دور علماء المسلمين في السياسة الدولية

نویسنده : أ. د. أحمد الريسوني

دور علماء المسلمين في السياسة الدولية

كلمة الأستاذ أحمد الريسوني، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

(مقدمة في مؤتمر (الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين والسياسة الاجتماعية) الذي نظمته جامعة كيبانغسان الماليزية/

كلية الدراسات الإسلامية - بتاريخ 24 فبراير2021)

حضرات السادة والسيدات، المنظمين والمتابعين لهذا المؤتمر، الذي أرجو له كل توفيق وسداد،

 أتقدم إليكم أولا بتحياتي وبشكري على هذه المبادرة الرائدة، وعلى دعوتكم الكريمة لي للمشاركة فيها باسم الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وتقديم نبذة حول دوره في السياسة الاجتماعية.

وأشير في البداية إلى أن الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ليس منظمة للعمل الاجتماعي الميداني، أو للعمل السياسي التنفيذي، وإنما هو منظمة اجتماعية بمضمون علمي ثقافي. فعمله عمل فكري علمي، بياني توجيهي.

فعلى هذه الأساس أقدم لحضراتكم هذه النبذة المختصرة..

هوية الاتحاد وأهدافُـه

الاتحاد يُـعـرِّف نفسه[1] بأنه: "مؤسسة علمائية شرعية مستقلة تعمل على تبليغ رسالة الإسلام وتوجيه المسلمين إلى الفهم الصحيح لأحكام دينهم، من خلال الحفاظ على هوية الأمة ونشر الوسطية بعيداً عن الغلو في الدين والتفريط بالثوابت، والعمل على وحدة الأمة وزيادة فعَّاليتها للقيام بأمر الدعوة إلى الله وعمارة الأرض، مستحضراً أهمية تحقيق التعايش السلمي ونبذ العنف، ونشر ثقافة التسامح وتعزيز المشترك الإنساني والحضاري. ومن أجل ذلك فقد اتبع الاتحاد للوصول إلى هذه الغايات التنوع بين الخطاب التثقيفي المباشر، الذي يتضمن تصحيح المفاهيم والممارسات والمواقف وفق تعاليم الإسلام الحنيف، والتوعية المستمرة وتوجيه النصح المتسم بالحكمة والرفق، والالتزام بمنهج الحوار والتعاون مع المؤسسات والهيئات العاملة في هذا الإطار، مع الاجتهاد والتجديد فيما يحتاج إلى ذلك من مستجدات.."

 

وأما أهداف الاتحاد، كما نص عليها نظامه الأساسي[2]، فهي:

  1. ـ الإسهام في الحفاظ على الهوية الإسلامية للأمة.
  2. ـ نشر الفكر الإسلامي الوسطي، ومواجهة الخلل في المفاهيم والغلو في الدين والتسيب في الفكر والانحراف في الممارسة.
  3. ـ العمل على تقوية الروح الإسلامية في الشخصية الفردية والجماعية لتهيئة الأمة الإسلامية للقيام بدورها القيادي، ورسالتها في عمارة الأرض، وأداء واجبات الاستخلاف الحضاري، بحيث تكون ثمرة تدينها عملا نافعا متقنا، وخلقا قويما، ورشدا في الفكر وسموا في الأخلاق، وتكون أسوة حسنة للناس كافة.
  4. ـ العمل على توحيد قوى الأمة الإسلامية وترسيخ القواسم المشتركة بين مختلف مذاهبها واتجاهاتها، وتقوية الروابط الأخوية بين أفراد المجتمع الإسلامي.
  1. ـ توحيد جهود العلماء ومواقفهم الفكرية والعلمية في قضايا الأمة الكبرى لتواجه التحديات صفا واحدا.
  2. ـ الاهتمام بالأقليات المسلمة، والإسهام في حل المشاكل والصعوبات التي تواجهها.
  3. ـ العمل على تأكيد قدرة الإسلام ومقاصده وقواعده على تلبية الحاجات الجديدة والأوضاع المتطورة في حياة الأفراد والأسر والمجتمعات.
  4. ـ السعي إلى تحقيق التعايش السلمي، ونبذ العنف غير المبرر أياً كان مصدره، ونشر ثقافة التسامح وتعزيز المشترك الإنساني بين مختلف الشعوب والثقافات والديانات.
  5. ـ العمل على حماية الأسرة وتماسكها وتعزيز دورها في بناء وتطور المجتمعات.

فعلى هذه الأسس، وفي نطاق هذه المبادئ والأهداف، يتحرك الاتحاد وتتحدد أنشطته ومواقفه..

