مقصد مراعاة السنن الإلهية

By : جاسر عودة

حين نتعامل مع المفاهيم الإسلامية وغير إسلامية الأصل على حد سواء، لابد من النظر إلى بُعد يسمى بالسنن الإلهية، وهو بُعد تقصد الشريعة الإسلامية إلى مراعاته وتحرص على عدم التناقض معه، كما أنه يمثل الحكمة المجردة والعبرة العالية من كل فكر بشري ولو كان غير إسلامي، وهو ما يمكن أن يفيد الفكر الإسلامي من مفاهيم الآخرين، ودون أن يلزمنا أن ننقل الأشكال العملية التي اتخذتها تلك المفاهيم في بيئات وثقافات الآخرين.

والسنن الإلهية هي قوانين مطردة، خلق الله عز وجل بها الكون ويسيره على نسقها، وهي بالتعبير القرآني: فطرة الله أو سنة الله. وهذه السنن تحكم كل شيء في هذا الكون على نفس منوالها، من الذرة إلى المجرة، وتحكم على الخلية البشرية أو النباتية أو الحيوانية، والإنسان، وتجمعات الإنسان، وحضارات الإنسان، وتجمعات الحيوان، وتجمعات النباتات، وتحكم كذلك على حركة التاريخ ومسيرة المجتمعات، كلها على نفس الشاكلة.

وشريعة الله عز وجل تقصد إلى مراعاة هذه السنن خاصة في مجال المجتمع والدولة، فالله عز وجل لا يشرّع شيئًا -سبحانه وتعالى- ضد الفطرة البشرية أو ما عليه طبيعة الكون أو طبيعة البشر، فالإنسان مثلاً في فطرته غريزة التملك وحب الجاه والاستجابة للشهوة، ولذلك لا يستطيع الإنسان بفطرته أن ينعزل عن البشر تمامًا، أو أن لا يمتلك شيئًا أصلاً، أو أن لا يتزوج أبداً، ولهذا يراعي الإسلام هذه السنن الفطرية، ولكنه أيضاً ينظم تعاملات البشر فيها لتحقيق مصالحهم على العموم، ولا يحرم شيئًا من طبيعة البشر تحريمًا مطلقًا ولا يقصد إلى هذا في أي جزء من أجزاء الطبيعة البشرية. ورأينا في عصرنا كيف أن النظم السياسية التي كانت أكثر تناقضاً مع الفطرة البشرية من غيرها سقطت وانهارت أسرع من غيرها.

ويقول العلماء إن لله عز وجل كتابان: كتاب مقروء وكتاب منظور، وهذان الكتابان هما القرآن الكريم والكون. ورغم أن القرآن والكون هما مصدران للتعرف على السنن والقوانين الإلهية، إلا أن التعرف على هذه السنن من خلال دراسة الكون ينتج علوماً نافعة ولكنها ليست متيقنة ولا عامة ولا مطردة، بعكس السنن التي يعلمنا إياها القرآن.

فالدراسات الاجتماعية مثلاً تحلل لنا ظواهر معينة بناء على دراسات إحصائية، ولعلها تستنتج قانوناً أو سنة أو علاقة مطردة بين ظاهرتين مثلاً كما تدل عليهما الإحصاءات، ولكن هذا الاطراد قد يكون مقصوراً على زمان معين قام فيه الباحثون بالدراسة، أو ظروف خاصة بهذا المجتمع وثقافته دون غيره، أو قد يحدث خطأ في تجميع البيانات أو تحليلها، إلى آخره، وليست بالضرورة سنة إلهية لازمة.

والدراسات الطبيعية والكونية كمثال آخر تفسر لنا ظواهر معينة بناء على ملاحظات معملية ومعادلات رياضية، ولعلها تستنتج قانوناً أو سنة أو علاقة مطردة بين معدلين أو قوتين مثلاً كما تدل عليهما المعادلات، ولكن هذا الاطراد قد يكون مقصوراً على زمان معين أو ظروف خاصة بالتجربة أو تقدير تقريبي للأرقام، وليست بالضرورة سنة إلهية لازمة.

