بيان لعلماء اليمن حول أوضاع اليمن الراهنة

By :
بسم الله الرحمن الرحيم
بيان علماء اليمن 
بشأن البيان الصادر باسم جمعية علماء اليمن حول أوضاع اليمن الراهنة  

الحمد لله رب العالمين الذي رفع شأن العلماء فقال: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [المجادلة:11] وأثنى على الصدع بكلمة الحق، فقال: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} [الأحزاب:39] وحذر من عاقبة اتباع أهل الأهواء والمطامع ومجاراتهم، فقال تعالى: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ} [الرعد:37] والصلاة والسلام على رســول الله القائـــل: (لا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ رَهْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا رَآهُ أَوْ شَهِدَهُ) رواه أحمد وبـعـــد...:

فقد اطلع علماء اليمن على البيان الصادر باسم (جمعـية علمـاء اليمن) يوم الخميس 1 ذي القعدة  1432هـ الموافق 29 سبتمبر- 2011م, بشأن الأوضاع الراهنة في اليمـن والذي حضره عدد قليل من علماء الجمعية وحشد من الطلاب والخطباء وموظفي مكاتب الأوقاف الذين صــدر البيان باسم مؤتمرهم رغم تبــــرؤ بعض المشاركين مما صدر في هذا البيان والذين صرحوا بأنه لم يصوت عليه أغلب الحاضرين, وأفادوا بأنهم منعوا من مناقشته, وكما هو معروف عند من يحضر اجتماعات ولقــاءات جمعية علماء اليمــن أن القــرارات تأتي مسبقة وإذا سمح بالنقاش في الاجتماع أو التصويت فإنه لا يظـــهر فيما يصــدر عن الجمــعية من بـيانـات وقرارات, كما أن الجمعية لا تعقد لقاءاتها واجتماعاتها إلا بطلب من الرئيس, وهي اجتماعات شكلية وصـورية زهـــدت كثيراً من العلماء عن حضورها كما حفزت كثيراً من العلماء على إنشاء كيان مستقل يليـــق بالــعلمــاء ويفتح لهم الطريق لقول كلمة الحق أطلق عليه هيئة علماء اليمن، وقياماً بالواجـب الشرعي ونصحاً للأمة وبيانــاً للحق، فإن علماء اليمن الموقعين على هذا يبينون الآتي: 

أولاً: إن ما ورد في بيان الجمعية من دعوة جميع الأطراف إلى وجوب الاحتكام إلى الكتاب والسنة ووجوب التوبة من الذنوب وحـرمة سفك الدماء والتعدي على الممتلكات العامة والخاصة ووجوب اجتماع كلمة العلماء وحرمة الاستجابة للمخططات المغرضة الداخلية والخارجية الداعية لتفريق الأمة وتمزيق الوطن أمرٌ مطــلوبٌ شرعـاً ومـتفقٌ عليــه, وقد أكد عليها علماء اليمن في بيانات سابقة مراراً وتكراراً, وكنا نأمل أن يؤكد البيان وبشكل واضح على حرمة المساجد اياً كانت في العاصمة أو غيرها من المدن والقرى وحرمة ترويع الآمنين بحجة الأفراح والإبتهــــاج أو غيرهـــا والتي تسببت في سفك الدماء وإزهاق أرواح المواطنين الأبرياء وإجهاض النساء، وكذلك دعوة وسائل الإعلام الرسمـية على وجه الخصوص والتي هي ملك للشعب بالتزام الحياد وكذا الالتزام بالآداب والضوابط الشرعية وعــدم التطــاول على الأعراض والاستهانة بها من خلال السب والقذف وغير ذلك والابتعاد عن كــــل ما يؤجج الفتنة ويثيــر الأحــقاد والضغائن.

 أما المظلوم فقد أباح له الشرع أن يعلن عن مظلمته وظالمه كما قال تعالى:{لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا} [148- النساء]. 

