البحث

التفاصيل

سلسلة إضاءات إيمانية : المجال النفسي

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد في الأولين والآخرين، إمام المتقين، وخاتم النبيئين والمرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

سلسلة إضاءات إيمانية

د. عبد الكامل أوزال – عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين     

2. المجال النفسي:

1.2. في مفهوم النفس:

 جاء في لسان العرب أن العرب قد تجعل النفس التي يكون بها التمييز نفسين، وذلك أن النفس قد تأمره بالشيء وتنهى عنه، وذلك عند الإقدام على أمر مكروه. فجعلوا التي تأمره نفسا، وجعلوا التي تنهاه كأنها نفس أخرى). وهذا يدل دلالة قاطعة على أن مصطلح النفس عند العرب يستعمل في ارتباط تام بالإنسان. فيأخذ معاني متعددة مثل العين والدم...والروح والجسد والإرادة والقلب والعقل إلخ... كما أن هذا المصطلح يرتبط بشخص الإنسان من حيث صفاته وسماته التي تميز سلوكه ومواقفه، مثل العظمة والكِبْر والعزة والهمة والأنفة . واصطلاحا يدل مصطلح النفس في القرآن الكريم على التكليفات التي أمر الله تعالى الإنسان بالعمل بها وحفظها، سواء كانت مأمورات أم كانت منهيات، لعلمه سبحانه وتعالى بالمصالح المترتبة عنها والتي تعود بالنفع والخير على الإنسانية جمعاء. إن الله جل وعلا خلق الإنسان سويّا على الفطرة، ويعلم سبحانه وتعالى حقيقته وماهية نفسه المتقلبة والمتحولة. كما يعلم جل وعلا أن هذا الإنسان مُعرّض للانحراف والزيغ عن الصراط المستقيم الذي رسمه جل علاه في كتابه الكريم، وبالتالي يحتاج هذا الإنسان إلى معالم ترشده ومصابيح تنير له سبل الرشاد، وتقيه من الوقوع في سوء العاقبة والمصير. يقول تعالى: ﴿ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها﴾ الشمس: 7ـ9. ويقول الرسول في الحديث الذي ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي : كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كمثل البهيمة تنتج البهيمة، هل ترى فيها جدعاء أخرجه البخاري . ولهذه النفس الإنسانية أمراض تصيبها وتتعرض لها، وقد نبّه القرآن الكريم إلى ذلك في أكثر من آية مثل قوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾ ق: 16، وقوله جل وعلا: ﴿وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى﴾ النازعات: 39ـ40. ويقول تعالى أيضا: ﴿قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ومن شر غاسق إذا وقب ومن شر النفاثات في العقد ومن شر حاسد إذا حسد﴾ الفلق: 1ـ5. انطلاقا من هذه النصوص الشرعية يتبين لنا أن القرآن الكريم أحاط النفس الإنسانية بعناية ربانية كبيرة حيث أوضح سبحانه وتعالى لها المهاوي التي يمكن أن تقع فيها، وأرشدها إلى سُبُل النّجاة التي تمكنها من الثبات على الحق والهدى. يقول تعالى: ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا﴾ الإنسان: 1ـ3. ويقول عز وجل أيضا: ﴿يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك كلا بل تكذبون بالدين وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون﴾ الانفطار: 6ـ12. ولذلك فإن معالجة مصطلح النفس الإنسانية لا يمكن أن تتم إلا في ضوء المنهج التربوي الرباني الذي رسمه القرآن الكريم عبر آيات التنزيل الحكيم، ومن خلال السنة المطهرة الشريفة. وبالتالي لا يمكن لهذا المصطلح التربوي (النفس الإنسانية) أن نُقاربه بالمُقاربات والنظريات النفسية الغربية الحاملة لروح الفلسفة المادية المتوحشة، التي تقدِّس مطالب الجسد والفكر الشهواني، حيث تختزل النفس الإنسانية في السلوك المادي القابل للملاحظة والمعاينة كما عند أصحاب النظرية السلوكية، الذين لا يؤمنون بالباطن من شخصية الإنسان، أو في الدوافع والرغبات المكبوتة في منطقة اللاشعور كما عند أصحاب نظرية التحليل النفسي الذين يختزلون هذا الباطن في مفهوم الأحلام . وهذا يعني أن هذا الموضوع لا يقبل الاجتهاد الذاتي المستند إلى الخلفيات والمراجع الفكرية التي تقوم على الهوى والظن .

