البحث

التفاصيل

التعدد الواجب الذي نريده ونسعى إليه

التعدد الواجب الذي نريده ونسعى إليه

الشيخ . عصام تليمة

شُغل السوشيال ميديا ومواقع التواصل في الأيام الماضية بقضية تعدد الزوجات، وهو يُراد لنا دوما أن نشغل بقضايا لا ينبني عليها نهضة حقيقية في بلادنا، ولا ذات أهمية كبيرة في حياتنا كأمة، أو كشعوب، فما الموضوع؟ إن شخصا معروفا تزوج زوجة ثانية، وهو خبر شخصي، سواء كان فعله صحيحا شرعا أم لا؟ يحقق العدل أم لا؟ فهو يظل في إطاره الشخصي، فلو كان أعدل خلق الناس جميعا، فهو فرد يعيش في إطار حياة الفرد، ولو كان أظلم الناس، فهو أيضا فرد، نعم نحن لا نقبل بالظلم من أحد، ولا نقبل إلا العدل للجميع، لكنه في نهاية الأمر: فرد، وقضيته قضية فرد، شأنه شأن التعدد نفسه، فهو ليس قضية أمة بقدر ما هو قضية فرد، زاد أم نقص، هي قضية فردية.

هل نحن بحاجة للحديث عن تعدد الزوجات؟

ولست ضد بيان الأحكام الشرعية على ما يقوم به الأفراد، فهو واجب أهل الشرع عند السؤال، ولكن على أن يظل في إطار القضايا الفردية، وعلى قدر حجمها ومساحتها، لكن أن نرى ساحات النقاش وكأنها ساحات حرب فكرية، وكأنها قضية لو صمتنا عنها، أو تجاهلناها لخسرنا النهضة والتنمية، والتنوير الفكري؟ فطرح المسألة بهذا الشكل المصطنع تضع علامات استفهام، حول ما يراد لنا دائما أن نهدر الأوقات والجهود فيها.

هل نحن بحاجة فعلية للحديث عن تعدد الزوجات، والتحذير من مظالم تكتنف حالات تمارس أثناءه؟ أم نحن بحاجة للحديث عن تعدد آخر، هو واجب الوقت، وكل وقت؟ كم تمثل حالات تعدد الزوجات في حياة الأمة؟ لو كان لدينا إحصاء بعدد الحالات، سنجدها حسب إعلان جهاز التعبئة والإحصاء في مصر ما يلي: (تزوج 37 ألفا و264 زوجًا بزوجة ثانية في عام 2020، بنسبة 4.3% من إجمالي عقود الزواج، التي قدرت في هذا العام بـ 876 ألفا و25 حالة زواج)، توضح بيانات “التعبئة والإحصاء” (أن 34ألفًا و283 رجلا تزوج للمرة الثانية وفي عصمته زوجة واحدة، و2646 رجلا تزوج وفي عصمته زوجتان، و340 رجلا تزوج وفي عصمته ثلاث زوجات).

هذه نسب ذكرها جهاز التعبئة العامة والإحصاء في مصر، ولو ذهبنا إلى إحصاء آخر جغرافي لا شك سنجد تفاصيل أخرى، يزداد في مناطق ويقل في أخرى، فهي قضية محدودة ذات ظروف خاصة سواء كانت اجتماعية، أم مادية، أم دينية، ومعظمها لا يعلن عنه، أي: لا يشعر به الناس، سواء كان لظروف خاصة بالشخص، أم لغير ذلك، فهو يظل في نهاية الأمر ليس حالة طارئة، ولا عاجلة، ولا قضية تمس شريحة كبرى من الناس، في ظل بلد فقير كمصر، لا يجد فيها الشاب القدرة على التزوج بواحدة بالأساس، ونجد نسبة الشباب والفتيات العوانس في ازدياد.

فهل نحن بحاجة فعلا لتسليط الضوء، وإثارة مواقع التواصل الاجتماعي، والحديث هنا وهناك عن التعدد، وأنه جريمة تهدد المجتمع، وأنه جرثومة تصيب دماغ الرجل، فتجعله ينام ويصحو ولا يفكر إلا فيه؟ هل يجد المتزوج في مصر القدرة على تعليم أبنائه، والإنفاق عليهم؟ وهل يجد ما يكفي يومه حتى يفكر في الإتيان بزوجة أخرى؟! إنه توجيه للطاقات بعيدا عن القضايا الأساسية للمواطن المصري والعربي.

