العودة: قسوتنا على نفوسنا تنعكس على من حولنا و لا يجوز أن نوظّف "الصبر" في الإطاحة بحقوق الناس

By :
اعتبر الدكتور سلمان العودة، الأمين العام المساعد لاتحاد العلماء المسلمين، أن الانعزال يولد الإحساس بالعظمة المفرطة أو الضعة وعدم القيمة، بينما الاحتكاك بالناس يمنح النفس توازنها.


وخلال برنامجه الرمضاني "لك حق" أشار العودة  إلى أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يربي الصحابة على هذا المعنى ويمارسه عملياً في حياته من خلال الاحتكاك بالناس، مشيرا إلى ضرورة أن يقترب صاحب المنصب والثري والسلطان من الناس أكثر.
وقال "اقتراب الإنسان من معاناة الناس يربي على التواضع، باعتباره أعظم وأنبل الأخلاق المتعلقة بمعرفة الناس ومعرفة النفس".


وأكد د. العودة أن العنف تجاه الآخرين وإن كان خطرا، فإن العنف تجاه النفس هو الأكثر منه خطورة، مشيرا إلى أن قسوتنا على نفوسنا قد تنعكس على من حولنا.


وشدد على ضرورة أن يكون هناك توازنا داخل النفس؛ ما بين حقوق الجسد وحقوق العقل وحقوق الروح، مما يضمن التوازن مع الآخرين، مشيرا إلى قول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ"ابدأ بنفسك" كما في صحيح مسلم.


وأضاف أن الإنسان إذا عجز عن إنقاذ نفسه فهو عن إنقاذ غيره أولى، ولذلك جاء في الشريعة مفهوم "البداءة بالنفس"، حتى أن مسألة الدعاء ينبغي أن يبدأ فيها الإنسان بنفسه، مشيرا إلى أن مفهوم التوازن مطلب مثالي وينبغي أن نمضي أعمارنا في سبيل الوصول إليه.


التوازن
وأ
شار د. العودة إلى أن الثقافات القديمة ـ وبالذات الصوفية ـ كانت تطيح بالجسد كثيراً أو تجور عليه من خلال السهر والصوم المتواصل والطويل والحرمان لدرجة التعذيب، بينما في العصر الحاضر تعتمد على تدليل الجسد -إن صح التعبير- فنجد جسد ـ حتى الرجل ـ يوظف للفتنة من خلال القوة والعضلات والاستعراض الجسدي، فضلا عن جسد الأنثى وغيرها من المعاني البعيدة عن القيم النبيلة.


مشكلة الاكتئاب
وحول قضية الاكتئاب، أشار د. العودة إلى أن أكثر المصابين في منطقة الشرق الأوسط، مرجعًا ذلك لأسباب تتعلق بالبيوت الضيقة والصغيرة والشقق التي يعيش فيها أطفال وأسر كبيرة وضخمة والبطالة وعدم وجود فرص العمل وحالات القهر وعدم القدرة حتى على التعبير لدرجة أن الإنسان أحياناً لا يستطيع أن يصيح أو يبكي.


وأضاف أن علاج مثل هذه المشكلة ليس مستحيلا وإنما يتطلب جهداً، ومن ذلك الابتسامة والاحتكاك بالناس واللغة الإيجابية والابتعاد عن الكلمات السلبية أو المحبطة، وتكرار المحاولة، وصحبة المتفائلين والسعداء، والقراءة التأمل التدبر العبادة، مشيرا إلى أن جزءا من أسباب الضغط واليأس عند كثير من الناس وحالات القلق ناتجة عن الأحداث الجارية وربما نشرات الأخبار باعتبارها أكثر ما صنع القلق، مطالبا بالاعتدال في التعاطي مع مثل هذه الأشياء، وتوقع الأفضل دائما.


وقال "الدول التي تنتصر اليوم ستنهزم غداً والدول التي تنهزم اليوم ستنتصر غداً وهكذا هي الحياة"، مشيرا إلى ضرورة قراءة الأشياء بهذا الشكل الإيجابي المعتدل وإعطاء النفس فسحة للمستقبل وتوقع الأفضل.


وشدد على ضرورة تزكية النفس من خلال معرفة الله باعتبارها من أعظم ألوان الحفاظ على حقوق النفس بحيث تكون حاضرة على مدرا الساعة حتى ترى أثر حكمة الله وصنعه وإبداعه ورحمته ولطفه في تفاصيل حياتك، فضلا عن رياضة الروح؛ بالصلاة وقراءة القرآن وقيام الليل، مشيرا فى الوقت ذاته إلى ضرورة ألا يحمل الإنسان نفسه فوق طاقتها « فَاكْلَفُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ».

