العلمانية والطائفية

By : أ. د. يوسف القرضاوي

في الندوة التاريخية، التي أقيمت في "دار الحكمة" بالقاهرة للحوار بين "الإسلام والعلمانية" ذكر د. فؤاد زكريا ممثل الجانب العلماني، حجة لتأييد الدعوة إلى العلمانية في مصر وأمثالها.

ملخص هذه الحجة ـ فيما يراها مقدمها ـ أن البلاد التي يكون فيها أكثر من دين، تكون العلمانية علاجا لأوضاعها، حماية لها من التعصب الطائفي، الذي يجر إليها الكوارث، وضرب مثلا لذلك: الهند، ولبنان، اللذين يتبنى دستورهما العلمانية، حتى لا يعلى طائفة على أخرى.

فالهند تتكون من هندوس ومسلمين وسيخ وبوذيين، وهي أديان قديمة فيها إلى جوار النصارى، الذين ظهروا نتيجة وجود الاستعمار التبشيري، أو التبشير الاستعماري في البلاد.

ولبنان يتكون من مسلمين سنة، ومسلمين شيعة، ودروز، ونصارى من طوائف مختلفة، وأبرزهم المارونيون.

وفي الندوة المشهودة قلت للدكتور: إن ما ذكرته حجة عليك لا لك، فإعلان "العلمانية" في كل من الهند ولبنان، لم يعالج "الطائفية" الكامنة في صدور الناس، بل لم يشهد العالم خلال هذا القرن ما شهده من التعصب الطائفي البغيض في كلا البلدين.

فالمسلمون تعرضوا على يد الأكثرية الهندوسية، لمذابح شتى، تشيب لهولها الولدان، أقربها مذابح آسام، وبين الهندوس والسيخ معارك ضارية، وصدامات مسلحة، وقد ذهبت ضحيتهم رئيسة وزراء الهند الشهيرة "أنديرا غاندي".

والعجيب أن هؤلاء الهندوس، الذين يتورعون عن إبادة الفئران والحشرات، ولا يستخدمون مبيدات الذباب والبعوض في الفنادق الكبرى، لأن هذه الحشرات "ذات روح" استباحوا ذبح المسلمين بالألوف، كأنهم ليسوا من "ذوي الأرواح"!!

وفي لبنان تقوم الحرب الطائفية المجنونة منذ أكثر من عشر سنوات، ولازالت. سفكت فيها الدماء، وانتهكت فيها الحرمات، وهدمت فيها البيوت، وحسبك ما جرى في صبرا وشاتيلا، وما يجري إلى اليوم في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين المحاصرين، الذين بلغت بهم المخمصة إلى حد الاستفتاء: أيجوز أن يأكلوا لحوم الموتى والقتلى منهم؟‍!

إنها الحرب الطائفية الدموية الحقود، التي لا تهدأ إلا لتشتعل، ولا تسكن إلا لتقوم من جديد أشد ضراوة، وأكثر قساوة، وقد ارتكب فيها من الموبقات ما يقشعر بدن التاريخ من ذكره.

فماذا صنعت "علمانيتك" لطائفية لبنان، يا دكتور؟! إن حججك ـ دائما ـ تنقلب عليك، وما لي في هذا يدان.

احتج د. زكريا في الندوة أيضا بما أعلنه يوما الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، من العزم على إقامة "دولة علمانية" في فلسطين، وهو ما تتبناه بعض الفصائل الفلسطينية.

ولم أرد على هذه النقطة في الندوة مراعاة لضيق الوقت، ولأنها شبهة أضعف من أن يرد عليها، فالدولة الفلسطينية لم تقم، لا علمانية ولا إسلامية، حتى ننظر ما موقفها؟

وما أعلنه عرفات يوما ليس حجة شرعية، يستدل بها في مواضع الخلاف.