أما السنن الإلهية التي نتعلمها من القرآن فهي مطردة ومنتظمة وثابتة، ولا تخضع لتغير ولا تبدل ( فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلا)[1]، (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً)[2]، (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا)[3]، بمعنى أن ما هو عادة وسنة وقانون إلهي لا يتغير، إلا أن يغيره الله سبحانه وتعالى بمعجزة خاصة بنبي في وقت معين.

وبالتالي فإذا تبين لنا في قضية سياسية معينة الارتباط بسنة إلهية معينة فإنه لا يصح شرعاً ولا عقلاً أن نضادّ هذه السنن أو نتحداها، بل إن الشريعة تقصد إلى مراعاة السنن والتوافق معها كما هو ظاهر باستقراء تفاصيلها.

* الكون كله وحدة واحدة

هناك سنة إلهية أصيلة يمكن أن نطلق عليها سنة الوحدة، بمعنى أن الكون كله وحدة واحدة مترابطة ومتصلة كما خلقها الله سبحانه وتعالى. ونجد في القرآن تعبير "كل شيء” يتكرر في مواضع كثيرة، منها مثلاً: (اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ)[4]، (قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)[5]، (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ)[6]، (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) [7].

وهذه السنة تعني عملياً أن هناك روابط وصلات واتصالات بين كل ما خلق الله سبحانه وتعالى، فالكون وحدة مترابطة لا نستطيع أن نحرك شيء في الكون دون أن يتأثر كل الكون، بشكل أو بآخر.

وبالتالي، فالسياسات والقرارات التي تتعامل مع قضية معينة يجب أن لا تكون منفصلة عن الواقع، وأن تعتبر سائر القضايا وسائر الصلات وسائر النظم المتعلقة بتلك القضية. ولذلك، فالتحليل السياسي "التجزيئي” الذي أشرنا إليه آنفاً لا ينفع لأنه يتعارض مع سنة الوحدة والتوحيد المطّردة، والفهم والتطبيق الشامل الكلّي يتّسق مع تلك السنن ويؤتي الثمرات المرجوة في الواقع بشكل أفضل لا محالة.

وسنة الوحدة تنطبق على المستوى الإنساني العام، قال تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)[8]، أي في بداية البشرية ثم اختلفوا وتفرقت بهم السبل فمنهم من آمن ومنهم من كفر، ولذلك أرسل الله سبحانه وتعالى النبيين مبشرين ومنذرين، لينذر الكفار ويبشر المؤمنين. ولكن الأصل أن الناس كلهم من آدم، وآدم من تراب، ويقول تعالى كذلك:(خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ).[9]

وهذه السنة معناها عملياً أننا ينبغي أن نراعي المشتركات الإنسانية في التدابير السياسية والسياساتية، ذلك لأن الشعوب في هذا العالم رغم اختلاف ثقافاتهم يشتركون في مساحات كبيرة في أفكارهم وتصوّراتهم وتطلّعاتهم، ومراعاة هذا من الحكمة المطلوبة، والتعامل مع غير المسلمين على أنهم أخوة في الإنسانية وفي الفطرة البشرية محمود ومطلوب.

* رابطة الوحدة والزوجية والتنوع

ويتعلق بسنة الوحدة أيضًا سنة الزوجية، والزوجية لا تتعارض مع الوحدة، فهناك وحدة في البشرية لكن هناك زوجية في كل شيء تحت هذه الوحدة وفي إطارها، فكل زوجية هي في أصلها تعبير عن وحدة على مستوى أعلى من مستوى الاختلاف بين الزوجين، كزوجية الذكورة والأنوثة في البشر والنبات والحيوان، وزوجية الموت والحياة، وزوجية الغنى والفقر، والقوة والضعف، والعمران والبادية، والعلم والجهل، والسلم والحرب، وهكذا.