وهذا يذكرني بالرئيس التونسي الراحل السبسي، وقد أصدر قانونا بمساواة المرأة بالرجل في الميراث، وكأن قضايا الاقتصاد والسياسة في تونس قد تم حلها، وفرغت مؤسسة الرئاسة منها، وقامت بحل مشكلات المرأة التونسية، ولم يبق لها مشكلة سوى الإرث، فهل كان من المعقول أن يطرح في بلد كتونس هذا الموضوع وفي هذا التوقيت، وهل كان الموضوع من الأهمية بمكان ليكون بهذا الإلحاح؟ بينما تذكر الإحصاءات وقتها: أن أكبر عدد من الشباب العربي المنضم لتنظيم داعش من تونس، فهل كانت الأولوية آنذاك هي علاج قضية انتماء الشباب لتنظيمات عنيفة، أم التستر بقضية المرأة وإرثها، هروبا من الإشكالات الحقيقية التي يعاني منها المواطن؟!

الاكتفاء بواحدة جيد

الذين يدعون للاكتفاء بامرأة واحدة، هذا كلام جيد، لا غبار عليه، ولكن أليس من الأكثر حكمة وعقلا، أن تكون دعوتكم لوحدة الوطن، ووحدة أراضيه وسلامته؟ في ظل التفريط في مقدراته، إنهم دعاة وحدة مع أنفسهم وأشباههم، لكن مع بني أوطانهم لا!

وهم أشبه بالأنظمة في بلادنا فهم دعاة تطبيع مع الصهاينة، لكن مع الشعوب لا! فمع الشعوب هم ممارسو قهر وكبت واستبداد.

وهو نفس ما يقال عن قضية التعدد، إن التعدد الواجب الذي نريده ونسعى إليه، هو: التعدد الفكري، والتعدد السياسي، في بلاد أصبحت مخنوقة بالاستبداد، نعم لا مانع من إبداء المشايخ الرأي في تعدد الزوجات، لكن الأهم إبداء الرأي في التعددية السياسية التي يحرم منها كل المواطنين، وقبلهم: الأحزاب السياسية، والتي أصبحت شكلا بلا مضمون، ولا جوهر، ولا وجود سياسي.

لكنهم يبدو أنهم أصبحوا ضد التعدد بكل أصنافه، وليس الزواج فقط، بل هم ضد التعدد الثقافي، فلا يسمحون إلا بأفكارهم هم، وأما سواها فتُحارب وتُستأصل، وضد التعدد السياسي، فلا وجود للسياسة، فضلا عن المنافس السياسي، وضد التعدد الانتخابي، فلا زعيم ولا حاكم إلا من يحكمهم باليد الباطشة، أو من يأتي على أعين الأجهزة الأمنية والاستخباراتية.

إن عدد حالات الطلاق في أي بلد عربي أضعاف حالات التعدد، وعدد حالات التحرش، وعدد حالات اختطاف الأطفال، وعدد المختطفات قسرا من النساء، وعدد النساء المعتقلات، وعدد النساء المكلومات والمضطهدات من أزواجهن أو أبنائهن أو إخوانهن أو آبائهن أكثر من عدد حالات التعدد، فلماذا يتم التضخيم والحديث عن أمر، والتعمية والتغمية على أمر آخر أكثر منه أهمية، وأشد منه خطرا؟

إنه ما سميته من قبل: النضال الطري، والمناضل الطري دائما يبحث عن القضايا التي تقل كلفتها، والتي لا تلتقي مع الأنظمة المستبدة في أي مساحة تغضبها.

فرسان التنوير الوهمي

لماذا لا نرى فرسان التنوير الوهمي في بلادنا في معارك حقيقية مع الاستبداد؟

ولماذا لا نراهم منادين بالتعددية السياسية، مع رفضهم للتعددية الزوجية جنبا إلى جنب إذا كانوا فعلا دعاة تنوير ديني وسياسي وثقافي؟

ولماذا يراد لساحات النقاش دائما أن تظل بعيدة عن المناطق الساخنة والمتاخمة لمساحة الحاكم المستبد في بلادنا؟

الأولى أن نصرف جهودنا سواء مشايخ أو مثقفين أو شعوب، للحديث عن تعدد واجب الوقت، وهو التعدد السياسي، والثقافي، والحزبي، القائم على حرية التعبير، وعلى الحريات كلها، لا أن تظل ساحات النقاش محدودة بسقف معين، ومحددة الموضوعات والتوجهات، وما عداها يكون من المحرمات.





التالي
الأمين العام : السعي لأطلاق صراح الأسرى والأسيرات من سجون الإحتلال واجب شرعي وإنساني
السابق
إدانات فلسطينية لتصريحات نائب أميركي دعا فيها لتفكيك المسجد الأقصى وبناء الهيكل مكانه

البحث في الموقع

احدث التغريدات

احدث المشاركات

فروع الاتحاد


عرض الفروع