بل إن إعلانه أو توجهه هذا، لقي من الاعتراض في الداخل والخارج، ما جعله يحاول التعفية على آثاره، والسكوت عنه فيما بعد.

وقد ظن يوما أن مثل هذا التوجه، أو الإعلان عن الدولة العلمانية، يتعايش فيها العرب المسلمون والنصارى واليهود، يطمئن اليهود، وأنصارهم في معسكري الغرب والشرق، ويرضي الفصائل المتعصبة ضد الإسلام من الفلسطينيين، ويرضي الدول الطائفية من حوله في سورية ولبنان، ويرضي الحكام العلمانيين من العرب.

والواقع أن هذا التوجه لم يحل المشكلة عند أحد، لا عند اليهود، ولا عند الأمريكان، أو الروس، أو الغربيين، ولا عند الفلسطينيين أنفسهم، ولا عند جيرانهم في سورية أو لبنان، ولا عند حكام العرب العلمانيين.

هل أوقف توجه عرفات للعلمانية معركة "تل الزعتر"، وما خلفت من مآسي وضحايا؟! أو منعت مذبحة "أيلول" الأسود؟! أو أخرت غزو لبنان وحصار بيروت، وإخراج الفلسطينيين منها؟! هل منعت حمامات الدم في صبرا وشاتيلا، ومخيمات اللاجئين في لبنان إلى اليوم؟! هل حمت الفلسطينيين من الانشقاق حتى داخل "فتح" نفسها، التي يرأسها عرفات؟! هل حمل هذا التوجه العلماني حكام العرب العلمانيين أن يقفوا إلى جوار الفلسطينيين وقفة رجولة وإيجابية ضد من يذبحونهم بلا إنسانية ولا رحمة؟!

لعمر الله، ما أجدى التوجه العلماني فتيلا، في شيء من ذلك، ولا جعل هذا لعرفات قبولا عند اليهود، ولا عند مؤيديهم من الأمريكان وغيرهم!

وكان أولى من الاحتجاج بالتوجه الفلسطيني إلى العلمانية، الذي لم يظهر له أثر إيجابي في قليل ولا كثير، أن يحتج الدكتور بالتوجه الديني لدى إسرائيل. فهذا التوجه هو الذي دفع اليهود في العالم إلى الحركة بعد جمود القرون، وهو الذي جمع شتات أمة، قطعها الله في الأرض أمما، وهو الذي نفخ فيها روح النضال بعد أن ضربت عليها الذلة والمسكنة آلاف السنين، وهو الذي أحيا موات لغة لم تكن لسانا لأي دولة أو دويلة في الأرض، وهو الذي أقام لليهود دولة تعتز بانتمائها الديني، سمت نفسها باسم أحد الأنبياء، واندفعت لإقامتها بحوافز دينية، من توجيه التوراة وتعاليم التلمود.

قامت هذه الدولة على أنقاضنا، على اغتصاب أرضنا، وانتهاك عرضنا، وتشريد أهلينا، ونحن أحياء شهود، نرى ونسمع، نكون أكثر من عشرين دولة عربية وأكثر من أربعين دولة إسلامية، فماذا أغنى توجهنا العلماني تجاه توجههم الديني؟!

لقد خضنا معهم معارك، دخلوها ومعهم اليهودية، وليس معنا الإسلام! معهم التوراة، وليس معنا القرآن! معهم تعاليم موسى، وليس معنا تعاليم محمد! فكانت العاقبة الهزائم والنكسات والوكسات، نتجرعها غصة وراء غصة، وما ربك بظلام للعبيد.

في ندوة عقدت في إسرائيل حضرها من مصر الدكتور مصطفى خليل رئيس وزراء مصر الأسبق، وبطرس غالي وزير الدولة للشئون الخارجية المصرية، وعدد من الأساتذة الإسرائيليين المتخصصين في الشئون السياسية والعربية "وذلك في 19/12/1980م"، في هذه الندوة قال د. خليل للإسرائيليين المجتمعين معه:

"أود أن أطمئنكم أننا في مصر نفرق بين الدين والقومية، ولا نقبل أبدا أن تكون قيادتنا السياسية مرتكزة إلى معتقداتنا الدينية".