وأما دعوة البيــان اليوم لإزالة المظالم التي عانى منها الشـــــعب ورفع صوته بالشكـــوى بهـا وخاصــة مظالـــــــم أبــــنـاء الــمحــافظــات الــجـــنـوبــيــة وحقوقهم فهي دعوة حق قد طالب علماء اليمن برفعها قبل سنوات مراراً وتكراراً فذهبت مطالباتهم أدراج الرياح، ولم تستجب لها السلطة.

وأما ما جاء بشأن النازحيـن بمحافظتي صعده وأبين  والعمل على رفـع معـاناتهم والعناية بهم، فهذه دعوة حق كان على البيان أن يعامل جميع المواطنين بالسوية وأن تشمل تلك الدعوة النازحين في منطقة أرحب ونهم والحصبة وغيرها، مع المطالبة بإعادة توطين النازحين إلى قراهم وتعويضهم عما نزل بهم وإزالة أسباب نزوحهم، كما كنا نتمنى أن يستنكر البيان ما يجري من قصف للمدن و القرى والمزارع إلى يومنا هذا.

وأما ما جاء في البيان من مطالبة الحكومة من تخـفيف معاناة الشـعب وتوفير المشـتقات النفطية فهذا مطـلب حق ونؤكد على رفع المعاناة كاملة وليس تخفيفها فقط والأمر في ذلك  كله بيد الحكومة.

ثانياً: إن هذه الاعتصامات والمظاهرات السلمية التي تنادي بالتغيير هــي من وســائل الإنكار والتغيير التي يضطر إليها الناس حينما تعجز الوسائل الأخرى في دفع الفساد ومنع الاستبداد وتغيير المنكرات, ولا تعد أبدا من الخروج على الحاكم فإن الشرع لم يقيد وسائل الإنكار على الحـاكم بل أطلقها , ويدل على ذلك أحاديث مشهورة منها حديث عبد الله بن مسـعود  أن رسول الله قال: «مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ الله في أُمَّةٍ قَبْلِي إلا كان له من أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ من بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مالا يَفْعَلُونَ وَيَفْعَلُونَ مالا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بيده فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذلك من الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ» رواه مسلم وأحمد.والمراد بالخُلُوفِ في الحديث: الرؤساء والأُمراء خصوصاً, دلَّ على ذلك الرواية التي أخرجها ابن حبان في صحيحه والبزار بإسناد جيد عن ابن مسعود قال: قال رسول الله  : «سَيَكُونُ أُمَرَاءُ مِنْ بَعْدَي يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ وَيَفْعَلُونَ مَا لا يَأْمُرُونَ فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ لا إِيمَانَ بَعْدَهُ»، وكذلك حديث أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ  قال: قال رسول اللَّهِ: «أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ أو أَمِيرٍ جَائِرٍ»أخرجه أبو داوود والترمذي وابن ماجه بسند صحيح.

ثــــــم إن الدستور عـــقـــد بيـــن الحـــــــاكم والمحـــــكوم وعليـــــه أقسم الرئيس وكبار مسؤولي الدولة, والله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}, وقال عليه الصلاة والسلام: «المسلمون عند شروطهم» أخرجه أبو داود بسند صحيح, والدستور يبيح الاعتصامات والمظاهرات السلمية ويوجب على الحكومة حمايتها , وقد صرح رئيس الدولة بذلك وكان عليه أن يلتزم بهذا العقد وبما وعد به, وما فعله المعتصمون هو ممارسة حق كفله لهم هذا العقد, وصدرت فتوى بذلك عن هيئة علماء اليمن تبين أن الاعتصامات والمظاهرات السلمية حق شرعي ودستوري ومظهر من مظاهر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فكيف للبيان الصادر باسم الجمعية  أن يحرم ذلك؟!! 

