حواة لا دعاة

By : فتحى أبو الورد

الحواة جمع حاوٍ ، والحاوى الذى يجمع الحيَّات و يقوم بأعمال غريبة . المعجم الوسيط مادة حوى.


والدعاة  جمع داع ٍ وهو من يدعو إلى توحيد الله وما يقرب منه ، والنبي صلى الله عليه وسلم داعي الله ؛ وهو من قوله تعالى: { {وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا} ، أي إلى توحيده وما يقرب منه. تاج العروس للزبيدى مادة دعو .


والحاوى والداعى كلاهما يضاد الآخر فى العمل والرسالة والمنهج والهدف ، وكلاهما يجسدان قضية التصارع بين الحق والباطل الممتدة إلى يوم القيامة .


هذا مدخل للحديث عن الفرق بين من يقوم بعمل الحاوى فى عالم الفتوى فيلبس عل الناس دينهم ، و ومن يقوم بعمل الداعى فيأخذ بأيدى الناس إلى ربهم ، وأخص بذلك ما تعلق بالفتوى والدعوة إلى الرضوخ للانقلاب العسكرى والقبول بالأمر الواقع  .


ومسألة الانقلابات العسكرية على الحكومات الشرعية فى العصر الحديث عرفت لدى فقهاء السياسة الشرعية القدامى بما أسموه بإمامة المتغلب .


وبعض من ينتسبون إلى العلم يلوون عنق النصوص لتطاوعهم فيما أرادوا به التدليس على الأمة - وماهى بمطاوعة لهم - ، ويكتسى حديثهم ثوبا مرقعا من الشرع ، يحرفون الكلم عن مواضعه ، ويهيلون التراب على عشرات النصوص القاطعات من القرآن والسنة التى تؤكد على أن أخص ما توصف به أمة النبى صلى الله عليه وسلم أنها أمة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر كما وصف الله تعالى به هذه الأمة بقوله ( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ) آل عمران 110.


فلم تكن خيرية الأمة مطلقة وإنما جاءت مشروطة ومقيدة بتلك الصفات . قال عمر بن الخطاب : من سره أن يكون من تلك الأمة فليؤد شرط الله فيها. وقال ابن كثير: من اتصف من هذه الأمة بهذه الصفات دخل معهم في هذا الثناء عليهم والمدح لهم .


وجاءت السنة لتبين أن أفضل الشهداء من يقوم لله بواجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر عند الحاكم الظالم . فعن جابر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله» رواه الحاكم فى المستدرك وقال : صحيح الإسناد، ولم يخرجاه .


وفى ضوء قضية الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر اختزل البعض المنكر فى بعض المعانى ، فلم يفقهوا من معانى المنكر سوى شرب الخمر والزنى والربى وأكل لحم الخنزير والميتة ، أما قتل النفس بغير الحق للمعتصمين السلميين فأمر يفتى بجوازه البعض وفيه تأويل عند البعض الآخر ، وأما الظلم البين فأمر فيه تقصيل ، وأما خطف الرئيس المنتخب والانقلاب عليه فأمر يؤيده البعض بل ويشارك فيه ولا يستحق إدانة ، وأما اغتصاب إرادة الأمة والاعتداء على حرمتها والانقلاب على حريتها فأمر يمكن قبوله بدعوى الاذعان للواقع والتسليم لرئاسة المتسلط أوما أطلق عليه علماء السياسة الشرعية إمامة المتغلب أو إمامة الضرورة درءا للفتنة ودفعا للمفسدة وارتكابا لأخق الضررين .   


وإلى هؤلاء الذين يروجون للاستكانة باسم الفقه ، وإلى المهانة باسم الشرع ، وإلى المذلة باسم العقل والحكمة ، سواء كانوا ينتمون إلى مؤسسة رسمية أو جماعة دعوية أو حزب سياسى ، وإلى الذين يضخون الأنفاس الصناعية  لانقلاب يلفظ أنفاسه الأخيرة رجاء إبقائه على الحياة حتى ولو استمر عاجزا شليلا ، وإلى الذين يخفون ضعفهم وجبنهم وراء مستند من فهم الواقع يدعون أنهم أعرف الناس به من غيرهم ، وإلى الذين أعمتهم الدنيا عن نصرة إخوانهم ، وإلى الذين خذلوا الأمة فى مواطن كثيرة ويوم فض اعتصامى رابعة والنهضة حيت قالوا مع من قالوا : ولماذا لم يمشوا ؟هم إلذين فعلوا ذلك بأنفسهم .


