«المحاضر» الموريتانية.. قلاع العلم الصامدة في أعماق الصحراء

By :


نواكشوط/ محمد عبد الرحمن

"المحاضر".. مؤسسات دينية وتعليمية موريتانية قاومت الاستعمار الثقافي وحافظت على الأصالة والهوية العربية الإسلامية في أعماق الصحراء لأكثر من ألف عام، اشتهرت بها بلاد "شنقيط" على مدى قرون، وامتدت شهرتها إلى الكثير من بقاع العالم العربي والإسلامي مع خريجيها من العلماء الموسوعيين الذين أثروا الحياة الثقافية وتصدروا مجالس العلم والأدب ومراكز الفتوى والقضاء في شمال إفريقيا وغربها وفي عدد من بلدان المشرق العربي كمصر والسودان والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والأردن والعراق..

تعود نشأة "المحاضر" في موريتانيا لأكثر من ألف سنة عندما تأسست دولة المرابطين في شمال إفريقيا والتي أقام زعيمها الديني عبد الله بن ياسين الجزولي، رفقة القائد اللمتوني يحيى بن إبراهيم أول رباط ديني وثقافي في الجنوب الغربي لموريتانيا الحالية قرب شاطئ المحيط الأطلسي في القرن الخامس الهجري، ومع توطد أركان الإسلام في بلاد شنقيط وانتشاره في منطقة غرب إفريقيا عموما، بدأت مؤسسة "المحظرة" تلعب دورها الديني والتعليمي بشكل بارز بين القبائل الموريتانية وخصوصا قبائل "الزوايا" التي كانت تتحمل مسؤولية التعلم والتعليم في المنطقة، ومعها تعزز دور ما عرف "بالمحاظر"، وهي كما يصفها الباحث الموريتاني الشيخ الخليل النحوي: "جامعات بدوية أهلية متنقلة تلقينية فردية التعليم طوعية الممارسة"، وقد جسدت هذه المؤسسة التعليمية نموذجا فريدا للتكيف بين حياة البدو الرحل واستمرار التعليم والتدريس، مما أنتج "الثقافة البدوية العالمة الوحيدة في العالم" كما يصفها بعض الباحثين، وهي التي عرفتها بلاد شنقيط موريتانيا الحالية.

وتشتق كلمة "المحظرة" حسب رأي بعض الدارسين من طبيعة المساكن التي كان يسكنها التلاميذ قديما وهي عبارة عن بيوت مصنوعة من الحشيش وأغصان الأشجار، فيما يذهب آخرون إلى أنها مشتقة من حضور الطالب درس الشيخ وأبدلت الضاد ظاء، أو أنها من الحظر بمعنى المنع أي أن الطالب يمتنع فيها عن كل مالا يرضاه الشرع، لكن هذا الاسم ظل في جميع الأحوال يرمز عند الشناقطة للعلم والتعلم والأدب الموسوعي.

المحظرة.. منهاج تربوي متكامل وفريد

كانت المحاظر الموريتانية وما زالت تقوم بنفس الدور الذي تقوم به الجامعات والمعاهد والمدارس الدينية الحديثة، حيث يتوافد عليها التلاميذ من بداية السنة الخامسة من العمر، ليستقبلهم أحد شيوخ الحي متطوعا لتعليمهم ابتغاء لأجر الله، وتبدأ المرحلة الابتدائية في المحظرة بكتابة الحروف الأبجدية في لوح خشبي مصمم لذلك الغرض، تسطر عليه الحروف بمداد يجهز من ماء مخلوط بفحم وصمغ يضمن بقاء الدرس فترة طويلة عليه.

وبعد إتقان تهجية الحروف ينتقل الطالب لكتابة القرآن وحفظه بدءا بقصار السور، و في بعض المحاظر الموريتانية يبدأ الطالب بالنحو والشعر حتى تستقيم قراءته قبل الشروع في كتابة القرآن، وتقدم للطالب عند حفظه للكتاب العزيز التهاني الخاصة وتخضب يده بالحناء احتفالا وتكريما له، ليتابع بعد ذلك دراسة علوم القرآن وفروض العين من عقيدة وفقه، بموازاة علوم الآلة التي يطلقونها على النحو والصرف واللغة والبيان والمنطق ومبادئ الحساب ثم يتوسع الطالب بعد ذلك في دراسة تلك الفنون حتي يتخرج بإجازة من شيخ المحظرة تمكنه من التدريس والإمامة و تولي القضاء بين الناس.

