"ولا تقف ما ليس لك به علم "

By : فتحي أبو الورد

اتباع الظن ، وترويج الشائعات ، وترديد الحكايات كما تفعل الببغاوات دون علم أو ترو أو تثبت ومراجعة ، كثيرا ما يؤثر ذلك سلبا على بنية المجتمع المسلم ، ويحدث خلخلة فى جدرانه ، ويضعف الثقة بين أفراده ، ويصيب الأخوة فى مقتل، يصعب أن يعود المجتمع بعدها سالما كما كان . قال تعالى : "وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا " الإسراء 36 .


قال قتادة : لا تقل رأيت ولم تر وسمعت ولم تسمع، فإن الله تبارك وتعالى سائلك عن ذلك كله.وقال ابن عباس: لا ترم أحدا بما ليس لك به علم.


وقد يصبح المسلم عامل هدم فى جدران المجتمع وهو لا يدرى ، حين يوزع تهما دون بينة ، وينسب عيوبا للبرآء دون دليل، ولا ينتبه إلى أنه فى تلك الحال يعد من شرار العباد ، كما روى الإمام أحمد بسنده أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " ألا أخبركم بشراركم؟ المشاءون بالنميمة، المفسدون بين الأحبة، الباغون للبرآء العنت " قال الألبانى: له شاهد يصير به حسنا .


قد تكون هناك دوافع نفسية تغلب الإنسان على دينه ، فتجعله يتخطى كل ما ورد فى قاموس الآداب والأخلاق والحرمات ، فتنزلق به إلى الوقوع فى المأثم ، وارتكاب المحرم ، وقد يبعث الخلاف مع الغير على تلقف أى شائعة عنه ، ونشر أى منقصة تصيب منه ، بغية هدمه ، وإهالة التراب عليه ، والنيل منه ، لا لشىء إلا لأنه يختلف معه ، أو لا يستلطفه ، أو لا تروق له سحنته ، أو لأنه فى الفريق الذى لا يتوافق معه ، وهذا وحده كاف عنده لأن يقفز على كل الآداب الإسلامية والأخلاق والقواعد المرعية الداعية إلى التثبت وإحسان الظن ، بل والستر على من ابتلى بالفعل بشىء مما يشين العبد ويستحى منه .


قال تعالى : "يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ "الحجرات 12 .وقد روى أحمد بسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من ستر مسلما في الدنيا، ستره الله عز وجل في الدنيا والآخرة ".


قد يروق لنا أن نلتزم بالقواعد والآداب التى تدعو إلى التثبت وحسن الظن ، والستر حال الوقوع فى المذلة مع موافقينا ، وقد يسعدنا أن نذكر بها ، ونطبقها فى حياتنا مع من نحب ، فنلتمس له الأعذار ، ونحسن به الظن ، ونحرص على إخفاء معايبه ، وإظهار محاسنه . أما مع من نختلف معه ، فإن الأمر مختلف ، وأما مع من لا نستلطف أو لا نستظرف أو لا نهوى فلا قواعد ولا حرمات ولا آداب ولا أخلاق ، فعرضه مباح ، وحرمته مستباحة . وغاب عن هؤلاء أن هذه الأخلاق عامة ، وتلكم الآداب مطلقة يجب أن تحكمنا فى التعامل مع القريب و البعيد ، ومع من نحب ومن لا نحب ، ومع موافقينا ومخالفينا على السواء.


بل إن داعية الهوى والغيرة والحسد فى النفس التى تدعونا إلى انتقاص المخالف تجعلنا نتحرى كثيرا مع من نختلف ، ومع من لا نستلطف حتى لا نقع فى مأثم أو معصية من قبيل السخرية أو الهمز واللمز والتنابز." يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ . الحجرات 11 .


قد يسرع البعض فى سوء الظن حين يرى نعمة أحدثت لأحد ، ممثلة فى سكن جميل أو سيارة فارهة ، أو ما شابه ذلك من متاع الدنيا ، فيسيئ الظن به ، ، ويشكك فى ذمته ، ويخون أمانته ، فيبنى حكما على ظن ، ويبنى قناعة على وهم ، ويدافع عن المظنون والموهوم ، ويرقى به إلى درجة القطع ، وينشر الظن والوهم بين الناس ، من باب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، ويحذر الناس من خطر ذاك الذى ساءت به ظنونه .


ولمثل هذا نقول : هلا وسعك إحسان الظن !! فإن لم تحسن الظن وغلبتك نفسك ، فتوقف واسأل حتى يتبين لك الأمر .


وإن أى خبر يبلغك عن أهل الخير والدعوة والدين ، بل ومستورى الحال من المسلمين ، يجب أن تعرضه على عقلك ، وتضع نفسك مكان من بلغك عنه ما بلغك ، والنتيجة التى ستصل إليها ستكون ترجمة لك عن نفسك ، وتعبيرا لك عن دينك أولا .


قال تعالى تعقيبا على حادثة الإفك التى رميت بها عائشة : " "لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ " النور 12 .


ذكر الطبرى أن أبا أيوب خالد بن زيد، قالت له امرأته أمّ أيوب: أما تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال: بلى، وذلك الكذب، أكنت فاعلة ذلك يا أمّ أيوب؟ قالت: لا والله ما كنت لأفعله، قال: فعائشة والله خير منك .
تلكم آداب وقواعد هادية لا يحل أن تفارقنا فى المنشط والمكره ، وفى العسر واليسر ، وهذه أخلاقيات تحكمنا فى التعامل مع المخالفين والموافقين .


اترك تعليق