وفي الإطار السياسي تواجهنا زوجيات من الأحوال والأفكار والنظم والآراء والإيديولوجيات، والاتساق مع السنن الإلهية هنا يتمثل في النظر في سنّة الزوجية على أنها تكامل في معنى أعلى يحقق الوحدة والتوازن في تلك الزوجية.

فمثلاً: زوجية الذكر والأنثى داخل الأسرة يختلفان في صفات الذكورة والأنوثة ولكنهما يتفقان في تحقيق معنى المودة والسكينة والتوازن، وزوجية الرأسمالية والاشتراكية في الاقتصاد يختلفان في تحديد دور الدولة ولكنهما يتفقان في قيمة العدالة في التوزيع، وقد نقتبس منهما معاً ما ينفعنا من تدابير ونظم، وزوجية المركزية واللامركزية في توزيع السلطة يختلفان في نظام الحكم ولكنهما يتفقان في غاية الحفاظ على النظام العام وتحقيق مصالح الناس، وهكذا. والتفكير "الإسلامي” السنني لابد أن يجتهد لتحقيق نظرة مركبة وشاملة ومتوازنة في التعامل مع الزوجيات، نظرة تنظر إلى المعانى المشتركة العالية.

وينبثق عن سنة الوحدة والزوجية سنة إلهية قرآنية عالية ومهمة لها تعلق مباشر بموضوع بحثنا هذا، ألا وهي سنة التنوع أو الاختلاف. وهي سنة مطردة سواء في تنوع الصور والألوان الطبيعية في ما ومن خلق الله عز وجل في الكون. فرغم أن النباتات والحيوانات وحدة واحدة وأصلها واحد لكنها تتنوع، وكل أشكال الحياة في الكون أصلها واحد لكنها تتنوع في أشكال متنوعة تظهر فيها.

والنبي صلى الله عليه وسلم مثلًا حين حدثت حوادث في المدينة من بعض الكلاب المسعورة، أمر بقتل تلك الكلاب. ولكن حين استشرى القتل في الكلاب قال صلى الله عليه وسلم: (لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها).[10] فالنبي صلى الله عليه وسلم راعى هنا التنوع وأن الحفاظ عليه سنة إلهية، وكأن الحديث يشير إلى الآية: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ)[11].

وعلى قياس ذلك الحديث النبوى لابد أن نطبق سنة التنوع في الحيوانات ونحافظ عليهم، وكذلك سنة التنوع في البشر وهم أولى من الحيوانات في الحفاظ عليهم! والإسلام بشريعته الغراء يراعي التنوع في كل شيء، ولا يقصد أبداً أن يلغي نوعاً ولا مكوّناً من مكوّنات المجتمعات الإنسانية أو الحيوانية أو النباتية.

وأما البشر، فرغم أن أصلهم واحد ولهم طبيعة وكرامة إنسانية واحدة، إلا أنهم متنوعون وسيظلوا متنوعين ومختلفين في الديانات والآراء والمذاهب والمشارب، وشريعة الإسلام تدعو الناس إلى الإيمان والعدل والحكمة والقوة والغنى والاعتدال، ولكنها لا تقصد أن تلغي ببساطة الفوارق بين الناس في كل هذه الأبعاد لأن الواقع الحتمي أن من سنن الله تعالى أن الناس لا يزالون مختلفين.

والسنن التي تتعلق بالوحدة، والسنن التي تتعلق بالزوجية تتكامل مع السنن التي تتعلق بالتنوع، فليس هناك تناقض بين الوحدة والزوجية والتنوع، لأن هناك وحدة في البشر مع زوجية وتنوع أيضًا ولا تناقض. ولا يصح لنظام سياسي مهما كان أن يسعى لإلغاء ذلك التنوع في أيّ من أبعاده وإلا عارض السنن الإلهية وفشل وانتهى.