****

        السعي إلى تحريك العلماء وتفعيل رسالتهم

في مقدمة ما يرمي إليه الاتحاد: مخاطبة علماء الإسلام أنفسهم، وتحفيزُهم وإتاحةُ الفرص لهم، للقيام بما هو منوط بهم من توعية وتوجيه، واجتهاد وبيان، وأمرٍ بالمعروف ونهيٍ عن المنكر. فكان تأسيسُ الاتحاد نفسه عبارةً عن فرصة تفتح أمام العلماء للنهوض والإقدام والتكتل والتعاون، قياما لواجباتهم وأداء لأماناتهم..

وفعلا فقد أصبح الاتحاد أداة فعالة للعمل، وميدانا فسيحا للعطاء، سواء على الأصعدة المحلية للأعضاء والفروع، أو على الصعيد العالمي لقيادة الاتحاد وهيئاته ولجانه المركزية.. بل إن ظهور الاتحاد قد استنفر كثيرا من العلماء وحفزهم في عدد من الأقطار والجهات، للدخول في الاتحاد والعمل تحت رايته، أو لتأسيس جمعيات واتحادات وروابط عُلمائية جديدة، قُطرية أو إقليمية..

فنستطيع أن نقول - جازمين مطمئنين - إن العلماء بصفة عامة، وأعضاء الاتحاد بصفة خاصة، قد ارتفعت فاعليتهم وجاهزيتهم منذ تأسيس الاتحاد سنة 2004، وإن كان هذا التقدير الإجمالي تختلف حاله من بلد لآخر، ولكنه يبقى منطبقا على معظم أنحاء العالم الإسلامي. وفي بعض البلدان العربية تمت الإطاحة تماما بالعلماء ومواقفهم ومكانتهم، سواء بأفرادهم أو بهيئاتهم. والاتحاد نفسه تم حظره وحظر كل انتساب إليه، ومحوُ كل أثر له في تلك الأقطار.. بل في بعضها تم تصنيفه منظمة إرهابية!!

 

الاتحاد وأوضاع المسلمين والمستضعفين

أوضاع المسلمين، الدينيةُ والسياسية والاجتماعية، تشكل أحد أكبر الاهتمامات وإحدى أبرز الجبهات لنشاط الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.. ففي هذا المجال يتركز القدر الأكبر مما صدر عن الاتحاد من البيانات والمذكرات والمراسلات والمؤتمرات والندوات.. وبطبيعة الحال، فإن القضية الفلسطينية ومناصرة الشعب الفلسطيني ونجدته في محنته، تأتي في الصدارة. وفيها قدم الاتحاد منذ تأسيسه ما لا يحصى من المبادرات والجهود الموجهة لنصرة الشعب الفلسطيني. ولا توجد قضية تحظى بإجماع أعضاء الاتحاد وتجاوبهم وتحمسهم، كما هو شأن القضية الفلسطينية. ثم تليها قضايا الشعوب والأقليات المسلمة، الواقعة تحت مطارق الظلم والاستبداد والاضطهاد..

ولا شك أن الرئيس المؤسس للاتحاد، شيخَنا العلامة يوسف القرضاوي حفظه الله، هو الطليعة القيادية والقدوة الحسنة في العناية بقضايا المسلمين عموما، وبالقضية الفلسطينية خصوصا.

وقد تدخل الاتحاد وأسهَمَ - بكل الأشكال المتاحة له - في قضايا المسلمين: في الصين والهند وكشمير وبورما وبنغلاديش وسريلانكا والقوقاز والسودان، وفي بعض الدول الأوروبية، وبعض الدول الإفريقية، وبعض الدول العربية. كما كان له حضور إيجابي مؤثر ومقدر بين المسلمين في نيوزيلاندا، على إثر المجزرة الإرهابية التي تعرضوا لها..

كما أن اتحاد العلماء يولي عناية ومتابعة خاصة لقضايا أصحاب الرأي المعتقلين، من العلماء والمفكرين والدعاة، وكثير منهم أعضاء في الاتحاد..

كما لم يَفُتِ الاتحادَ أن يصدر بيانا ضد المعاملة العنصرية على أساس اللون والعرق، وذلك على إثر قيام ضباط شرطة أمريكيين بخنق رجل أسود حتى الموت، وهي الحالة التي تظل تتكرر وقائعها ومشاهد في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي غيرها من البلدان.. ولذلك أكد الاتحاد في وثيقة (20/12/2020) التزامه بمبدأ "نبذ التعصب لاعتبارات عرقية، أو إقليمية، أو مذهبية، وبيان الحق وفق القيم التي أكدتها الشريعة الإسلامية من العدل، والإنصاف، والتجرد للحق، التي هي قيم مشتركة بين الأمم والحضارات".