ثـالثـــاً: إن كثيراً من فئات الشعب اليمني وأطيافه من المعتـــصمين والمــتظاهريـــن والــعلمــاء والمـــشايخ وكثيراً من أعضاء مجلــسي الـنواب والشـورى وكبــار موظـفـي الدولــة وسـائـر الـقوى السيــاســـية وصلــوا إلــى أنـــه لا حــل لخـروج البـــلاد مــن النفـق المظلـــم ومنعــها من التفـــكـك والانهيـــار فـي ظـل عجـز الرئيـس عـن إدارة شئـون الدولـة وحمايـة سيـادتهـا إلا بتـنـحيه وتسـليمه الـسلـطة، وقد لاقى هـذا المـطلــب تأيــيــدا إقليميـا ودوليـا وقــد صدر بذلــك بيان وقــع عليــه أكــثـر مــن مائة وثلاثين عــالمــاً, وهو مــطـلــــب لــم يخرج عن حــدود الشــريعة الإسلاميــة لحــديث جرير بن عبد الله قال: سمعت رســول الله يقول: «مَا مِنْ رَجُلٍ يَكُونُ فِى قَوْمٍ يعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِى يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُغَيِّرُوا عَلَيْهِ فَلاَ يُغَيِّرُوا إِلاَّ أَصَابَهُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَمُوتُوا» رواه أبو داود وابن حبان بسند صحيح. وفيه حث من النبي للأمـة أن تغير الأميــر الذي يعمل فيها بالمعاصي, وقد رأى المعتصمون وجماهير الشعب المؤيدة لهم أن الحاكم يمارس الظلم والفساد في البلاد والعبـــاد ويعـجز عن إدارة شئونها ورعاية مصالحها, ورأوا أن عليهم شرعا أن يطالبوا بتغييره, عملاً بهذا الحديث, كما أن من الحقوق السياسية التي قررها الشرع للأمة حق عزل الحاكم إذا ارتكــب ما يوجب عزله, وهذا الحــق متفق عليه عند الفقهاء, ومن الفقهاء الذين تحدثوا عنه: القاضي الماوردي في الأحكام السلطانـية ,واعتــبر أن فسق الحاكم يمنع من انعقاد الإمامة ومن استدامتها , وأبو المعالي الجويني في (غيــــاث الأمم) والباقلانـي فــي (التمهيد) والبغدادي في كتابه (أصـول الدين) وابن حزم في (الفصـــل في الملل والنحل) وأبو حامد الغزالي في (الإحياء) وعضد الدين الإيجي في (المواقف) والشهرستاني في (نهاية الإقدام). 

رابـعــــاً: لقد جانب البيان الحق والصواب في ما يلي:

1.  قولهم: ((إن الخروج على الحكام محرم شرعاً سواء كان بالقول أو الفعل)) هي محاولة من البيان لتصوير ما يجري بأنه خروج على الحاكم وهو غير صحيح فقد سبق التوضيح والبيان بأن ما يجري من مظاهرات واعتصامات واحتجاجات إنما هو حق شرعي وصورة من صور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقول لكلمة حق عند سلطان جائر وهو أيضا حق دستوري وقانوني وليس من الخروج في شيء، كما أن أحكام الشريعة قد أوجبت عزل الحاكم إذا ارتكب ما يستحق به العزل، ومن ذلك أن: يعجز عن القيام بواجبــاته: من حفظ الدين والحكم بما أنزل الله، وصيانة الدماء وحفظ الأعراض والأموال، وتَنفِيذ الأَحكَامِ بَين الْمُتَشَاجِرِينَ وَقَطع الخِصَامِ بَيْنَ المُتَنَازعِين، وإقامة الحدود، وتحقيق العدل، قال تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ}, وقال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة:44], وفي حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله: «اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كــأن رأسه زبيبة ما أقام فيكم كتاب الله» رواه البخاري. ويـفهم من الحديث أن الحاكم إذا لم يُقم كتاب الله في الناس فلا سمع ولا طاعة له، ومما يستحق به العزل شرعاً: الفسق الظاهر والقتل بدون حق وترك المشاورة للأمة والعجز عن إدارة شئون البلاد وظهور الفتن الداخلية والفساد والخروج عن صفات أهل الرشاد.