وفي ذلك يقول العلامة الشنقيطي محمد فال بن متالي:

وقدم الأهم إن العلم جم

والعمر ضيف زار أو طيف ألم

أهمه عقائد ثم فروع

تصوف وآلة بها الشروع


ولم يكن شيوخ المحاظر يأخذون أي أجر على تفرغهم وتدريسهم فيها، وان كان من المعتاد أن يهدي ذوو الطلاب معلم القرآن خاصة هدايا تتمثل في ناقة أو بقرة عن كل طالب يتخرج على يديه، كما كان طلاب المحاظر يتسابقون لخدمة شيوخهم وتأدية المهام والمسؤوليات التي يكلفونهم بها. ويبدأ الدرس اليومي في المحظرة، قبل طلوع الفجر درسا ومذاكرة واستظهارا حول موقد النار لتتواصل طيلة اليوم حيث يتقدم الطلبة فرادى ومجموعات إلى الشيخ لضبط الدرس اليومي وتصحيحه، ثم يكرر الطالب الدرس حتى يحفظه ويعود للشيخ ليقوم بشرحه، ليعود إلى التكرار والمراجعة. وقد اعتمد طلاب المحظرة على حفظ العلوم المدروسة وذلك للتوفيق بين متطلبات البداوة والترحال الدائم، وبين ضرورة استيعاب مختلف تلك العلوم، ويرى بعض الدارسين أن ذلك كان اهم أسباب انتشار ظاهرة نظم القواعد والمسائل والمتون المدروسة، وقد تميزت فترة ازدهار المحاظر تاريخيا في موريتانيا بصعوبة في الحياة البدوية وشظف في العيش، لكن ذلك لم يؤثر على مستوى التعليم في المحاظر، ولا من كثافة أعداد من يؤمونها، والذين اتخذوا من الصبر والقناعة والتضحية زادهم الأكبر، رغم قساوة الطبيعة يقول أحدهم:

تلاميذ شتى ألف الدهر بينهم

لهم همم عليا أجل من الدهر

يبيتون لا ستر لديهم سوى الهوا

ولا من سرير غير أعمدة غبر


وفضلا عن ذلك فقد كان للمحظرة نظامها الخاص بها فيما يعني العطل، فقد كانت عطلة الاسبوع تبدأ من عصر الأربعاء إلى ظهر الجمعة، كما يستفيد الطلاب من خمسة ايام قبل الأعياد الدينية وخمسة بعدها ويسمون ذلك "خروج"، ويبقى الطالب مخيرا دوما في وقت القدوم على المحظرة وفترة الذهاب عنها، كما في وقت درسه اليومي، مع مراعاة أوقات فراغ الشيخ وظروف باقي الطلبة الدارسين.

ويحظى شيخ المحظرة بقدر كبير من الإجلال والتقدير ويتسابق الطلبة لخدمته والقيام بمهامه ويعتبرون السعي في ذلك من أسباب الفهم والفتح، وكان الشيخ إلى جانب دوره التعليمي مربيا ومفتيا وقاضيا ومصلحا ووجيها اجتماعيا لا ينعقد في الحي أمر دون حضوره ومشورته.

أما عن الظروف المعيشية فقد كان الموسرون من الطلبة يصطحبون معهم عند التوجه للمحظرة ناقة أو بقرة حلوبا، أما الطلبة الفقراء فيتولى الشيخ نفقتهم ويسمون "مؤبدين" كما يستفيدون من التكافل الاجتماعي على مستوى الحي.

ولم تحد ظروف البيئة الصحراوية والتنقل المستمر للبدو بحثا عن الماء والكلأ من عزائم الموريتانيين الأول في سبيل نشر الدين الإسلامي وثقافته العربية في شبه المنطقة، وفي ذلك يقول العلامة الشنقيطي االمختار ولد بونه الجكني المتوفي سنة 1220هـ :

