطني استقلالي يستهدف العدالة الاجتماعية، إلا أنها في مسارها فقدت البوصلة والروح والعقل حين تمسكت بالاستبداد –الذي لحق به الفساد في عهد مبارك- سبيلا لتحقيق هذا المشروع، بقيادة عسكرية وبدون معارضة سياسية وبتعبئة وحشد الجماهير وراء أحادية النظر والرأي والمقصد والوجهة.


كيف أيها الرئيس المؤقت تتكلم عن كل هذه المعاني الجميلة في خطابك، والتي تلهث مصر ورائها منذ عقود، ثم تأتي على ذكر هذه الثورة التي أخطأت بنا الطريق عبر 60 عامًا فأوصلتنا إلى ما جعلنا نثور في 25 يناير، ولم تترك لنا جميلا في بلادنا إلا ذكريات عن أيام بطولة وانتصارات –عشتها وأنا شابة وتمسكت بها ورنوت أن تستمر- ولكنها انقطعت بأيدي قادة هذا النظام أولا ثم بالمؤامرات علينا…
أتريد أيها الرئيس المؤقت أن تعود بنا الساعة للواراء؟ وهذا بالفعل ما يطمح إليه بعض الانقلابيين الذين يُسقطون على مشهد صعود السيسي الراهن، مشهد صعود عبد الناصر، وشتان بين المشهدين وشتان بين الرجلين حين صعودهما.


وإذا كان فريق آخر من الذين شاركوا في 30/6 وسكتوا عن الانقلاب أو أيدوه من بين شباب ثورة 25 يناير، هم من ثاروا ضد نظام يوليو 1952 وضد نظام مبارك، فمما لا شك فيه أن تحيتك لثورة يوليو 1952 لن تكون ذات أثر إيجابي عليهم، وخاصة في ظل ما يتعرض له هذا الشباب في مجمله، أي من كافة الراوفد: الإسلامية والليبرالية واليسارية، من قمع واعتقال وقتل؛ فأنا أقصد بشباب 25 يناير كافة هذه الروافد وأرفض تصنيفهم. حقيقة أصاب شباب ثورة 25 يناير من الإسلاميين نصيب أكبر من هذه الممارسات منذ 30/6 لأنهم رفضوا الانقلاب وأعلنوا مقاومته، وحقيقة الشباب من بقية الروافد بدأ يظهر تمايزهم عن مسار الانقلاب منذ ذكرى أحداث محمد محمود في 19/11/2013 مرورًا بما بعد قانون التظاهر وهبَّة الجامعات وصولا إلى التشويه العارم الراهن والمتابعة القضائية بمنع سفر وإحالة إلى محاكمات جنائية بتهم عدة…


ولكن أيًا كان الخلاف بين الفريقين من الشباب، إلا أنه يجمع بينهم بصفة عامة رفض نظام حكم العسكر، وهنا مكمن الخلاف بين شباب التيارات المتنوعة وبين بعض نخبهم المترهلة المتصلبة التي تصطف وراء خريطة الانقلاب لمصالح ضيقة أو تحت ضغط إرث تاريخي من تصفية حسابات.


هكذا أيها الرئيس المؤقت يتجسد التناقض في خطابك عن المستقبل وأنت تستدعي الحديث عن دور الشباب بعد تحية ثورة يوليو 1952 وإنجازاتها، فأنت تقول:


"وللشـــباب أقول.. كنتم وقود ثورتين شعبيتين.. أدركتم حجم التحديات وكنتم على قدر المسئولية.. ولكـن دوركـم لـم يكتمـل بعـد. أنتم مقبلون على مرحلة البناء والتمكين.. كونوا على ثقة في أن غرسكم الطيب سيخرج نباته طيبا. استكملوا المسيرة وانخرطوا في الحياة السياسية بمفهومها الواعي.. من خلال إثراء العمل الحزبي.. في ظل حريات تعلمون أنها باتت مكفولة. واعلموا أن ما سعى المصريون.. رجالا ونساء وشيوخا.. لبنائه بعونكم.. إنما سيكون لكم ولأبنائكم.. فأنتم مستقبل هـذه الأمـة”.


ولكن عن أي شباب تتحدث؟ بالطبع لا يوجد في ذهنك –أو ذهن من كتب لك الخطاب- مكان للشباب المعارض لخارطة الطريق، الذي يُقتل ويُعتقل كل يوم، ومن ثم فأنت لست رئيس كل المصريين…


أنت تستهدف الشباب الذي أحجم عن المشاركة في الاستفتاء ممن رضوا برئاستك وبخارطة الطريق في البداية. على أي أساس تدعوهم من جديد؟ وعن أية حريات تقول أنها مكفولة ونحن يحيط بنا كل هذه الانتهاكات؟ ألا تراها؟ أم تعتقد أنها من طبائع الأمور؟


إنك تستوفي الشكل ولكن لا تعترف بما يريده الشباب أو على الأقل تواريه التراب، ذلك لأنك تعرف جيدًا ما يريدون واكتشفوا أن الانقلاب لن يحققه. وسريعًا ما سيهتفون "العسكر سرقوا ثورة 30 يونيو” كما سبق وهتفوا "الإخوان سرقوا ثورة 25 يناير”.


