البيان والتبيان لما يحدث في السودان

بواسطة : أ. د. عبد الرزاق قسوم

البيان والتبيان لما يحدث في السودان

أ. د. عبد الرزاق قسوم

 

ما كان ينبغي، أن أُخضع للتحليل والتعليل، التجربة السودانية، بكل تحولاتها، وتقلباتها، ونحن ننطلق من مبدأ عدم التدخل في خصوصيات الشعوب، ما كان لنا أن نفعل ذلك، لولا المكانة التي يحتلها، شعب السودان الشقيق في قلوب أشقائه، وأحبائه.

 

فالسودان الشقيق، بلد عربي، مسلم إفريقي، يتميز في كل انتماء، بود خاص، وتقدير أخص، دلت على ذلك تجاربه الخصيبة، في مجال العروبة، والإسلام، والأفريقانية.

 

ومن هذه المواقع، فإن السودان يرتبط بالجزائر، وتجمعه بها علاقة الجوار، وقرابة الديار، وإخوة المعتقد، والعروبة، التي تسمو بهما إلى نسل عدنان ونزار.

 

إن الأخبار الواردة من السودان، لاسيما بعد حراكه التغييري المصيري، لا يبعث على الطمأنينة، خصوصا في قلوب الذين يحبون السودان، ويكنون له كل مشاعر الاحترام والتقدير.

 

إن للسودان، قديما، وحديثا، أعداء يتربصون به، ويعملون على الإيقاع به، فينصبون له المصايد، ويحيكون له المكايد، فقد عانى، ولا يزال يعاني من التهميش والإقصاء، بتحالف من قوى الشر والإلغاء.

 

وما كنا نود علم الله، أن يمكِّن السودان أعداءه، بتحقيق مآربهم، في ضرب جبهة السودان الداخلية، وتشويه صورتهم الخارجية، إننا لا نتدخل في شؤون الشعب السوداني الداخلية، من تغيير في نظام حكمه، وسجن أو محاكمة من يعتقد الشعب السوداني، أنهم أساؤوا إلى أمته أو سؤدده.

 

غير أننا بالمقابل، تتقطر قلوبنا ألما، وتعتصر دما، عندما، نرى الجيش السوداني، يقتل بعض أبناء شعبه وهنا الشعب هو الحامي الحقيقي والدرع الواقي للقوات المسلحة.

 

إن الحراك الشعبي التغييري، إنما جعل لإحياء الشعب وإسعاده، والنهوض بالمواطن، وتحقيق مراده، وإن في ما قدمه الحراك الشعبي الجزائري، لأسوة حسنة في التعامل مع الحراكيين من طرف المسلحين.

 

فقد أوشكت سنة على الانقضاء منذ حدوث التغيير في الجزائر، وبدء حراكه الشعبي، فلم يسجل على هذا الحراك أن سالت من أعضائه قطرة دم، وبذلك أصبح مفخرة بين الأمم.

 

لسنا في موقع من يقدم الدرس للسودان، أو غيره من البلدان، لكننا نملك حق تقديم النصح، وكأننا في الهم شرق.

 

وتتوالى الأخبار، ولحاها الله من أخبار، حين نسمع بأن السودان، العربي المسلم، الإفريقي الأبي، الذي كان مضرب المثل في العروبة، والذود عن الإسلام، يلتقي بأعداء العروبة والإسلام من الصهاينة ويستعد لعقد صفقة التطبيع معهم.

 

فإن صح ما زعمت الأخبار، فيا خيبة المسعى! أيقدم السودان العريق في عروبته وإسلامه، على عقد الصفقات مع من يدنسون عرض فلسطين، وينكلون بالأحرار الصامدين من المقدسيين؟

 

إننا لا نكاد نصدق أن يحدث هذا باسم شعب السودان الطيب، الذي يشهد له بالطيبة الداني والقاضي، فهو يمتاز بدماثة الأخلاق، وحضارة الأعراق، وخصوبة الطبيعة والأوراق.

 

مطلوب –إذن- من القائمين على الشأن السوداني-اليوم- من سلطات عسكرية ومدنية، أن يثبتوا بما لا يدع مجالا للشك براءتهم مما ينسب إليهم من محاولات التطبيع مع عدو العرب والمسلمين، فيعيدوا الثقة بهم، إلى وطنهم العربي وإلى أمتهم الإسلامية.

 

والشبهة الأخرى التي تلصق بالسودان-أيضا- هي الموافقة على تسليم، حكامهم بالأمس إلى محكمة الجنايات الدولية.

 

ولئن كنا نتوقف أمام هذه القضية القانونية، فإننا نربأ بالسودان، أن يقدم “البرهان ” على أن عدالة السودان غير فعالة، وأنه لابد للجوء إلى المحاكم الدولية، لإعطاء المصداقية للقانون السوداني، ومحاكمه القائمة.

 

لقد عشنا في الجزائر، نفس التجربة المريرة، وهي تغيير نظام الحكم، والزج بعصابة الفساد، التي عاثت في الأرض فسادا، الزج بها في السجون، وتقديمها للمحاكمات الجزائرية، والقانون ولكن دون أن تخطر ببالنا أبدا أن نستعين بالمحاكم أو المؤسسات الدولية، في تصفية قضايانا؛ أو تقديم الضالعين في الفساد إلى محكمة الجنايات الدولية.

 

إن ثقتنا في حكامنا الجدد، وفي محاكمنا وقوانيننا ما يغنينا، عن الاستعانة بأية محكمة خارج وطننا، فذلك جزء من سيادتنا واستقلالنا.

 

لذلك، وبدافع الحب الأقوى، والتضامن العربي، والتعاون الإسلامي، نهيب بأشقائنا في السودان، أن يعيدوا النظر في علاقاتهم بشعبهم، فيوطدوها ويحضوها، لإعادة لحمة الإخاء، وإفساد مخططات الأعداء.

 

كما نهيب بهم أن يُفعّلوا قيم التسامح والتصافح، متى أمكن ذلك، ولا يجوز العدول عن الاتصال إلى الانفصال كما يقول علماء النحو.

 

إن الوطن-يا أشقاءنا في السودان- أمانة في أعناق المواطنين، سواء أكانوا مدنيين أو عسكريين، وأن السلطة-مهما ثقلت مسؤوليتها- تبقى مؤقتة وستزول يوما ما، فلينظر صاحب السلطة الأثر الذي سيتركه بعدها، والسجل الذي يخلده عنها في صفحات التاريخ.

 

وإن ما هو عدو لك اليوم يمكن أن يصبح صديقا لك في المستقبل، والعكس صحيح.

 

فاذكروا، يا إخواننا في السودان أن من يحبونكم هم الذين يُسدون لكم النصح وإن الذين يكرهونكم هم الذين يملون لكم لتزدادوا إثما، وخطأ..ولكن العاقبة للمتقين، وإن البقاء للأصلح..


اترك تعليق