ونحن ركب من الأشراف منتظم

أجل ذا العصر قدرا دون أدنانا

قد اتخذنا ظهور العيس مدرسة

بها نبين دين الله تبيانا

ضحية للإهمال والتهميش.. رغم ما قدمته للمجتمع

رغم ما كان للمحظرة من مكانة عند الموريتانيين، حيث كان الدارسون بها يمثلون أكثر من 80% من الأولاد في سن الدراسة في المجتمع الموريتاني ما قبل الاستقلال، إلا أن الملاحظ أن هذا الدور قد تراجع أمام انتشار التعليم النظامي الحديث، والذي يغري الكثير من الأهالي بحصول أبنائهم على الوظائف العمومية، في الوقت الذي تغلق أبواب كثير من الوظائف أمام خريجي المحاظر مالم يحصلوا على شهادات من المدارس الحكومية، ومع ذلك فمازالت المحاظر تنتشر في العاصمة نواكشوط وفي المدن والأرياف وغالبا ما ترتبط بالمساجد، فالمحاظر الكبيرة في العاصمة تقع في رحاب المساجد بل وتسمى أحيانا باسم المسجد الذي تجاوره كمحظرة مسجد الإمام بداه بن البوصيري في لكصر، ومحظرة مسجد قطر في الميناء، ومحظرة مسجد الشرفاء بتفرغ زينه. ويرى عدد ممن تحدثوا لـ [ عن واقع المحظرة الموريتانية، أن الحكومات المتعاقبة منذ استقلال البلاد لم تقم بما يجب عليها تجاه هذه المؤسسة العلمية الفريدة التي حفظت هوية البلاد وقاومت الاستعمار وقدمت المئات من الأطر الأكفاء الذين لم يتلقوا أي تكوين يذكر خارج تلك المدارس الأهلية، فكانت غالبية موظفي التعليم والقضاء والإدارة العامة بل وحتى القوات المسلحة ممن درسوا في المحاظر بالدرجة الأولى، حيث "كان من واجب الدولة ومسؤوليتها أن تولي أكبر العناية لهذه المؤسسات وأن تمنح شيوخها وطلابها نفس المكافآت والتشجيعات التي تحظى بها المدارس والجامعات الحديثة".

جهود متواضعه وتحديات كبيرة تواجه المحظرة الموريتانية

أنشأت الدولة الموريتانية في بداية الثمانينيات من القرن الماضي بدعم من المملكة العربية السعودية "المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية" لاستيعاب الشباب من خريجي المحاظر، حيث يمنحهم المعهد بعد أربع سنوات من الدراسة شهادات تعادل الشهادة الجامعية.

و تتيح لحاملها دخول سلك القضاء والمحاماة والتعليم والعديد من الوظائف الأخرى. كما أنشئت إدارة للمحاظر والتعليم الأصلي تتبع لوزارة الشؤون الإسلامية وتتولى الربط بشكل مباشر بين الدولة والمؤسسات المحظرية وتقدم لها دعما ماليا سنويا.

ويقول رئيس مصلحة التكوين والبرمجة بإدارة المحاظر في نواكشوط محمد عبد الرحمن ولد ميمين إن المحظرة الموريتانية ظلت تمثل صمام الأمان لهذا البلد فى دينه وثقافته وهويته ومنها كانت أول مقاومة تواجه المستعمر الفرنسى في موريتانيا، ويضيف ولد ميمين في حديث عن واقع المحظرة إن عدة قبائل موريتانية تعرضت لعقاب المستعمر وسجن الكثير من أفرادها، بسبب رفضها تدريس أبنائها فى مدارسه وتمسكها بمدرستها التاريخية الأصيلة "المحظرة"، والحق ماشهدت به الاعداء، فقد قال القائد الفرنسي:"رينه كايه" فى أحد تقاريره عن أوضاع موريتانيا إبان فترة الاستعمار : ان الدولة الفرنسية تواجه فى "موريتانيا عقبتين أساسيتين هما: المشايخ والمحاظر. ولذلك ينبغي الاعتراف أن المحاظر الموريتانية هي التي يعود لها الفضل في حمل مشعل المقاومة الثقافية للاستعمار في بلادنا. أما طرق التدريس فى المحظرة وبشكل مختصر، فهي أن يجتمع التلاميذ حول الشيخ المعروف باسم "لمرابط" ويستمعون له وهم يكتبون في ألواحهم الخشبية مايلقيه عليهم من دروس مختلفة".

وعن واقع مشكلات المحاظر الآن فى موريتانيا وتراجع دورها الثقافي يضيف ولد ميمين بقوله: إذا كان العدد الإجمالي للمحاظر الموريتانية في هذا الوقت حسب آخر إحصاء لوزارة الشؤون الاسلامية يقدر بـ 7000محظرة فإن هذه المؤسسات التعليمية الأصلية، تعاني جملة من المشاكل جعلتها غير قادرة على النهوض وأداء دورها الحضاري المعهود، فالدولة لم تستطع حتى الآن تنظيم هذه المؤسسات المحظرية وضبطها وتنظيم مناهجها التعليمية، حتى تستطيع تقديم الدعم لها، بل إن ما كان يحصل عليه شيخ المحظرة الواحدة من الدولة الموريتانية لايتجاوز 3000 أوقية أي اقل من15 دولارا للسنة، وهومبلغ لايساوى أي شيء، وقد وصلت تلك المساعدات السنوية 15000 أوقية وهو ما يزيد قليلا على 50 دولارا ، أما المحاظر المركزية الكبيرة مثل محظرة الشيخ بداه ولد البوصيري "أول مفتي رسمي" لموريتانيا وإمام مسجدها الجامع فتحصل على 150 ألف أوقية 600 دولار سنويا، غير أنه وعلى العموم تبقى هذه المبالغ زهيدة ولا تساوي شيئا بالمقارنة مع جهود المحظرة ومكانتها، حيث يصل طلاب بعض المحاظر المئات أحيانا، لكن بفضل الله تبارك وتعالى تستمد المحظرة قوة صمودها من القرآن العظيم وتمسكها بالمنهج الإسلامي الاصيل.

