الطاغية ولا الإسلاميين

By :

 يبدو أن هذا هو شعار وموقف الغرب الحقيقي من الأزمة والحرب في سوريا , الذي ظهر أخيرا دون رتوش أو تجميل وتزويق , بل بشكل واضح وجلي , فهم يفضلون بقاء طاغية الشام رغم كل المجازر والجرائم التي ارتكبها بحق الشعب السوري , إذا كانت المفاضلة في حكم سوريا بينه وبين الإسلاميين , بل إن هذا الموقف يمكن تعميمه على جميع دول العالم وليس على ما يجري في سورية فحسب .


ومع أن هذا الموقف لا ينبغي أن يكون مفاجئا للمسلمين , فالغرب أولا وأخيرا هم أشد أعداء هذا الدين , وهم الذين حذرنا الله تعالى في كتابه العزيز من الركون إليهم وموالاتهم : { وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ } هود/113 , وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } المائدة/51


إلا أن وقاحة الموقف المخالف تماما لما يدعيه الغرب من محاربته للاستبداد والمستبدين , ومن ادعائه تأييد ثورات الشعوب وطموحاته في الوصول إلى الحرية والديمقراطية , وفظاعة ما ارتكبه آل الأسد من جرائم بحق الشعب السوري , كانت كفيلة بعدم توقع هذا الموقف الغربي, إلا أن الظاهر أن العداوة للإسلام هي أشد وأبقى .


فرغم جميع التصريحات النارية لساسة الغرب منذ بداية الأزمة السورية وحتى وقت قريب , وخاصة الأمريكية والبريطانية والفرنسية , من أمثال : الأسد فقد شرعيته تماما , لا وجود للأسد في المرحلة الانتقالية , أيام الأسد معدودة , يجب على الأسد أن يتنحى عن السلطة , استخدام الأسد للسلاح الكيماوي خط أحمر ...


رغم كل ذلك , أكد الائتلاف الوطني السوري المعارض لوكالة رويترز أمس أن الدول الغربية نقلت لها رسالة مفادها : إن محادثات السلام قد لا تؤدي إلى خروج الأسد من السلطة، وإن الأقلية العلوية التي ينتمي إليها ستظل طرفا أساسيا في أي حكومة انتقالية.


وقال عضو كبير بالائتلاف على صلة وثيقة بمسؤولين من السعودية "أوضح أصدقاؤنا الغربيون في لندن أنه لا يمكن السماح بإبعاد الأسد الآن لاعتقادهم بأن ذلك سيؤدي إلى حدوث فوضى وسيطرة الإسلاميين المتشددين على البلاد".


وقد أشار إلى احتمال أن يجري الأسد انتخابات رئاسية عندما تنتهي مدته رسميا العام القادم , وزاد : "البعض حسبما يبدو لا يمانعون حتى في أن يرشح نفسه مجددا العام المقبل متناسين أنه استخدم الغاز السام ضد شعبه."


إذن : الإسلاميون هم الخطر الحقيقي في سوريا رغم أنهم يدافعون عن أنفسهم وأهليهم من جرائم الأسد ومجازره , أما الأسد الذي قتل من السوريين مئات الآلاف , واعتقل مثل ذلك العدد في أقبية سجونه المظلمة , وشرد الملايين منهم , ودمر البلد وأهلك الحرث والنسل , فإنه على ما يبدو لا يشكل خطرا على الغرب كما يشكله الإسلاميون !!


وعن حقيقة مؤتمر جنيف والحل المقبول للغرب في سورية قال دبلوماسي من الشرق الأوسط : إن التوصل إلى اتفاق مقبول في مؤتمر جنيف2 لدى أميركا وروسيا يتطلب من المعارضة الموافقة على المشاركة في إدارة انتقالية فيها وجود قوي للعلويين، مشيرا إلى أن "الأسد قد يبقى رئيسا أو لا يبقى، لكن سلطاته ستتقلص على الأقل".


وقد هددت الدول الغربية المعارضة في حال الرفض بفقد دعم وتأييد معظم الدول الغربية ولن يبقى في صفها سوى السعودية وتركيا وليبيا , وكأن الدول الغربية كانت داعمة في الأصل لهذه الثورة اليتيمة !! اللهم إلا إذا اعتبرنا تصريحاتهم الفارغة وتهديداتهم الوهمية للأسد دعما وتأييدا !!


وتكمن خطورة هذا الخبر أنه ينسف جميع شعارات الغرب وقوانينه الأخلاقية المزعومة , ويجعل حربه وعداءه للإسلام والمسلمين مكشوفا ومفضوحا , وخاليا من أبسط القواعد الإنسانية التي يجب أن تراعى , الأمر الذي يزيد من شعور المسلمين بظلم الغرب واضطهادهم , لا لسبب أو جرم ارتكبوه سوى أنهم مسلمون , مما يكرس مشاعر الكراهية الموجودة أصلا تجاههم , وزيادة استمرار ظاهرة العنف والعنف المضاد , الذي يدعي الغرب أنه يريد إيقافه , بينما هو في الحقيقة يزيده ويؤججه .


كما أن هذا الخبر يؤكد أهمية ورقة أمن إسرائيل ضمن أولويات حل الأزمة السورية لدى الغرب , إذ لا بد أن يكون بديل بشار حريصا على أمن إسرائيل وحدودها كما كان آل الأسد حريصون عليه , وإلا فلا بأس بالإبقاء على بشار – رغم مجازره وجرائمه – ما دام هذا البديل لا يوفر ذلك الأمن لإسرائيل .


والشماعة التي يرتكز عليها الغرب في الإبقاء على الأسد في السلطة : اتساع نفوذ ما يسمونه (تنظيم القاعدة) وغيرها من الجماعات "المتشددة" , أما ما يفعله الأسد بالشعب السوري منذ ثلاثة أعوام فلا يسمى تشددا ولا إرهابا !!


ورغم أن الغرب لا يعتبر الجبهة الإسلامية السورية منظمة إرهابية حسب تصريحات مسؤولين بالخارجية الأمريكية , إلا أنهم مع ذلك يستشهدون على وجود "جماعات متشددة" باستيلاء الجبهة على معبر حدودي ومستودعات أسلحة تابعة للجيش السوري الحر "المعتدل" قرب حدود تركيا , رغم أن الائتلاف أكد أن ذلك تم بطلب منه وموافقة لمنع (داعش) من السيطرة على المستودع والمعبر .


إنها الأعذار الواهية التي يخفي الغرب خلفها عدائه للإسلام الحقيقي أيا كان , فيطلق عليه تسمياته المعتادة : (إرهابيين – متشددين – أصوليين) بينما يقبل بالطغاة والمستبدين والعتاة والمجرمين ما داموا غير مسلمين .


اترك تعليق