النبيل طارق الجوهرى .. وداعا

By : فتحى أبو الورد


لم يكن أحد قيادات الحركة الإسلامية ، ولم يكن أحد الدعاة المشهورين ، ولم يكن أحد العلماء الذين يشار إليهم بالبنان ، ولم يكن ظهوره على مسرح الأحداث فى مصر منذ زمن بعيد ، ولم يكن ظهوره كذلك مغنما فى وقت اليسر والرخاء ، بل كان مغرما فى وقت العسر والضراء ، ولم يكن يعرفه الكثيرون قبل سنتين ، ولكن جنازته لم تقل حضورا ولا شهودا من أهل الخير والصلاح عن واحد ممن ذكرت ، رغم أنه فارق الحياة فى الغربة ، إنه أحد الأحرار الذين أبوا حياة العبيد .


لقد لفت قلوب الأحرار وأنظارهم إليه ، من خلال صدق لهجته ، وقوة عزيمته ، وحرصه على نصيحة أمته ، وانحيازه لأهل الحق ، وإصراره على مقارعة الباطل ، وفضح خسائسه ، وكشف عوراته ، وتعرية مؤامراته ،مهما كلفه ذلك ، إنه النبيل العميد طارق الجوهرى - رحمه الله -


لم يغب عن بالى وأنا أتأمل مسيرته قول القائل : ليس الطريق لمن سبق ، وإنما الطريق لمن صدق .


لقد كان - رحمه الله - نقطة بيضاء فى ثوب أسود ، وأبى إلا أن يخلع هذا الثوب الدنس فى إباء وعزة ، ذلك لأن مجيئه كان من مؤسسة تحارب الإنسان من حيث كونه إنسانا ، فكانت نسيته إليها كنسبة النقطة البيضاء إلى الثوب الأسود ، وكنسبة الزهرة المتفتحة إلى أكوام من القمامة .


سيظل يذكر الأحرار والشرفاء الحر النبيل طارق الجوهرى رمزا للشرف والحق والنضال والتضحية إلى ما شاء الله ، وسيظل النموذج الذى تفخر به الأمة لرجل كان بإمكانه أن يكون غنيا وجيها من أهل الحظوة والنفوذ ، ولكنه أبى فى ترفع أن يكون قاتلا أو مغتصبا أو على أقل تقدير ظالما فى صفوف الظالمين وأعوانهم .


يؤثرك هدوءه ، وتشدك إليه غيرته على الحق ، ويعجبك منطق تحليله للأحداث حتى وإن اختلفت معه ، وتدعوك رجاحة عقله إلى تقديره ، ويجبرك تواضعه على احترامه، وتلمس فى سمته فراره من أماكن الضجيج الإعلامى إلا حيثما يؤدى واجبا ، وتقرأ فى سلوكه عدم رغبته لتصدر المشاهد والشهرة .


جمع الله له قلوب الخلق فى جنازته ، وساق له كرام الناس فى وداعه ، وأظهر له كرامة الأولياء فى خاتمة حياته، فكان شهداء الله فى الأرض ممن شهدوا جنازته كثيرى العدد من صالحى السيرة ، ومستقيمى المسيرة ، فأثنوا عليه خيرا ، وذكروا بعض مآثره ، فماذا كان بينك وبين ربك أيها النبيل ؟.


ومنذ إعلان نبأ وفاته - رحمه الله - لم ينقطع الحديث بين الناس ، من التقاه ومن لم يلتقه ، لتبليغ الناس بنبأ وفاته ، والدعاء له ، والترحم عليه ، خبر تتناقله صفحات التواصل الاجتماعى ، وصفحات المواقع الإلكترونية ، ثم الانشغال بالسؤال عن مكان وموعد الجنازة ، فبعد أن أعلن أن الجنازة ستكون فى مقابر الدوحة عصرا ، والكل يرتب حاله ليشهد وداعه ، والدعاء له ، ثم قيل إن إجراءات الدفن ستتأخر قليلا ، وربما يكون الدفن بعد صلاة المغرب ، ثم استقر الأمر على أن موعد الدفن بعد صلاة العشاء ، كل ذلك والناس مصرة على شهود الجنازة ، لم يعدل منهم أحد عن نيته وعزيمته على الحضور - فيما أعلم - رغم الارتباطات ، لقد أغلق الجميع يومه على شهود جنازة العزيز النبيل أيا كان موعدها .