ويختم ولد ميمين حديثه بالقول: "لدينا الأمل الكبير مع الإدارة الجديدة للوزارة الوصية أن يتم بحول الله تذليل الكثير من العقبات المادية التي كانت تعترض سبيل المحاظر، فهناك تجاوب مع بعض مطالبنا مثل زيادة المخصصات المالية للمحاظر وضمان توظيف الخريجين منها وولوجهم للوظائف العمومية.

وفي السياق ذاته، تحدث محمد المصطفى ولد الزوين شيخ محظرة وإمام مسجد بنواكشوط، فقال إن محظرته تأسست على يد جده ثم تابع والده التعليم بها ليصل إليه الدور في الوقت الحالي، مضيفا أن محظرته خرجت العديد من حفظة القرآن وقد كنا ندرس بها القرءان الكريم وابن عاشر والرسم والنحو وغير ذلك من العلوم الفقهية واللغوية.

وبخصوص وضع المحاظر اليوم قال ولد الزوين انها تعاني الكثير من الفوضوية وقلة التنظيم، حيث اختلط الحابل بالنابل كما يقولون، واصبح كل من هب ودب أو كل من قرأ أجزاء من القرآن يستطيع فتح محظرة فهناك أشخاص غير معروفين ولا يمتلكون الكفاءة والقدرة على تدريس القرآن وغير مؤهلين أصلا يدفعهم السعي للحصول على الرزق لامتهان هذه المهنة دون أن يكونوا أهلا لذلك.

وأضاف الشيخ محمد المصطفى أن المحاظر تعاني من جانب آخر من إهمال الدولة وعدم دعمها بالرغم مما لعبته المحاظر الحقيقية عبر التاريخ الموريتاني من دور مهم فى نشر العلم وإشاعته بين صفوف المجتمع الموريتاني ونذكر من تلك المحاظر بعد الاستقلال محظرة أهل عدود ومحظرة اباه ولد محمد لمين ومحظرة بداه ولد البصيرى وغيرهم كثير.

ويضيف محمد المصطفى إن المبالغ المالية التى أصبح بعض أولياء الطلبة يمنحونها لشيوخ المحاظر، مسألة جديدة على المجتمع ولم يجر العرف بها في السابق، فكان الشيخ يدرس القرآن وتفسيره والكتب الفقهية لطلابه دون مقابل مادي، فكان التلاميذ يقومون بأعمال خدمية لصالح الشيخ فقط وتتمثل في سقي النخيل ورعي الماشية وغير ذلك من النشاطات، بل كان من المعيب في المجتمع إلى حد ما أن يأخذ الشيخ أي مقابل مادي على تدريس القرآن.

وحول أوضاع المحظرة ومدى مواكبتها للمتغيرات قال اشريف ولد سيدي عبد الرحمن إن الوضع يختلف من محظرة الى محظرة، فهناك محاظر عريقة، ومشهورة، مازالت تقاوم، وتستقطب الكثير من الطلاب سنويا، حتى من خارج البلاد، حيث يأتيها الطلاب من دول غرب افريقيا المسلمة ومن بعض دول المغرب العربي، حتي إن بعض الأوروبيين والأمريكيين ممن يعتنقون الإسلام يأتون للدراسة في المحاظر الموريتانية وخصوصا في ولاية اترارزة وتكانت ويشير ولد سيدي عبد الرحمن وهو خريج محظرة مسجد الشرفاء بنواكشوط إلى أن الشناقطة كانوا يمتازون بميزة الحفظ وقوة الذاكرة ومعرفة اللغة العربية الفصحي وكأنهم أهل هذه اللغة بالفطرة، مضيفا أن ذلك قد يكون أحد أسباب ظهور نموذج المحظرة الذي هو عبارة عن مدرسة فريدة من نوعها في العالم.


اترك تعليق