إلى الإمام يوسف القرضاوي.. نبضة قلب

By : كوثر يونس

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على رسولنا الكريم، والحمد لله الذي منّ على هذه الأمة بعلماء أفذاذ مصلحين. أما بعد:

إن العلماء لذوي فضل على الأمة بأسرها، إذ أنهم مصابيح الهدى، وسراج الحق في الأرض، بهم يهتدي الناس إلى الحق المبين، ويتمسكون بحبل الله المتين.

في ظل الصراعات السياسية والدينية التي تشهدها الأمة الإسلامية، والحرب المعلنة على الإسلام، والفتاوى الساقطة من هنا وهناك، والتي ما أنزل الله بها من سلطان، وخزعبلات فاقدي الهوية والمستشرقين الحاقدين، والتاريخ المفترى عليه لحضارة ملأت الدنيا خيرًا وعدلاً، ونورًا وعلمًا، فاستفاق مع رسالة نبيها الكريم ركب البشر.. صرت أبحث عن أجوبة عن أسئلتي الكثيرة، باحثة عن فكر نير منار مستنير، وحكمة تبني ولا تهدم، ومنهج معتدل متطور، ونظرة إلى التطور والرقي، إلى أن اهتديت إلى رمز الفكر الإسلامي البنَّاء العلامة القرضاوي.

عالم جليل من علماء الأمة في العصر الحالي، وممن يُسروا لليسرى في مجال العلم والفكر الإسلامي المعاصر، وهو من المجددين الداعين إلى تطوير الخطاب الديني؛ من أجل القيام والنهوض بالأمة الإسلامية، مستندًا إلى الأصول والثوابت الإسلامية، مواكبًا لمتغيرات العصر، مبتعدًا عن التعصب الأعمى والهوى المتَّبع.

ولا شك أننا اليوم في أمسِّ الحاجة- خاصة في الوقت الراهن- إلى تجديد خطابنا الديني حتى نستطيع تمكين الآخرين من فهمه، وكسر أنف الحاقدين على هذا الدين العظيم.

القرضاوي هو مجتهد العصر، ونموذج الاعتدال والتجديد، الرجل الموسوعة، صاحب الكتب الإسلامية التراثية التي تعد كنزًا زاخرًا، وفكرًا باهرًا..

في فكر القرضاوي تجديد، ووسطية تجمع بين الأصالة والحداثة، إلى جانب رؤيته المتناغمة في المرأة والكون والفكر والدعوة.

وإنه من نعم الله تعالى على الإنسان أن يلتقي بكنوز الأمة ودررها؛ وكان من فضل الله تعالى علي وإحسانه إلي أن ألتقي بهذا العلامة الفذ أحد الذين قل أن يجود الزمن بمثلهم!

كان في المؤتمر الرابع لرابطة تلاميذ القرضاوي، رأيته شيخًا وقورًا مبتسمًا رصينًا عاقلًا.. وقفت روحي أمامه كما يقف المتأمل أمام بحر هادئ أزرق، يعكس صفاء روح تنتمي بالميلاد إلى عذوبة الماء، وابنة شرعية لوهج النور، تنساب منه الكلمات والمعاني انسياب جدول رقراق، فلا تلعثم ولا توقف يستجدي به الحروف والكلمات، أو نظر إلى ورقة مكتوبة يسعف بها نفسه، فهو الداعية الخطيب الأديب الشاعر.. كلام موزون من رجل رصين ثابت، لا يخلو خطابه من آيات الذكر الحكيم وسيرة رسولنا الكريم ومواقف الصحابة رضوان الله عليهم.. والثناء على علماء أفذاذ معاصرين يتباهى بهم بكل فخر واعتزاز..

صدقوني لقد استحييت من نفسي ومن جهلي وقلة معرفتي بديني وعلومه وعلمائه، وأدركت لوهلة أني غريبة في عالم من أناس يشع من وجوههم نور ساطع.. واستمعت إلى مفردات أول مرة أعلم بوجودها وأنا الطبيبة التي يشهد لها الأهل والأصحاب بثقافتها الواسعة.. يا الله! من هذا الذي أقف في حضرته وأستمع إليه مذهولة مندهشة!؟ أيعقل أن يتحدث شيخ قارب التسعين بهذا الكلام المتماسك السلس، الذي لا تشوبه شائبة، ولا تخونه فيه ذاكرة..

آتاه الله فضائل عدة: فهو يجمع بين المحافظة والانفتاح، والتيسير لا التسيب، أصيل موصول بالتراث، عارف به، مطلع على كنوزه المختلفة، غير غائب عن العصر الذي يعيش مشكلاته وتياراته المختلفة؛ لا ككثير من العلماء الذين يعيشون في الماضي وحده ولا يعرفون عن الحاضر شيئًا.. إنه الشيخ المفكر الذي يعرف الماضي، ويعايش الحاضر، ويستشرف المستقبل؛ ما جعله ينفتح على العصر، ناظرًا إليه بعين وإلى تراثه أمته ورصيدها الحضاري بالعين الأخرى.. يهتم بالأصل والفرع، وما هو ثابت وما هو متغير؛ ليعش حالي الإصلاح والتجديد في الإسلام، مؤكدًا على ضرورة تغيير الأمة إلى ما هو أفضل وأحسن عن طريق تغيير أفكارها وتغيير معارفها وتغيير إراداتها..

أيام مضت في ضيافته نهلت من علمه شربة لم تروِني.. وكلمات حمّلتها في حقائبي لأحتفظ بحضورها وعمقها وخصوبتها.. بل تجددها وتدفقها وحيويتها.. وأسبح في جنباتها وأشرب من رحيقها.. وأتذوق نعيمها وحلاوتها.. فتفيض على قلبي من معانيها وحقائقها ما يزيده ثباتًا وأنسًا ويقينًا..

إن لقائي بالدكتور القرضاوي زادني معرفة بمعان وحقائق متدفقة عندما تنسكب في شغاف القلب ويرتوي بها الكيان.. تثمر معرفة لا عهد للعقل بها.. أي لا تدخل في دائرة المعرفة العقلية.. وإنما هي من ثمار المعرفة القلبية الثابتة اليقينية..

ختم الدكتور القرضاوي المؤتمر بقوله أوصيكم بالأُخوة، تآخوا في الله، وتحابوا فيه، وسارعوا إلى الأخوة، وابحثوا عنها بينكم وفي كل مكان؛ فهي الرابطة المتينة بين الفردوس المفقود والفردوس الموعود.. قالها بتأكيد وإصرار، وفي عينيه حزن دفين على عذابات الأمة وخساراتها ونكباتها، وماضيها القديم، ماضي الفردوس النقي.. وبحر أمل متدفق أن الأمة سيعود مجدها ويعلو صرحها عاجلاً غير آجل.. ومستقبل التواصل المتجدد مع أصولها الأولى التي انفصلت عنها..

إن الأخوة بالنسبة للعلامة القرضاوي بمثابة القوة المتدفقة التي تمنح الشعور بالقدرة على امتلاك الذات.. والوقوف في وجه التيار الجارف المسلط على الأمة ومنعه من سحقها والتهام حضورها..

نسأل الله تعالى أن يحفظ العلامة القرضاوي ويمتع به، وأن يحفظ علماء الأمة ومناراتها، وأن يغفر لنا ويتوب علينا، وأن يقدر لهذه الأمة أمر رشد، وينفخ فيها من روحه فتعود كما يؤمل منها إنه على ما يشاء قدير.

د. كوثر يونس (من تونس)


اترك تعليق