وبعض العنصريين في القرن العشرين –كمثال- قرروا أن هناك جنساً معيناً أعلى من أجناس أخرى، وأن هناك أجناس أوروبية معينة "فوق الجميع”، ثم تمادوا وطبقوا سياسات عنصرية تهدف إلى التصفية العرقية، وأدت سياساتهم إلى مصائب إنسانية كبيرة. وهذا مثال فج على عدم فهم سنة التنوع كسنة طبيعية وبشرية، فالناس يتنوعون وليس هناك أفضلية لمجرد اللون أو العرق. (الناس سواسية كأسنان المشط) كما قال سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، وكان أول من قال ذلك في التاريخ البشري!

ولو أردنا أن نضرب مثالاً "إسلامياً” معاصراً على قضية من قضايا الأقليات وهي قضية جنوب السودان، ففي رأيي أن السياسات "الإسلامية” التي طبقتها حكومة الشمال على هؤلاء الناس على مدار السنين لم تراع التنوع لا في شكله الديني، ولا التنوع الثقافي، ولا التنوع العرقي، وبالتالي أدت إلى وجود أقلية أرضها غنية بالثروات ولكنها واقعياً مهمّشة ومضطهدة، وبالتالي آل الحال إلى تدخل قوى كثيرة وانفصال جنوب السودان سياسيًا في نهاية المطاف. هذا مثال في رأيي على فشل في إدارة التنوع وتحقيق التعددية.

والسياسة الإسلامية الرشيدة لا ينبغي أن تصادم السنن الإلهية. قال تعالى مبيناً هذه السنة في خلقه للناس: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ. إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ) [12]. وموضوع الأقليات عموماً موضوع حساس في هذا العصر، والأقليات سواءً كانت عرقية أو دينية لابد في التعامل معها أن تحقق الدولة الوطنية التوازن بين الوحدة والتنوع، ولا يمكن أن تفرض وحدة على الناس ترفض التنوع أو تلغيه باسم الوطنية أو الأغلبية.

وفي بلاد عربية ومسلمة –كمثال ثان- يوجد مذاهب سنية وشيعية، وهذه حقيقة تاريخية ودينية واجتماعية لا يمكن محوها بجرة قلم، ولا يمكن سياسياً ولا شرعياً أن يُفرض مذهب بعينه –سنياً كان أم شيعياً- ثم يُلغى الآخر ويقصيه دينياً أو سياسياً أو اجتماعياً أو اقتصادياً، كما نرى من الجانبين. هذا نظام فاشل لا يؤدي إلا إلى المشاكل والاضطرابات المعروفة التي تحدث دائمًا في ظل سياسة المذهب الواحد والرأي الواحد والمنهج الواحد. وهذا سوء فهم لسنة التنوع يتعلق مباشرة ببحثنا هذا عن المدنية داخل الدولة المعاصرة.

* التداول مقتضى سنتي التوازن والعدل

ويلحق بالتنوع سنة أخرى من سنن الله عز وجل في خلقه، ألا وهي التوازن. وعن التوازن في صورته المادية يقول تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)[13]، فالأصل أن الأرض ليس فيها إشكال بيئي، بل هي متزنة مع نفسها، ولكن الفساد يأتي منا نحن البشر.

ويقول تعالى: (اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ)[14]، ودائمًا ما نلاحظ أن نزول الكتاب يأتي في القرآن مقترناً بإقامة الميزان أو الوزن، والذي يأخذ صورته البشرية في العدل والقسط، فالعدل هو صيغة التوازن في المجتمعات البشرية، والله عز وجل هو العدل، ويقيم العدل في الآخرة إن لم يقم في الدنيا، حتى بين الشياة التي تتناطح، كما في الحديث.

والعدل هو السبيل لتحقيق التوازن والاستقرار مع مراعاة التنوع. قال تعالى: (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)[15]، وهذا يعني أنه حتى إذا أدى التنوع والاختلاف إلى خلاف وحرب –لا قدر الله- فلابد من إقامة العدل حتى يعود السلام. فالعدل هو الذي يحافظ على التنوع، ويؤدّى إلى التوازن على مستوى المجتمعات، ولذلك فمقصد العدل من أولى المعاني والثوابت الإسلامية.