وأيضا فإن الدستور ـ الذي هو عقد بين الحاكم والشعب، والذي أقسم الحاكم على الالتزام به، وتنفيذ ما فيه، ووجوب الوفاء به لقول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود..} ـ يعتبر الخيانة العظـمى سبباً لفقد السلطة ووجــوب المحــاكمة ويفسر القانـــون الخــيانة العظمــى بقــــوله: ((القيام بعمل مجمع على أنه كفر أو المساس بوحدة الوطن أو التنازل عن جزء منه أو تغيير النظام الجمهوري ومبادئ الثورة اليمنية أو القيام بأي عمل من أعمـال التجسـس أو إفشـاء الأسـرار لصالح قوى أجنبية أو معادية لليمن)). وقد مارس النظام انتهاكات عدة من أبرزها انتهاك سيادة البلاد، وتغيير النظام الجمهوري باعتماده مبدأ التوريث، وتمكين عائلته والمقربين منه من قيادة الجيش والأمن وغيرها من مفاصل القوة التي تضمن له ولعائلته والمقربين منه البقاء في السلطة ولو أدى إلى قتل العباد وتخريب البلاد وهذا ما هو حاصل اليوم، بالإضافة إلى عدم قيامه بواجبه في حماية الدين في ظل تنامي الأنشطة التنصيرية في أوساط أبناء الشعب اليمني المسلم والتي أدت إلى تنصير حوالي 120يمنيا كما ذكر ذلك تقرير رابطة العالم الإسلامي وبعض الصحف اليمنية كصحيفة التصحيح العدد (131)، وانتشار تجارة أم الكبائر (الخمور) والتي وصلت قيمتها في محل واحد فقط يسمى موناكو في صنعاء إلى مائتي ألف دولار وتوافد المراهقين والمراهقات على مثل هذه الأماكن كما أفاد ذلك تقرير مجلس النواب بتاريخ 15/11/1431هـ ، وبروز ظاهرة الفساد الأخلاقي من مراقص ومنتجعات وفنادق بل وعرض البنات اليمنيات بكامل زينتهن على السياح الأجانب جهارا في المهرجانات السياحية كما أوردت ذلك صحيفة الثورة عدد (15617) ، بل والمناداة عبر بعض الصحف الحكومية كصحيفة (الثقافية) لإباحة الشذوذ الجنسي وزواج الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة  بتاريخ 14 مارس 2010م، فأين دور الحاكم وأجهزته في القيام بواجبهم في حماية الضروريات الخمس: الدين والعرض والعقل والمال وكذلك النفوس والأرواح والدماء التي تسيل اليوم ، والحفاظ على الجانب الأخلاقي والقيمي للشعب اليمني.

إن إطلاق القول بأن الخروج على الحاكم محرم بالإجماع؛ إطلاق فيه نظر، فإن الإجماع متحقق في حرمة الخروج على الحاكم العدل المختار برضا الأمة والمتصف بشروط الولاية والقائم بواجباتها الشرعية، وأما الحاكم الجائر أو المتغلب فدعوى الإجماع على حرمة الخروج عليه غير صحيحة، وفيه تلبيس لا ينبغي لأهل العلم أن يقعوا فيه، فإن العلامة الصنعاني أنكر هذا الإجمــــاع وسبقه ابن الجوزي وابن عقــيل والجويني, وقال بجواز الخروج على الحاكم الظالم: الإمام زيد بن علي والإمام ابن حزم، وهو قولٌ عند الأئمة الأربعة: أبي حنيفة, ومالك والشافعي وأحمد, كما أثبت الخــلاف فيــه ابــن حجر, وابن تيمية.

وكان أحمد بن حنبل يقول عن الأئمة: (من دعا منهم إلى بدعة فلا تجيبوه ولا كرامة وإن قدرتم على خلعه فافعلوا) العقيدة للإمام احمد بن محمد بن حنبل الشيباني( صفحة 124) روايـــــــة أبي بكر الخلال).