كما أكد في ذات الوثيقة "تأييده المبدئي لحق الشعوب في الإصلاح والنهوض والترقي، وفي حرية التعبير عن مواقفها وتطلعاتها وتظلماتها، في نطاق سلمي حضاري تُـحفظ به المصالح العامة، والسلم الأهلي".

ويحث الاتحادُ - في العديد من وثائقه وبياناته - الأقلياتِ المسلمةَ على الاندماج الإيجابي البناء في مجتمعاتهم وبلدان إقامتهم، واحترام القوانين المعمول بها، مع تمسكهم بدينهم وشعائرهم وحقوقهم المشروعة. كما يوصي المسلمين عموما "بالحفاظ على العلاقات الطيبة وروح التعاون مع المجتمعات الأخرى، والاهتمام بالشأن الإنساني العام في العالم، والمشاركة في مساعدة الشعوب لما يحقق كرامة الإنسان".

 

قضية الأسرة في صلب اهتمامات الاتحاد

من القضايا الاجتماعية ذات الحُظوة والأولوية في الاتحاد: قضية الأسرة، نظرا لما لها من أهمية قصوى في البناء الاجتماعي والتربوي، والاستقرار النفسي لكل أفرادها، وأيضا لما تتعرض له من مخاطر وتحديات وجهود هدامة. فالأسرة ووظائفها - في الحقيقة - تتعرض لمحاولات إبادة تُستعمل فيها "أسلحة الدمار الشامل". وللأسف فقد انجرت حتى بعض المنظمات الأممية نحو هذا المنزلق، وانخرطت في "أجنداته"؛ من مناصرة للشذوذ الجنسي، والزواج المثلي، ودفاع عن الإجهاض، وعن العلاقات الجنسية خارج نطاق الزواج الشرعي، وتبخيس لأهمية الإنجاب والتناسل، ومحاربة لنظام الأسرة وقيمها البناءة المتعارف عليها لدى معظم الأمم.

ونظرا لهذه الأهمية والخطورة، فقد جعل الاتحاد حمايةَ الأسرة ضمن أهدافه الثابتة، المنصوص عليها في نظامه الأساسي، كما تقدم.

وقد بادر الاتحاد - ضمن مبادراته الكثيرة في موضوع الأسرة - إلى إعداد (ميثاق الأسرة)، الذي تُـرجم ونشر بنحو عشر لغات. وهو موجود على الموقع الرسمي للاتحاد.

وفي تقييم الاتحاد لجائحة كورونا وتداعياتها، ركز في مذكرة له في الموضوع[3]، على أحوال الأسرة وما لحقها من الأضرار الإضافية التي تسببت فيها هذه الجائحة:

تقول مذكرة الاتحاد: "أبانت هذه الجائحة عن تراكم إشكاليّات أساسية في النظم الاجتماعية المعاصرة أيضًا، سواء التي تميل إلى التقليد أو التحرر، بخاصة في التعامل مع قيم الأسرة؛ إذ فشل كثير من المجتمعات الإنسانية في الحدّ من العنف ضد المرأة في البيوت في ظل الأزمة، بل ارتفع عدد الضحايا من النساء من جرّاء هذا العنف في بعض الدول كما أظهرت الإحصاءات. وكشفت الأزمة كذلك تقصيرًا إنسانيًّا عامًّا في مجال حقوق الكبار في السّن ورعايتهم، خصوصًا في بيوت العجزة التي كثرت فيها حالات الوفاة، وكشفت الأزمة ضعف مستوى الرعاية فيها في بلاد كثيرة. وقد تعالت- كذلك- في ظل الأزمة نزعاتُ العنصريّة في بعض المجتمعات، وأوذيت بسببها أقليّات مختلفة بسبب اتهامات باطلة بأنها جلبت العدوى للمجتمع، وقد رصدنا- كذلك- استغلال بعض الحكومات للأزمة من أجل دفع خطط لتحولات اجتماعيّة غير أخلاقيّة؛ إلّا أنّ بعض شرائح المجتمعات المعاصرة أظهرت الوفاء لأعلى مستويات القيم الاجتماعية بعدّها قيمًا إنسانيّة فطريّة، مثل: قيم الأسرة، والبر بالوالدين، والإحسان لكبار السن، ومساعدة المعاقين والملهوفين، والصدقات الخيريّة، وكان على رأس تلك القيم الحياة، التي تجلّت في ما قدمته الطواقم الطبية والعاملون في مجالات الخدمات الأساسية في كل البلاد من أجل حفظ النفوس والوفاء بالحاجات الإنسانية الحيوية، ولولا رحمة الله ثمّ الجهود الكبيرة لهؤلاء لكان تأثير الجائحة كارثيًّا على واقع البشريّة ومستقبلها".