وإذا أردنا أن نقيم التوازن بين التنوع لتحقيق الوحدة لابد لنا أن نقيم العدل، وهذه قضية ليست سياسية فقط وإنما هي قضية سياساتية، واجتماعية، واقتصادية، ونفسية، فلابد من قيام العدل بين الناس، وشعور الناس بالعدل حتى يحدث التوازن والاستقرار السياسي وحفظ نظام الأمة، والذي هو مقصد آخر مهم من مقاصد الشريعة.

ومن مقتضيات سنتي التوازن والعدل سنة التداول. قال عزّ من قائل: (وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)[16]. بل إن هناك تداولاً في كل شيء في الطبيعة وليس فقط في حياة البشر أفرادًا وأممًا، فتداول بين الحرارة وبين البرودة، وبين القوة والضعف في حياة الإنسان، وتداول في كل أشكال الحركة الفردية والجماعية والحضارية والكونية. وسوف نرى أن التداول السلمي للسلطة هو من المعاني الحميدة التي تحققها التعددية السياسية، وسبحان من يغير ولا يتغير.

والتغيير الذي نتحدث عنه كثيراً هذه الأيام ليس عملية عشوائية بل له سنن إلهية متعلقة به ومسببة له. فالتغيير أولاً يحدث في دورات، وكل دورة بدورها في داخلها دورات. الإنسان هو عبارة عن مجموعة دورات متداخلة، من دورة النفَس صعودًا وهبوطًا، ودورة الفصول مع الشهور والسنين، ودورة حياة الإنسان من الضعف إلى القوة إلى الضعف، ودورات يمر بها الإنسان كعضو في مجتمع أو جماعة أو حضارة، وكلها تدور قوة وضعفاُ وصعودًا وهبوطًا. وهذه سنة الله عز وجل في خلقه، نحتاج إلى أن نفهمها لكي نفهم مراعاة الشريعة لتلك الدورات.

وهذه مسألة سياسية مهمة كذلك، لأن التداول والتغير يأخذ وقتًا وله دورة معينة لا يحيد عن فلكها، ولا تستطيع الأمة الإسلامية مثلاً أن تنهض وتصبح في أوائل الأمم بين يوم وليلة ولا في سنة، ولو حاولنا ذلك لفشلنا نظرًا للسنن الإلهية المطرّدة التي تقتضي أن للحضارات دورات تأخذ وقتًا من الهزيمة إلى النصر، ومن الانكماش إلى التمدد، ومن التخلف إلى التقدم، وهذه دورات طبيعية.

وابن خلدون رحمه الله يتحدث في مقدمته عن ما يمكن أن نطلق عليه الدورة الحضارية للدولة، بمعنى أن الدولة تبدأ قوية شابة بمجموعة من الناس يضحون ويموتون في سبيل مبدأ ما، ثم بعد ذلك تبدأ في نوع من الرتابة والاستقرار، ثم بعد ذلك يترف الناس ترفًا جديدًا وتكثر عندهم المفاسد، ثم تبدأ الدولة في الانهيار، وهكذا دواليك. وهذه السنة الإلهية تنطبق على كل التجمعات والمؤسسات صعوداً وهبوطاً.

(د. جاسر عودة) أستاذ أصول الفقه ومقاصد الشريعة

------------
هوامش :
[1] فاطر: آية 43
[2] الأحزاب: آية 62
[3] الأحزاب: آية 38
[4] الرعد: آية 8
[5] الرعد: آية 16
[6] الزمر: آية 62
[7] الإسراء: آية 44
[8] البقرة: آية 213
[9] الزمر: آية 6
[10] صحيح مسلم.
[11] الأنعام: آية 38
[12] هود: آية 118-119
[13] الروم: آية 41
[14] الشورى: آية 17
[15] الحجرات: آية 9
[16] آل عمران: آية 140

-----------------------
المصدر | يقظة فكر


اترك تعليق