إن الانقلاب يعرف أنه سيخسر كثيرًا، لو استفاق الشباب الذي سكت عن الانقلاب ليتخلص من الإخوان، ولو استعاد الشباب نموذج ميدان التحرير، النموذج الحضاري لثورة 25 يناير الذي أجهضته النخب فيما بينها وبين العسكر والخارج.
 
المشهد الثاني: استمرار الإعلام والنخب الانقلابية في الاغتيال المعنوي للشباب:


بذرة ثورة 25 يناير جاءت من الخارج.


لم ينجح شباب 25 يناير في حماية الثورة من الإخوان.


على شباب 25 يناير أن يعتذروا عن أخطائهم، ثورة 25 يناير لم تكن ثورة.


شباب 25 يناير مرتزقة وعملاء للأمريكان.


شباب 25 يناير "أرزقية” من الوكالات المانحة.


مقولات وغيرها أكثر قسوة تتكر يوميا -منذ أكثر من شهرين- وتزامنت بتركيز كبير يوم 19 يناير، يوم إلقاء الرئيس المؤقت خطابه الاحتفالي.


إذن عدم المشاركة في الاستفتاء هي المناسبة الراهنة لاستكمال حملة الاغتيال المعنوي للشباب، ولكن الملاحظ على هذا المشهد –بمناسبة الاستفتاء– ما يلي:


-         إن نبرة العتاب -وليس الاتهام- هي الغالبة الآن (فيما عدا برنامج الصندوق الأسود)، نبرة تستهدف التصالح والطمأنة لإنقاذ ما يمكن انقاذه، على ضوء نتائج الاستفتاء الحقيقية، ونظرًا لاقتراب ذكرى ثورة 25 يناير الثالثة.


-         ما أذيع ونشر عن قسم السيسي في مجلس الوزراء عقب الاستفتاء، بعدم السماح للنظام السابق بالرجوع، كما لو أن تدخل المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية ليس من ملامح هذا النظام.


-         ظهور الحديث في التصريحات عن مجلس الوزراء للعمل من أجل ميثاق شرف إعلامي.


-         ما زال شباب ثورة 25 يناير يتمايزون في ردود الفعل:


·        ما بين متحدٍ يرفع صوته الآن عاليًا "يسقط حكم العسكر”، بعد أن خفت صوته أو اختفى منذ الانقلاب تحت زهوة التخلص من الإخوان، ثم عاد للظهور اعتراضًا على المجازر ضد الاعتصامات، وها هو يعلو أكثر مع كل انتهاك جديد ضد حريات الجميع وليس الإسلاميين فقط، رافضًا للانتهاكات ضد الجميع.


·        وبين متكيفٍ ومتلائم مع الموقف، يريد إمساك العصا من المنتصف ليبدو مدافعًا عن مبادئ وأهداف يؤمن بها، وفي نفس الوقت غير رافض أو معارض للنظام الانقلابي، ومستمرًا في انتقاد الاخوان (جبهة طريق الثورة، الشراكة الوطنية 25/1، 30/6).


·        وأخيرًا بين مستوعَب في النظام الانقلابي خادمًا له ومطيعًا.


خلاصة القول في ما يلي:
إن الانقلاب، وبيده لا يد غيره، يخسر يومًا بعد يوم من مصداقيته وشرعيته الثورية المزعومة، بل إن أداة شرعنته قانونيًا (من خلال الاستفتاء) ارتكبت من الأخطاء ما أدى إلى تجريف ما بقي تحت أرجله من قواعد. فإن شيطنة ثورة 25 يناير، وليس فقط شبابها -بعد نجاح شيطنة الإخوان- لن يقود إلا إلى تفكيك تحالف 30 يونيو.


كما أن صمود معارضي الانقلاب، الداعين إلى مقاطعة الدستور، ساهم في فضح أخطاء هذه الإدارة لشرعنة الانقلاب وقت الاستفتاء؛ حيث تنامى الحشد والتعبئة لـ(نعم) وقمع الداعين لـ(لا)، على نحو يكشف حقيقة زيف هذا الاستفتاء وتداعي أردية الديمقراطية التي يحاول النظام الانقلابي ستر عوراته بها.
 

وفي القلب من هذه المتناقضات يبرز ما يتصل بالشباب. فعبر 4 أشهر منذ ذكرى محمد محمود في 19 نوفمبر وحتى خطاب الرئيس الانقلابي احتفالاً بالدستور في 19 يناير، تتدفق المياه بتؤدة واستمرار وتراكم لتجدد مسارًا جديدًا قوامه وعماده شباب مصر متنوع الاتجاهات. فهم روافد ثرية تغذي جميعها ومعًا مجرى جديدًا، لعله يعيد نموذج ميدان التحرير الحضاري، ولو في نقطة التقاء أخرى. فهل يقدرون على تجاوز الخلاف ومد الأيادي والاعتراف بالأخطاء وغفرانها لينقذوا مصر من نموذج صراعي إقصائي اسئصالي فرضه عليها الانقلاب، ومن ثم يتحركوا بها نحو نموذج تعارف وتصالح وطني تعددي مدني تداولي يقوم على تمكين المجتمع بناسه وأهله يحدد فيه المجتمع شكل نظامه ويحفظ جيشه بعيدًا عن السياسة!! هل هذا حلم؟ إذا كان بعض "الواقعيين” يرون استحالة تجدد هذا التحالف بين شباب الثورة إلا أنه لابد وأن نحلم حتى نتحرك! وسنصل بإذن الله.


اترك تعليق