 لا يجوز أن نوظّف "الصبر" في الإطاحة بحقوق الناس
كما اعتبر الدكتور سلمان العودة أن مشكلة مجتمعاتنا تكمن فيما وصفه بـ"إنجاز اللحظة الأخيرة"، بمعنى أننا نستفيق من دون تخطيط مسبق على أن هناك مشكلة ما ونحاول إنجازها في وقت قصير مما يتسبب في مشاكل أكبر.

وأشار إلى أن العالم كله متعارف على "الساعة الإلكترونية" التي توضع لقياس زمن إنجاز المشروعات كعقد ميثاق بين الطرفين، مشيرا إلى أهمية أن تكون هناك آجال محدودة ومضبوطة بدقة.

وقال كنت ألاحظ قبل بضع سنوات الساعة الإلكترونية أمام بعض المشروعات فتشعر أنهم يعملون بجد وتترقب الإنجاز ولحظة انتهاء المشروع، ثم اختفت الساعة من باب الحفاظ على ماء الوجه!

وقال "حينما نكتشف مشكلة ما في البنية التحتية ـ مثلاً ـ في شوارع الرياض وجدة بسبب الازدحام والحاجة إلى أنفاق أو كباري، تجد أنه هناك حالة من الحراك والنشاط الكبير، في وقت قصير، ما يترتب عليه إغلاق شوارع كثيرة وخسارة مادية فضلا عن إهدار وقت المجتمع نتيجة تعطله"، مشيرا إلى أنه آن الأوان أن نستفيد من الخبرة البشرية في موضوع الإدارة والتخطيط بمعنى ألا يستفيق الإنسان على المشكلة متأخراً.

وأشار د. العودة كذلك إلى أسرع البنايات إنجازاً في العالم مثل الصينيين الذين بنوا فندقاً من ثلاثين دورا خلال 94 ساعة، وشيدوا جسرا في طريق خطر فوق نهر خلال أسبوع.

ثقافة المواعيد

ولفت د. العودة إلى المشكلة المتعلقة بثقافتنا في المواعيد، بمعنى أنها "مطاطة" أو "رخوة" مثلاً حينما تقول لشخص "آتيك بعد العشاء" وهذا ممدود إلى وقت الفجر، أو حينما نعبر بمصطلح الـ"خمس دقائق" أو "حق الطريق" على غير الواقع، مشيرا إلى ضرورة أن ننتقد أنفسنا وأداءنا في كيفية التعامل مع الوقت، لأن المواعيد مع الناس ينبغي أن تكون مقدسة.

وأضاف العودة، أنه لا يجوز أبداً أن نوظف "الصبر" في الإطاحة بحقوق الناس ثم نوصيهم بالصبر، مشيرا إلى ضرورة تغيير هذه الثقافة ، مشيراً إلى ضرورة توظيف الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني في ممارسة الضغوط للوصول إلى الحقوق، وقال ليس عيبا أن نكون مجتمعاً متوقعاً للادّعاء، بحيث يصبح المجتمع أكثر تراجعاً واحتياطاً لنفسه".

الغرق في اللحظة

وشدد د. العودة إلى أهمية ألا يغرق الإنسان في لحظته الحاضرة، وإنما ينظر إلى الأهداف البعيدة والاستراتجية العامة. وقال "بعض الناس الذين يعملون على مدار الساعة لا ينجزون؛ لأنه العمل يصبح عندهم مجرد عادة وقد يسقطون ويحترقون سريعا، مشيرا إلى أن العالم الغربي هو الأكثر إبداعاً ومع ذلك هو الأكثر استمتاعاً بالإجازة. وأشار، في الوقت ذاته، إلى ضرورة ألا نستغرق كل وقتنا في العمل لقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: « سَاعَةٌ وَسَاعَةٌ ،  كما يروى عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه-: "إن القلوب تمل كما تمل الأبدان فابتغوا لها طرائف الحكمة".

العجلة والسرعة

وبيَّن أن هناك فرقا بين العجلة والإنجاز فالعجلة  مذمومة ولا يكاد يرد لفظ الاستعجال في القرآن إلا مذموماً أو منهياً، بخلاف السرعة {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ}، مشيرا إلى أن السرعة تعني المبادرة والإنجاز وعدم التسويف أو المماطلة، بينما العجلة هي إنجاز كثير من الأعمال بسرعة غير عادية تفقد الاستمتاع بالعمل والإتقان والإبداع، مما يقفد الإنسان روح هذه الأشياء وجماليتها.

وذكر د. العودة بحديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ « كُنْ فِى الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ » وكان ابن عمر يقول:(إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء)، مشيرا إلى أن هذه الوصية النبوية الصحابية ذكرها بالنص ستيف جوبز حينما خاطب طلاب الجامعة أنه ينظر إلى كل يوم على أنه هو اليوم الأخير في حياته.

وقال "المبدعون والعظماء تجد اليوم الأخير في حياتهم"، كأحد أسباب الإتقان والنجاح.


اترك تعليق