2. أما ما ذكروه من أن الخروج على الحكام بالقول محرم بالإجماع فإنها دعوة للتفريط في فريضة الأمر بالمعرف والنهي عن المنكر، وفيه تجاوزٌ كبير للحق الذي دلت عليــه النصوص من الكتــــاب والسنة فإن الأمر بالمعروف والنهـــي عن المنـكر وخاصة عند السلطان الــجائر من أفضل أنـــواع الجـــهاد في سبيل الله لقوله صلى الله عليه وسلم ((أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر)) والله أمر المسلمين بالأمر بالمعروف والنهي عن النكر في كل أحوالهم مع الحكام أو غيرهم بقوله تعالى {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} وأناط هذه الفريضة الشرعية بكل مقتدر يرى منكراً سواء في الحاكم أو المحكومين، وقد بين علماء اليمن في مؤتمرهم بصنعاء في أوائـــل هذا الــعام أن الاعتصامات والمظاهرات السلمية صورة من صور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأنها أفضــل الــجهاد ولقد حـاول الرئيس أن يستخرج من العلماء فتوى بتحريم هذه الإعتصامات في أول أيامها, ولكنه لم يجد من يستجـيب له, بل خرج العلماء يقررون شرعية هذه الاعتصامات وحق الشعب في ممارستها, واشترطوا سلميتها, ثم اقرها الرئيس بنفسه في خطــاباته وأعلن انه سيــحميها, ولقد حافظت هذه الاعتصامات عـــلى سلميتها رغم ما تعرضت له من اعتــداء وبغــي وقتـل, فما هو الشئ الذي استجد حتى تعتبر خروجا على الحــاكم, وما هــو المبــرر حتى تصـبح محرمة؟؟ والحقــيقة ان البيـــان الصادر باسم الجمعية في فقرته (7) برر تــحريم الاعتصامات والمظاهرات الحالية بمبررات هي من صنع النظام نفسه، وليست من أفعال المعتصمــين وهذا ليس من الإنصاف الذي يجب ان يكون عليه العلماء , فمن الذي سفـــك الدماء؟ ومن الذي اقلق السكينة العامة وسلح عصابات القتل والإجرام ممن يسمون (بالبلاطجة)؟ وضيـــق على الناس حياتهم ؟ فلماذا هذا التلبيس والله تعالى يقول: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة:42].

خامساً: ولو تأمل من وضع البيان لوجد نفسه يدين ثورة العلماء عام 1948م وثورة الشعب في 26 سبتمبر 1962م التي أتت بالنظام الجمهوري.

سادساً: خالف هذا البيان ما صدر عن هيئات العلم والفتوى في بلادنا وبلاد المسلمين التي تبيح دساتيرها حـق التعبير عن الرأي من خلال الاعتصامات والمظاهرات السلمية وعلى رأسهم: الأزهر, والإتحاد العالمي لعلماء المسلمين, ورابطة علماء المسلمين, وهيئة علماء اليمن.

سابعا: لقد ظهر في البيان انحياز كامل للسلطة دون مراعاة للحق والعدل ودون مراعاة لحقوق الشعب وحرماته يبرر ظلمها وجورها ويهمل حق الشعب في صيانة حقوقه ودمه وماله وعرضه ودفاعه عن نفسه،فأشار إلى ما حدث من مجزرة في جمعة الكرامة  على استحياء وتــجاهل البيان ما قامت به السلطة من مجزرة في يوم  27 – ابريل أمام ملعب الثورة , وإحراق المعاقين حركيـا وقتـــل المعتصمين في ساحة الحرية بتعز في 29- مايو, وما جرى من مجزرة بشعة وشنيعة في يوم الأحد 18- سبتمبر والأيام التي تلته بصنعاء, وقتل المتظاهرين سلميا في عدن ولحج, وقتل المواطنين الآمنين في أبين وأرحب ونهم وتعز وغيرها.

أخيراً نؤكد على:

1-  دعوة جميع أبناء الشعب اليمني للاحتكــام إلى الكتاب والسنة والتوبة من الذنوب والمعاصـي واللجوء إلى الله سبحانه وتعالى.

2- أن الاعتصامات والمظاهرات السلمية المطالبة بالحقوق المشروعة حق كفله الدستور لكل أبناء الشعب اليمني, وهو في النظر الشرعي وسيلة تأخذ حكم مقصدها, وهو في صورته الحالية باب من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أوضح صوره وأجلى مظاهره في محاربة الفساد وإزالة أسبابه الحقيقية, والدعوة إلى تحقيق العدل بكل صوره وصيانة المال العام واحترام العقد الإجتماعي (الدستور) بين الحاكم والشعب.