إلى هؤلاء وإلى كل باحث عن الحق والحقيقة أوضح هذه الإضاءات حول إمامة المتغلب :


1-  إن الفقهاء سموا المتغلب متغلبا فى وضوح تام ، ولم يستحوا أن يسموه باسمه لأن هذا ليس من مواطن الحياء ، ولم يتملقوا ولم يترددوا أو يلبسوا على الأمة دينها ، أو يعتبروا أن التغلب طريق شرعى للوصول إلى الحكم والرئاسة .


2- إن الفقهاء الذين قرروا قبول الأمر الواقع لإمامة المتغلب أوضحوا أن  قبوله إنما هو قبول المضطر كمن يقدم مضطرا على أكل لحم الميتة أو شرب الخمر إذا تعرض للهلاك من باب الضرورات تبيح المحظرات .


3- إن الفقهاء لم يسلموا له بالإمامة أو الرئاسة بإطلاق بل قيدوا ذلك بما إذا كان في صرفه عن الإمامة فتنة لا تطاق ، فإن لم يترتب على صرفه فتنة أو كان في صرفه أخف الضررين وجب صرفه عن الإمامة وإخراجه منها.


فلماذا نتوهم دائما أن التسليم لإمامة المتغلب هو أخف الضررين ، وليس صرفه هو أخف الضررين ؟

 

4- أنهم لم يفتوا بالاستكانة لهذا الواقع أو الرضا به ، ولم يضفوا عليه صبغة شرعية بالظهور إلى جواره فى المشهد ، وإنما حضوا الأمة على أن تعد العدة ، وأن تعمل على إزالته ما استطاعت إلى ذلك سبيلا ، فى أقرب فرصة تسنح لهم . ويرى الفقهاء أن السعي واجب دائما لإزالة إمامة المتغلب عند الإمكان ولا يجوز أن توطن الأنفس على دوامها .


5- أنهم لم يخفوا ضعفهم وخورهم  وخذلانهم  تحت مسمى فقه الواقع ودرء الفتنة وحقن الدماء كما يحاول البعض اليوم أن يصور لنا الوضع، بل كانوا من الشجاعة بحيث يقولون للأعمى أنت أعمى وللأعور أنت أعور مادام الأمر يتعلق ببيان الشرع ودفع التدليس - والتلبيس - عن الأمة ، لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه. وقد أريقت الدماء المعصومة بغير حق ، ووقعت الفتنة ومع ذلك لم يغضبوا لله ولم يتبرءوا ممن صنع هذا .


6- إن الذين روجوا للحاكم المتغلب ،  وأفتوا بتثبيت أركان حكمه ، ودعوا صراحة للاعتراف به باسم الحكمة تارة وباسم العقل تارة أخرى وباسم فقه الواقع ثالثة ، كان يسعهم السكوت إذ لم يستطيعوا أن يجهروا بقولة الحق ، ويحفظوا ماء وجههم ويتوبوا إلى ربهم فى السر ، وفى هذا قرر العلماء أنه لا ينسب إلى ساكت قول ،  لكنهم أبوا إلا أن تكون فضيحنهم على رءوس الأشهاد . 

 

7- إن الفقهاء حين قرروا ماقرروه سالفا لم ينهوا الذين يقاومون هذا المتغلب عن مقاومتهم  ، ولم يثبطوهم أو يخذلوهم عن هز أركانه حتى يسقط ، فإن لم تكن مع المقاومين فلا أقل من أن تكون مؤيدا لهم بالكلمة أو حتى بالصمت والسكوت حتى لا تكون شريكا فى الإثم للانقلابيين وما يترتب على تغلبهم من جرائم وجنايات . 


8- إن الفقهاء القدامى حين أفتوا بما أفتوا به لم يكن لهم أحزاب سياسية على الساحة الشعبية يطمعون بفتواهم وترويجهم لإمامة المتغلب أن تخلو لهم الساحة لكى تكون لهم أغلبية فى مجلس نيابى ، أو يكونوا مستشارين لرئيس أو أعضاء فى مجلس رئاسى بل قالوا ما قالوا إبراء للذمة ورغبة فيما عند الله تعالى .


9- أن الفقهاء الذين أفتوا بذلك لم يشاركوا الحاكم المتغلب فى تغلبه ، ولم يؤيدوه أو يساندوه فى السر ولم يظهروا معه فى العلن ، حتى إذا ما تم له الأمر دعوا الناس إلى الرضوخ للأمر الواقع متعللين بجواز إمامة المتغلب .