وما أن أنهى مصطفى خليل كلامه، حتى وقف البروفيسور دافيد يرد عليه قائلا: إنكم أيها المصريون، أحرار في أن تفصلوا بين الدين والسياسة، ولكنني أحب أن أقول لكم: إننا في إسرائيل نرفض أن نقول: إن اليهودية مجرد دين فقط، بل إننا نؤكد لكم أن اليهودية هي دين، وشعب، ووطن.

وقال البروفيسور تفى يافوت:

أود أن أقول للدكتور مصطفى خليل: إنه يكون على خطأ كبير، إذا أصر على التفريق بين الدين والقومية، وإننا نرفض أن يعتبرنا الدكتور خليل مجرد أصحاب دين لا قومية له، فنحن نعتبر اليهودية ديننا وشعبنا ووطننا، وأحب أن أذكر الدكتور خليل بأن الشرق الأوسط كان موطن الديانات السماوية، المسيحية، والإسلامية، واليهودية، ولم يكن موطن قوميات، أما القومية فقد كانت من ابتكار الأوربيين، الذين أزعجهم انتشار الحروب الدينية في أوروبا، فابتكروا الفكرة القومية للتخفيف من حدة الصراع الديني، في أوروبا، ومن خلال هذا الشعار شعار القومية، حاولوا الانتقام من شعوب الشرق الأوسط، فباعوا ابتكارهم إلى شعوب الشرق الأوسط، وهكذا أصبحت حياة الشباب في الشرق الأوسط تتوه في الحروب القومية".

ليت د. مصطفى خليل، ود. فؤاد زكريا وأمثالهما ينتفعون بهذا الدرس، الذي لقنه لهم رجال إسرائيل!

ومما ينبغي أن أذكره هنا، ما قرأته أخيرا، وأنا أدفع بالكتاب إلى المطبعة، وذلك فيما كتبه الكاتب السياسي الشهير محمد حسنين هيكل في مقاله بصحيفة "أخبار اليوم" القاهرية، يوم السبت 24/1/1987م، عن لقائه بأشهر علماء الطبيعة في عصرنا "أينشتاين" صاحب نظرية "النسبية" الذي فتح الباب للعصر النووي.

لقد ذهب للقائه وحواره، وذهنه مشحون بأسئلة شتى، حول العلم ووثباته في القرن العشرين، القنبلة الذرية، وإنجازات اليوم، وتوقعات الغد.

كان هذا اللقاء في الفترة الأولى لثورة 23 يوليو، قبل أن يبرز اسم جمال عبد الناصر، وفوجئ هيكل بأن الرجل هو الذي بدأ يسأله، وقال هيكل في دهشة: إنه لم يخطر لي أن لديه ما يسألني فيه، الطبيعي أن أسأله أنا!

أتدرون عن أي شيء سأله؟

سأله عن قادة الثورة الجديدة في مصر: هل تعرف ما الذي ينوون عمله بأهلي؟!

يقول هيكل: ومرة أخرى كانت دهشتي حقيقية. ولاحظ، وأضاف مفسرا: أهلي من اليهود، هؤلاء الذين يعيشون في إسرائيل.

يقول هيكل: وتذكرت لحظتها فقط ـ حقيقة ـ أنه يهودي، كان في وعيي وفهمي وتقديري باستمرار، أنه "العالم" ولم أصنفه في خاطري على أساس ديني أو عرقي. وها هو ذا الآن يسألني عن أهله في إسرائيل! وأول سؤال!

ـــــــــ

- من كتاب "الإسلام والعلمانية وجها لوجه" للعلامة القرضاوي.

 http://www.qaradawi.net/new/library2/273-2014-01-26-18-50-05


اترك تعليق