3- بالنسبة للموقف والواجب الشرعي بشأن الأوضاع الراهنة للخروج من المأزق والمنعطف الخطير الذي تمر به البلاد, وانطلاقاً من قواعـــد الشريعة المطهرة التي تؤكـــد على اعتبـــار المآلات وسد الذرائـــع ودرء المفاسد المترتبة على ذلك وأهمها:

أ‌- إعطاء مسوغ للتدخل الخارجي وتدويل المشكلة اليمنية.
ب‌- تدمير البنية الاقتصادية والعسكرية وإنهاكها.
ت‌- إضعاف النسيج الاجتماعي وتفكيك أواصر الأخوة بين أفراد المجتمع.
ث‌- استمرار المشقة والضيق وزيادة معاناة الشعب اليمني بزيادة معدلات البطالة وتسريح العمال والموظفين وارتفاع أسعار السلع الضرورية والمشتقات النفطية.
ج‌- استمرار سفك دماء اليمنيين مدنيين وعسكريين والاحتراب الداخلي وتسخير إمكانيات الشعب واستنزاف موارده في مواجهات داخليه بين أبناء الشعب الواحد.
ح‌- استمرار الخوف والفزع وانعدام الأمن وإقلاق السكينة العامة.
ومن أجل دفع كل هذه المفاسد وغيرها فإن علماء اليمن يرون - تحقيقاً لمصالح الشعب اليمني وحقناً للدماء وسداً للذرائع- وجوب سرعة نقل السلطة سلمياً دون تأخير، وإعادة الحق للشعب لتجرى بعد ذلك انتخابات حرة ونزيهة والتوافق على إقامة حكومة وحدة وطنية بين أبناء الشعب اليمني وقواه الفاعلة ووجوب عدم اختلاق العوائق واصطناع المشكلات التي تحول دون انتقال السلطة،  ووجوب قيام الرئيس بالتوقيع على المبادرة الخليجية التي أعلن مراراً وتكراراً أنه ملتزم بها وبتنفيذها، لاسيما وأنه لم يبق من المعنيين بالتوقيع عليها إلا هو , فقد وقّعت على المبادرة جميع الأحزاب السياسية بما فيها حزبه، ولاقت إجماعاً إقليمياً ودولياً، ولم يبق إلا توقيعه وفي ذلك دلالة واضحة على رغبة جميع أبناء الشعب اليمني ومعهم العالم للخروج من المحنة والمأزق والمنعطف الخطير الذي تمر به البلاد حقناً للدماء ودرءا للمفاسد ورعاية للمصالح وتحقيقا للأمن والاستقرار.

4-  توجيه الشكر والتقدير لعلماء العالم العربي والإسلامي وفي مقدمتهم الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين وعلماء الأزهر الكرام وسائر علماء وقيادات دول الخليج والأمة العربية والإسلامية الذين ساندوا الشعب اليمني في مطالبه المشروعة.

5- مطالبة الجيش والأمن ضباطاً وأفراداً وكل العاملين في السلك العسكري بعدم الاستجابة لأوامر قتل المعتصمين وبقية أبناء الشعب اليمني لعظيم حرمة الدماء المعصومة وعظيم عقوبة استباحة هذه الدماء ,وأن طاعة من يأمرهم بذلك معصية لله تعالى وجرم عظيم يجعلهم شركاء في الإثم لا عذر فيها لأحد بعد قيام الحجة؛ إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق كما بين ذلك رسول الله, وليعلموا أن واجبهم الشرعي والدستوري إنما هو حماية شعبهم ومصالحه لا حماية فرد أو أسرة.

6- دعوة جميع أبناء الشعب اليمني لتبني هذا البيان والعمل على نشره وإيصاله إلى جميع المعنيين حكاماً ومحكومين.

والحمد لله رب العالمين,,, 

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين,,,
               صادر عن علماء اليمن:

              صنعاء- الخميس بتاريخ 8- ذي القعدة – 1432هـ  الموافق 6- أكتوبر- 2011م


اترك تعليق