10- أن الفقهاء الذين أفتوا بذلك لم يسموا المقاومين للمتغلب بالخوارج حتى يستحلوا دماءهم تدليسا وقلبا للحقائق ، حتى من صدق عليهم وصف الخوارج ، لم يكفرهم العلماء فى ذلك ، ولم يستحلوا دماءهم ، غاية ما وصفوهم به أنهم بغاة لأنهم خرجوا خروجا مسلحا – وليس خروجا سلميا – على الإمام العادل المنتخب ، ورائدهم فى ذلك إمام الهدى على بن أبى طالب . فقد روى ابن أبى شيبة فى مصنفه ، والبيهقى فى السنن الكبرى عن  أبي البختري، قال: سئل علي عن أهل الجمل  أمشركون هم؟ قال: من الشرك فروا , قيل: أمنافقون هم؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا ; قيل: فما هم؟ قال: إخواننا بغوا علينا .


11- إن الأمة لم تكن فى يوم من الأيام أقدر على مقاومة الحكم العسكرى وإزاحة المتغلبين والمستبدين من اليوم ، وأنها ظلت طوال عقود متتالية تعد العدة وترص الصفوف وتربى الناشئة وتجمع الجهود وتعرى الباطل وتكشف زيف المستبد وتهيئ الأمة لإزاحة المنكر الأكبر فى دنيا الناس المتمثل فى التسلط على حرياتهم وسلب إرادتهم واغتصاب كرامتهم .


12- إن من يقدر- ويقرر - مدافعة المتغلب  زمانا ومكانا ومن يحدد آليات وطرق وأساليب مقاومته وتغييره هم قادة الأمة وعلماؤها ، الذين ينحازون لإرادتها ويقفون فى خندقها ، ويضحون من أجل رفعتها ، والذين وثقت الأمة فى دينهم وسيرتهم ومسيرتهم وتاريخهم ، وليس من يقدر ذلك هؤلاء الذين لم يعرف لهم مواقف فى إنكار المنكر ، أو الذين استخدمهم  المستبد ، وكانوا هم – باسم الدين - من أدوات بقائه . 


13- أنه ليس هناك تمكين للإسلام بلا تضحية ، ومن أراد تمكينا بلا تضحية فهو واهم ولم يعرف طبيعة الإسلام ، أو إنه يعرفها ولكنه يبرر لنفسه القعود فيما يظن فيه السلامة والعافية .


14- أن الأمر لو ترك على عواهنه وتذرع المتذرعون بترديد قبول إمامة المتغلب بحجة درء المفسدة ودرء الفتن أبد الدهر لانتهى أمر الإسلام إلى الأبد ، وما قامت للإسلام قائمة فى دنيا الناس ، لأنه ما من متغلب مستبد إلا وهو يريد أن يمكث قى  منصبه حتى يموت ، بل وربما يطمع فى أن يورث الملك من بعده لأبنائه كما هو حادث فى واقعنا الماثل ،  ومن ثم فهو لا يألو جهدا ولا يدخر وسعا فى استمرارملكه ، والفتك بمعارضيه ولذلك شاءت إرادة الله تعالى أن يذكر فى القرآن الكريم صورة من صور التداول فى أمثال هؤلاء بالاقتلاع من الأصل يقول تعالى :( وتنزع الملك ممن تشاء ) آل عمران 26 . والنزع فى اللغة هو الجذب والقلع  . المعجم الوسيط مادة نزع.


15- وما من تغيير يحدث ولا إصلاح يتم إلا بعد تصارع بين الحق وأهله مع الباطل وحزبه ، وبطبيعة الحال لايتم ذلك دون تضحيات بالمال والنفس ، أما من ضنّ بماله ونفسه عن نصرة دينه وشريعته وآثر الحياة الدنيا  فليس للمسلمين حاجة فى أن يتصدر ليتحدث باسم الإسلام .


لقد تحول الحواة إلى دعاة رغم ماوعدوا به من فرعون من الحظوة والمال والجاه { {وَجَاء السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالْواْ إِنَّ لَنَا لأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ . قَالَ نَعَمْ وَإَنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ }الأعراف113،114  ، تحول الحواة إلى دعاة حين تبين لهم الحق وعلموا أن موسى عليه السلام ليس ساحرا ، أما أن ينقلب الدعاة إلى حواة حين تتخطاهم المنافع، ويعمى أعينهم الرغب والرهب فتلك أعظم المصائب ، وذاك مما لا ينقطع منه العجب .


يا علماء العصر يا ملح البلد ... من يصلح الملح إذا الملح فسد

 

 إن الأمر أوضح من أن يكون مراء ، وقديما قال علماؤنا : من أصعب الصعوبات توضيح الواضحات .


 وقديما أيضا قال الشاعر :
وليس يصح فى الأفهام شىء .. . إذا احتاج النهار إلى دليل .


اترك تعليق