ثم كان عدد الحضور فى المسجد لشهود الجنازة كبيرا ، وتوالت التذكرة والدعاء للراحل الكريم ، كان آخرها وختامها عزاء ودعاء وصلاة إمام الدعاة ، وفقيه الأمة العلامة الشيخ يوسف القرضاوى ، وبالقرب من الجثمان الطاهر المسجى أعلن العلامة القرضاوى أن الفيصل بين الصالحين والطالحين ، بين الظالمين والمظلومين ، بين الصادقين والكاذبين هو الجنائز ، كما كان يقول الإمام أحمد : قولوا لأهل البدع : بيننا وبينكم الجنائز .


قال لى أحد أصدقائى : أنا هنا فى قطر منذ أكثر من عشرين سنة ، لم أشهد جنازة مثل هذه الجنازة .


لقد كانت جنازته استفتاء شعبيا حرا مصغرا معبرا عن خيار الشعب المصرى وانحيازه للثورة ، لأن الذين حضروا يمثلون قطاعات الشعب المصرى بمختلف شرائحه واتجاهاته وانتماءاته ،وإن شئتم أن تتأكدوا من ذلك فافتحوا الميادين فى مصر لتروا الصورة مكبرة ، ولو أنى قلت : لم يتخلف عن جنازته إلا واحد من أصحاب الأعذار ، لم أكن مجافيا للحقيقة .


حضرنى - ونحن نسير فى جنازته من المسجد إلى قبره بالليل - مشهد دفن الصحابى الجليل عبد الله المزنى -الملقب بذى البجادين - ليلا ، وحدثت رفقائى به، وقد رواه أبو نعيم الأصبهانى فى حلية الأولياء وطبقات الأصفياء أن عبد الله بن مسعود قال : قمت من جوف الليل وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ، فرأيت شعلة من نار في ناحية العسكر، فاتبعتها أنظر إليها، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر، وإذا عبد الله ذو البجادين المزني قد مات، فإذا هم قد حفروا له ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرته ، وأبو بكر وعمر يدليانه ، وهو يقول: " أدليا لي أخاكما " ، فدلوه إليه، فلما هيأه لشقه قال: " اللهم إني قد أمسيت عنه راضيا فارض عنه ". فقال: عبد الله بن مسعود: ليتني كنت صاحب الحفرة .


لقد خسرت الثورة بفقدك ركنا من أركانها ، ووتدا من أوتادها، وناصحا أمينا من خلصائها ، وقد سبقك على الطريق أحرار كثر ممن عرفهم الناس ، وممن لم يعرفهم الناس ، ولكن الله يعلمهم ، ممن ورد فى أمثالهم قوله تعالى : " من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ، وما بدلوا تبديلا " ونحسبك - والله حسيبك - ممن عنتهم الآية الكريمة ممن قضى نحبه .


سنفتقدك أيها النبيل فى التعليق على الأحداث ، وتحليل ما يجرى على الساحة ، وسنحرم من طلتك الهادئة الصادقة وأنت ، تدلى بشهادتك على الأحداث وتنصح الثوار ، وتنبههم ، وتشجعهم ، وتقترح عليهم ، وتشحذ عزائمهم ، وتبصرهم وأنت الخبير المتخصص .


اتفق مع آرائك الكثيرون، واختلف معك القليلون ، ولكنهم جميعا أجمعوا على حبك وفضلك ونبلك وغيرتك على دينك ووطنك .


لو تمنيت فى حياتك أيها النبيل أن يصلى عليك عدد من العلماء والصالحين ليشفعوا لك عند الله لما انتهت أمنيتك إلى ما أراده الله تعالى لك من كريم الفضل وعظيم المن .


لقد شاءت إرادة الله تعالى أن تنشر لك المحاسن بين الناس ، وتظهر لك المكارم بين الأحياء بعد وفاتك ، فماذا كان بينك وبين ربك يا طارق ؟


ودعناك أيها النبيل ، ووسدناك التراب ، وتركناك وحيدا ، ولكنا نوقن بأنك فى ضيافة من هو أرحم بك منا ، بل من هو أرحم بالعبد من الوالدة بولدها ،لتكون فى كنف عفوه ، وستر مغفرته ، ولطيف إحسانه ، وعزاؤنا أنا رأينا فى وفاتك ووداعك بشرى الخاتمة الصالحة ، وفأل النهاية الكريمة ، " وما شهدنا إلا بما علمنا " .


اللهم لا تحرمنا أجره ، ولا تفتنا بعده ، واغفر لنا وله .


إن العين لتدمع ، وإن القلب ليحزن ، وإنا لفراقك يا أخانا لمحزونون ، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا ، و " إنا لله وإنا إليه راجعون " .


اترك تعليق