 

الاتحاد وجائحة كورونا

انخرط الاتحاد - بأعضائه وهيئاته - في مختلف جهود التوعية والتوجيه والوقاية، ومعالجة الآثار والانعكاسات المتعددة لهذه الجائحة، التي ما زلنا نعيش أطوارها وتداعياتها حتى الآن. وما زال الاتحاد مواكبا ومواظبا على جهوده في هذا الصدد، وهي جهود كثيرة ومتنوعة يتعذر في هذا المقام تفصيل الكلام عنها..

غير أني أعرج باختصار على ذكر أمرين مما قام به الاتحاد في هذه القضية..

الأمر الأول هو: الإصدار المبكر لمجموعة من الفتاوى والترخيصات والتوجيهات الشرعية الاجتهادية، التي تفيد الناس في الحد من انتشار الفيروس..

الأمر الثاني هو: إصدار مذكرة تحليلية تقييمية شاملة لمختلف التداعيات الناشئة عن وباء كورونا (كوفيد19) بعنوان (جائحة كورونا: التداعيات والدروس المستفادة)، وذلك في 26/7/2020، تتضمن الحث على التضامن الدولي، والتضامن الداخلي للشعوب والأفراد، والتمسك بالقيم والأخلاق، التي ظهر وتأكد مسيسُ الحاجة إليها في هذه الحالة الوبائية العالمية..

ومما جاء في المذكرة عن الجوانب والأبعاد الاجتماعية لجائحة كورونا:

 "يدعو الاتحاد الحكومات العربية والإسلامية إلى منح الحريات المسؤولة، وزيادة سقف الممارسات الديمقراطية، والمصالحة الشاملة مع شعوبها لتحقيق التضامن والتكامل.

ويدعو الاتحاد كذلك إلى الحدّ من التفاوت الكبير في الانتفاع بخيرات الأرض بين الدول الغنية والدول الفقيرة والنامية، مما يفرز موجات للهجرة واللجوء، ويتسبب في نشر النزاعات والحروب في العالم؛ وهدر الميزانيات الضخمة من أجل حيازة الأسلحة بدلًا من صرفها فيما ينفع البشر ويحفظ حياتهم في مثل ظروف هذه الأزمة الصحية العالمية.

كما يدعو الاتحاد إلى مناهضة ممارسات كل الجهات المتطرفة في نشر خطاب الكراهية والعنصرية، في التعامل مع ظاهرة الإسلاموفوبيا.

وأخيرًا يدعو الاتحاد الحكومات إلى عدم الانكفاء على مشكلاتها والاستجابة لنزعات القومية والعنصرية، بل أن يدرك الجميع أنّ مدّ يد التعاون بين البشر هو صمّام الأمان لاستقرار المجتمعات وانتشار السلام في العالم.

كما يدعو الاتحاد الحكومات العربية والإسلامية إلى إعادة فتح باب العمل لمؤسسات العمل الإنساني والإغاثي التي أوقفت عن النشاط تحت ضغوط خارجية، مع التذكير بما شهده الواقع الغربي من نشاط كبير وعطاء مبارك للمؤسسات الإسلامية الإنسانية والخيرية لدعم جهود مواجهة كورونا في العالم أجمع.

كما يدعو الاتحاد كذلك إلى تفعيل دور الزكاة والوقف ومؤسسات القرض الحسن، والمشاريع الصغيرة، والمتوسطة ونحوها لتحقيق التكافل، والتضامن والتنمية الشاملة، وفق أسس علمية ومنهجية دقيقة، وخطة وبرامج ومشاريع للتخفيف من آثار هذه الجائحة الاقتصادية.

وختامًا فإن الاتحاد يدعو لحكومات المعنية في ظل هذه الجائحة إلى الإفراج عن معتقلي الرأي والمفكرين، لإيجاد لحمة وطنية في مواجهة تداعيات كورونا بخاصة الاقتصادية منها والظواهر الاجتماعية المصاحبة".

وقد تُرجمت هذه المذكرة إلى العديد من لغات المسلمين واللغات العالمية، وتم توجيهها إلى رؤساء الدول والمنظمات الدولية، وإلى العلماء والمفكرين ورجال الأعمال ووسائل الإعلام..

 


[1] في وثيقة بعنوان (الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين: علمية الرسالة والمنهج، واستقلالية الرؤية والموقف) نشرت بالموقع الرسمي للاتحاد في 20/12/2020

[2] المادة الرابعة من النظام الأساسي للاتحاد

[3] سيأتي الحديث عنها بعد قليل..