صيام رمضان ومراحل تشريعه

By : أ. د. يوسف القرضاوي

الصيام من حيث حكمه أنواع:
فمنه الفرض، ومنه التطوع، وبعبارة أخرى: منه الواجب، ومنه المستحب، ومنه المحرم، ومنه المكروه.


والواجب أو الفرض منه:
ما هو فرض عين، وهو واجب بإيجاب الله تعالى باعتبار زمانه، وذلك هو صيام رمضان.
ومنه: ما هو واجب بسبب معين حقًا لله تعالى، وهو صيام الكفارات، مثل كفارة اليمين، وكفارة الظهار، وكفارة القتل الخطأ، ونحوها.
ومنه: ما هو واجب بإيجاب الشخص على نفسه، وهو صيام النذر.

صيام رمضان ركن من أركان الإسلام:
صيام رمضان فريضة مقدسة وعبادة من عبادات الإسلام الشعائرية الكبرى، وركن من الأركان العملية الخمسة التي بني عليها هذا الدين.


وقد ثبت وجوبه وفرضيته بالكتاب والسنة والإجماع:
فقد قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون. أيامًا معدودات) (البقرة: 183،184).


ثم قال: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه) (البقرة :185).


وفي السنة: روى عمر في حديث جبريل المشهور عنه صلى الله عليه وسلم "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا" (رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عمر، وروى نحوه أحمد والشيخان وابن ماجه عن أبي هريرة، ورواه النسائي عن أبي هريرة وأبي ذر معًا، كما في صحيح الجامع الصغير وزياداته للألباني برقمي -2775،2776).


ونحوه: حديث ابن عمر المشهور المتفق عليه، الذي يحفظه خواص المسلمين وعوامهم: "بني الإسلام على خمس.." وعد منها: "صوم رمضان" (متفق عليه من حديث ابن عمر، كما في اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان لمحمد فؤاد عبد الباقي، طـ. الحلبي، الحديث رقم 9).


وحديث أبي هريرة: أن أعرابيًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة، قال: "تعبد الله، لا تشرك به شيئًا.. وتصوم رمضان.." (متفق عليه كما في المصدر السابق، رقم 8) الحديث.


وحديث طلحة بن عبيد الله عن الرجل النجدي الذي جاء يسأل عن الإسلام فذكر له الصلوات الخمس، ثم قال: "وصيام رمضان". قال: هل عليَّ غيره؟ قال: "لا، إلا أن تطوع.." (متفق عليه - المصدر نفسه، رقم 6). الحديث.


والأحاديث في هذا كثيرة جدًّا، حفلت بها كل دواوين السنة من الصحيحين والسنن الأربعة، وغيرها، وهي متواترة تواترًا معنويًا.


وقد أجمع المسلمون من جميع المذاهب والطوائف، وفي جميع العصور، منذ عهد النبوة إلى اليوم، على وجوب صيام رمضان، وفرضيته العينية على جميع المسلمين المكلفين لم يشذ عن ذلك أحد في القديم ولا الحديث (انظر: بداية المجتهد لابن رشد، مع تخريجه: الهداية 126/5، طـ. عالم الكتب، بيروت).


فهو من الفرائض الثابتة بالتواتر اليقيني، المعلومة من الدين بالضرورة بحيث يشترك في معرفة فرضيتها الخاص والعام، دون حاجة إلى نظر واستدلال.


ومن هنا يحكم علماء الأمة جميعًا بالكفر والردة على كل من ينكر فرضية صوم رمضان، أو يشكك فيها، أو يستخف بها، إذ لا معنى لذلك إلا التكذيب لله ورسوله والخروج جهرة عن دين الإسلام.


ولا يعذر في هذا إلا من كان حديث عهد بالإسلام، ولم يتهيأ له أن يعرف بَعْدُ أصول فرائضه، فيعطَى فرصة ليتفقه في الدين، ويعلم ما لم يكن يعلم، وهذا واجب عليه، وهو كذلك حقه على جماعة المسلمين، وخصوصًا القريبين منه.

متى فرض الصيام؟
فرض الصيام - كمعظم شرائع الإسلام - في المدينة بعد الهجرة.


فقد كان العهد المكي عهد تأسيس العقائد، وترسيخ أصول التوحيد ودعائم القيم الإيمانية، والأخلاقية، في العقول والقلوب، وتطهيرها من رواسب الجاهلية في العقيدة والفكر والخلق والسلوك.


