أمــا آن الأوان لصنـــاعـــة فــقــه جديــد؟

بواسطة : أ. د. عمار طالبي

أمــا آن الأوان لصنـــاعـــة فــقــه جديــد؟

بقلم أ. د. عمار طالبي

 

يمكن القول إنّنا فرّطنا في بيان فقه الصّحة، في مجال الفقه الإسلامي، فأنت إذا تأملت ما وضعته الشريعة في الكتاب والسنّة من عناصر حفظ الصّحة وردها إذا اختلت، فإنّك تجد منظومة صحية متكاملة العناصر.
فالصّحة هي المعافاة الكاملة جسميًا ونفسيًا واجتماعيًا وبيئةً، وهي حقّ من حقوق الإنسانية للحفاظ على حياته، ومقصد عظيم من مقاصد الشريعة، ولذلك تفطن الإمام الغزالي فوضع لنا دستورا لحفظ الصّحة، قال: «نظام الدين بالمعرفة، والعبادة، ولا يتوصل إليهما إلاّ بصحة البدن، وبقاء الحياة، وسلامة قدْر الحاجات من الكسوة، والمسكن، والأقوات، والأمن من هواجم الآفات، ولعمري «من أصبح آمنا في سربه، معافى في بدنه، وله قوت يومه، فكأنما جيزت له الدنيا بحذافيرها» رواه الترمذي مرفوعا (2346)، وابن ماجة (4141)، ومعنى الحذافير: كل الجوانب (الغزالي، الاقتصاد في الاعتقاد، مؤسسة سقيفة الصفا العلمية، لبوان، ماليزيا، طبعة خاصة بالأزهر الشريف، 1437هـ/2016م، ص393).
إنّ الصحة حق ضروري من حقوق الكائن البشري، تابع لحق الإنسان في الحياة وعافيتها، وقد عنيت منظمة الصحة العالمية بهذا الحق، وأكدت منذ أكثر من قرن، والتمتع به، من جميع الجوانب الممكنة التي توصّل إليها الخبراء، ودعاة حقوق الإنسان، ويرى الدكتور حسين عبد الرزاق الجزائري المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية للشرق المتوسط، أنه: «ما يزال هناك مجال لم يُطرق بعد، ألا وهو الدور الأساسيّ الذي يمكّن للدين أن يؤديه أو أدّاه بالفعل في تعزيز وحماية الصحة»، ولذلك قام الدكتور محمد هيثم الخياط -شفاه الله – بإصدار سلسلة «الهدي الصحّي للتثقيف الصحي»، ومنها كتبت: «الصحة حقا من حقوق الإنسان في الإسلام»، و»فقه الصحة»، و»دور الدين والأخلاقيات في الوقاية من الإيدز ومكافحته»، و»صحة البيئة في ميزان الإسلام»، و»الماء والإصحاح في الإسلام»، ومنها «الحكم الشرعي في التدخين».
إنّ أول باب في الفقه عندنا هو الطهارة بدءًا بطهارة الماء المطهِّر للبدن، والثياب، وبه يتمّ الوضوء المنشق من الوضاءة والنّور، والجمال، وإذا تأملت في الوضوء، وفي الغسل، فإنّك تجد منظومة متكاملة للحفاظ على الصحة، والوقاية من الأمراض، فأنت ترى في تربيتنا الإسلامية أنّ تغسل اليدين قبل الأكل وبعده، وفي الوضوء تغسل الوجه وما فيه من الأعضاء: الفم بالمضمضة، والأنف بالاستنشاق والاستنثار، ومسح الشعر، والأذنين، وغسل الرجلين بالدلك ما بين الأصابع، ومن سنن الفطرة تقليم الأظافر حتى لا تعلق بها الأوساخ والميكروبات، ويوصي الحديث باستعمال السواك لتنظيف الأسنان، ومن السنن إزالة شعر العانة، والإبطين، وعلى المسلم الاستنجاء بالماء والورق بعد قضاء حاجته، ويلبس أحسن ما عنده من الثياب وأنظفها إذا ذهب إلى المسجد للصلاة أو غيرها، كالدرس، وأن يغسل مرة في الأسبوع على الأقل.
أما ما يتعلق بالبيئة فقد ورد في الحديث: «لا يبولن أحدكم في الماء الراكد»(رواه ابن باجة)، وقوله: «لا يغتسلن أحدكم في الماء الدائم (أي الراكد) وهو جنب»(رواه مسلم)، فالماء الراكد الذي لا يجري، تنمو فيه الطفيليات والجراثيم، كما ورد في الحديث: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده»(رواه مسلم)، وأمر الرسول -صلى الله عليه وسلم – أن توكِئ (أن يسد فوقة الإناء مثل الزجاجة، وما منه يشرب الإنسان)، وعبر عنه الحديث بالأسقية، كما أمر بتغطية الأواني، أواني الطعام، والشراب، فلا تترك مكشوفة، وقوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ..﴾[الأنفال/11]، فالماء ضروري للحياة ولا يستطيع أن يعيش الإنسان بدونه أكثر من أيام معدودة، وأغلب البدن سوائل، من الماء، وغيره كالدم، والسائل النخاعي، وفيه تجري التفاعلات في الجسم، ويطرح البدن كل يوم ما بين لترين وثلاثة من الماء في الكليتين، والرئتين، والجلد، والأمعاء، ويعوض ذلك بما يشربه الإنسان ويطعمه من الفواكه وغيرها.
والماء نافع لإدامة الحياة، ونموها، سواء كان من المياه السطحية، أو الجوفية، والجوية أي الأمطار والثلج، والبرد، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾[الفرقان/48]، فهو طاهر في ذاته، ومطهر لغيره.
ولذلك يحذر الشارع من المياه الملونة، لما تحويه من طفيليات، وجراثيم، تسبب الأمراض كالتيفوئيد والبلهارسيا، والديدان، ولذلك يحذر الشارع من تلويث الماء بما يتسرب إليه من البول، أو البراز، ولذلك ورد النهي عن التبول في الماء الراكد، كالذي يقع في البوادي، أو الاستحمام فيه، إلا إذا كانت أحواضا للسباحة معالجة ومنظفة يوميا، وقد بُلي الماء في زماننا هذا بفضلات المصانع، وغازات السيارات، والقمامات، والنفايات، وتلويث الهواء، ويقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾[البقرة/222]، ويقول: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾[المائدة/6]، وفي الحديث: «الطهور شطر الإيمان»(رواه مسلم)، ولهذا فإن ما يأمر به الأطباء من الإجراءات الصحية كلها أصلها شرعي، بما في ذلك الحديث العظيم الذي رواه عبد الرحمن بن عوف من عدم الدخول إلى أرض بها طاعون، وعدم الخروج منها، والمؤمن يجمع بين طهارة القلب وطهارة الجسم، وإني أدعو إلى كتابة فقه صحي يضاف إلى أبواب الفقه.

 

اترك تعليق