أما بعد الهجرة، فقد أصبح للمسلمين كيان وجماعة متميزة، تُنَادى بـ: (يا أيها الذين آمنوا) فشرعت عندئذ الفرائض، وحدت الحدود، وفصلت الأحكام، ومنها: الصيام.


ولم يشرع في مكة إلا الصلوات الخمس، لِمَا لها من أهمية خاصة، وكان ذلك في ليلة الإسراء، في السنة العاشرة من البعثة على الأشهر.


وبعد ذلك بخمس سنوات أو أكثر فرض الصيام، أي في السنة الثانية من الهجرة وهي السنة التي فرض فيها الجهاد فتوفى النبي صلى الله عليه وسلم وقد صام تسعة رمضانات (زاد المعاد (30/2) طـ. مؤسسة الرسالة، بتحقيق شعيب وعبد القادر الأرناؤوط).


يقول ابن القيم في (الزاد):
(لما كان فطم النفوس عن مألوفاتها، وشهواتها، من أشق الأمور وأصعبها تأخر فرضه إلى وسط الإسلام بعد الهجرة، لما توطنت النفوس على التوحيد والصلاة، وألفت أوامر القرآن، فنقلت إليه بالتدريج) (زاد المعاد -30/2 طـ. مؤسسة الرسالة، بتحقيق شعيب وعبد القادر الأرناؤوط).

مراحل تشريع الصيام:
شرع صيام رمضان على مرحلتين:
المرحلة الأولى: مرحلة التخيير: أي تخيير المكلف المطيق للصوم بين أمرين: الصيام، وهو الأفضل، والإفطار معالفدية، وهي إطعام مسكين، فمن زاد على ذلك فهو خير وأبقى.


وفي هذا جاء قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون. أياما معدودات فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرًا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون) (البقرة: 183،184).


فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وفدى.


والمرحلة الأخرى: مرحلة الإلزام والتحتيم: أي الإلزام بالصوم، ونسخ التخيير، الذي رخصت فيه الآية السابقة.


وفي ذلك نزل قوله تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون) (البقرة :185).


ففي الصحيحين عن سلمة بن الأكوع قال: لما نزلت: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) كان من أراد أن يفطر ويفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها (متفق عليه، اللؤلؤ والمرجان -702). وفي رواية لمسلم: حتى أنزلت هذه الآية: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه).


وقالت عائشة: كان عاشوراء يصام، فلما نزل فَرْض رمضان كان من شاء صام ومن شاء أفطر.


وكذلك روى البخاري عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود مثله.


فأوجب الله الصيام على الصحيح المقيم، ورخص في الإفطار للمريض والمسافر.


وهذا هو المنهج الحكيم الذي اتخذه الإسلام في تشريعاته، سواء في فرض الفرائض أم في تحريم المحرمات، وهو منهج التدرج في التشريع، الذي يقوم على التيسير لا التعسير.


وهذه المرحلة الإلزامية جاءت أيضًا على رتبتين، كان في الأولى تشديد عليهم، وفي الثانية تخفيف ورحمة.


فقد كانوا يأكلون ويشربون ويباشرون نساءهم ما لم يناموا أو يصلوا العشاء فإذا ناموا وصلوا العشاء لم يجز لهم شيء من ذلك إلى الليلة القابلة.


وقد وقع لرجل من الأنصار أنه كان يعمل طول يومه، فلما حضر وقت الإفطار انطلقت امرأته لتطلب له الطعام، فلما حضرت وجدته قد غلبته عينه من الجهد ونام، دون أن يتناول طعامًا، وعندما انتصف النهار في اليوم التالي غشي عليه من شدة المشقة.


كما روي أن بعض الصحابة - ومنهم عمر وكعب بن مالك - قد أصابوا من نسائهم بعد ما ناموا، أو نامت نساؤهم، وشق عليهم ذلك، وشكوا للنبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله الآية الكريمة التي تمثل المرحلة الثالثة التي استقر عليها أمر الصيام، وهي قوله تعالى: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون) (البقرة :187).


ففرح بها المسلمون فرحًا شديدًا، فقد أباح لهم الرفث - أي الجماع - والطعام والشراب في جميع الليل، إلى تبين الفجر، رحمة ورخصة ورفقًا، وعفا عما وقع منهم من تجاوزات.


اترك تعليق