إن المصطلحات التربوية المرتبطة بمفهوم النفس الإنسانية متنوعة ومتعددة، وترجع كلها في رأينا إلى مصطلح مركزي في القرآن الكريم، تتفرع عنه بالضرورة مصطلحات تابعة له إما بصيغها ومفرداتها العينية الدالة عليها، أو بمعانيها المتضمنة في سياق النص القرآني إجمالا. إن هذا المصطلح التربوي المركزي السالف الذكر هو القلب. يقول الله تبارك وتعالى في محكم التنزيل: ﴿إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد﴾ ق: 37. فسر ابن كثير كلمة القلب في هذه الآية باللّب الذي يعي به الإنسان الأشياء، وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿أو ألقى السمع وهو شهيدأي استمع الكلام فوعاه وتعقّله بعقله وتفهّمه بلُبِّه.. وقال الضحاك: العرب تقول: ألقى فلان سمعه إذا استمع بأذنيه، وهو شاهد بقلب غير غائب. أما الإمام القرطبي فيفسر كلمة القلب في الآية بقوله: عقل يتدبر به، فكنى بالقلب عن العقل لأنه موضعه.. وقيل: لمن كان له حياة ونفس مميزة، فعبر عن النفس الحية بالقلب لأنه وطنها ومعدن حياتها. كما فسر الإمام القرطبي كلمة القلب في قوله تعالى: ﴿ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم﴾ البقرة: 7، بقوله:فيه دليل على فضل القلب على جميع الجوارح. والقلب للإنسان وغيره. وخالص كل شيء وأشرفه قلبه. فالقلب موضع الفكر. وزاد الإمام القرطبي في تفسير هذا المصطلح بقوله: «الجوارح وإن كانت تابعة للقلب، فقد يتأثر القلب ـ وإن كان رئيسها وملكها ـ بأعمالها، للارتباط الذي بين الظاهر والباطن، قال : (إن الرجل ليصدق، فتُنكت في قلبه نكتة بيضاء، وإن الرجل ليكذب فيسود قلبه)، وروى الترمذي وصححه عن أبي هريرة: أن الرجل ليصيب الذنب فيسودّ قلبه، فإن هو تاب، صُقل قلبه. قال: وهو الرّان الذي ذكره الله في قوله: ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾ المطففين: 14. أما المعاني المتضمنة في سياق النص القرآني الكريم والدالة على مصطلح القلب، فيمكن أن نمثل لها بما جاء في التنزيل الحكيم، يقول تعالى : ﴿والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين﴾ آل عمران : 134، ويقول أيضا : ﴿يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين﴾ البقرة : 153، وقوله عز وجل : ﴿وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون﴾ السجدة : 24. يقول الإمام أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي في تفسير معنى الصبر هنا :الصبر هو حبس النفس عما تدعو إليه من الأمور، والصابر هو الحابس نفسه عما تدعو إليه مما لا يجوز له. وهو صفة مدح. ووجه الاستعانة بالصبر أن في توطين النفس على الأمور تسهيلا لها. واستشعار الصبر إنما هو توطين النفس. ووجه الاستعانة بالصلاة ما فيها من الذكر لله، واستشعار الخشوع له، وتلاوة القرآن وما فيه من الوعظ ... وما فيه من البيان الذي يوجب الهدى ويكشف العمى. إن كظم الغيظ والعفو صفتان متلازمتان في النفس القوية التي ثبّتها الله تعالى، ووطّنها على فعل الخير والإسراع إليه. وقد فسر الإمام ابن كثير قوله تعالى: ﴿والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس﴾ آل عمران: 134، بقوله:أي إذا ثار بهم الغيظ كظموه بمعنى كتموه فلم يعملوه، وعفوا عمّن أساء إليهم . أما الإمام القرطبي فقال: وكظم الغيظ رده في الجوف، يقال: كظم غيظه أي سكت عليه ولم يظهره مع قدرته على إيقاعه بعدوه، بل إنه يُتبعه بخُلُقِ العفْو الذي يُعدّ من أجلِّ ضروب الخير. ولن يكون ذلك إلا للصابرين الذين أكرمهم الله تعالى بهذا المقام الرفيع. يقول الإمام القرطبي في تفسير قوله تعالى: (وبشر الصابرين) البقرة: 154، والصبر صبران: صبر عن معصية الله، فهذا مجاهد، وصبر على طاعة الله، فهذا عابد. فإذا صبر عن معصية الله وصبر على طاعة الله، أورثه الله الرضا بقضائه، وعلامة الرضا سكون القلب بما ورد على النفس من المكروهات والمحبوبات» . ولذلك عدّ الإمام أحمد بن حنبل الصبر نصف الإيمان، ونصفه الثاني الشكر .

2.2. في مجال النفس الإنسانية

يخبرنا الله تعالى أن للنفس البشرية مستويات مختلفة، وأن لكل مستوى منها خصائصه المميزة.

  1. المستوى الأول: النفس المطمئنة مصداقا لقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي﴾ الفجر: 27 ـ 28. وقد وصف الله تعالى هذه النفس بالمطمئنة لأنها آمنة من الخوف والفزع الأكبر يوم القيامة، بما قدمت من الأعمال والقربات في سبيل الله. فألهمها الله تعالى الأمن والأمان والسلم والسلام، والثبات على الحق في جميع الأحوال، في المنشط والمكره، وفي السراء والضراء، وفي اليسر والعسر. إنها نفس رضيت بما قدر الله تعالى لها في الدنيا مستيقنة بالحق ثابتة على الطريق الصحيح الذي ارتضاه المولى عز وجل لعباده المؤمنين، غير مرتابة ولا منحرفة عنه، لأنها جمعت بين الإيمان والاطمئنان واستأنس قلبها بذكر الله، ورضيت به مولى ونصيرا مصداقا لقول الله عز وجل: ﴿الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ الرعد: 29.
  2. المستوى الثاني: هو النفس اللوامة، وقد أقسم المولى عز وجل بها في كتابه الكريم حيث قال جل شأنه: "لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة" القيامة:1ـ2. فالنفس اللوامة نفس مؤمنة تقية "تلوم نفسها وإن اجتهدت في الإحسان" كما في تفسير الجلالين ، أو أنها «تلوم صاحبها على ترك الطاعات وفعل الموبقات» كما جاء في صفوة التفاسير ).
  3. المستوى الثالث: هو النفس الأمارة بالسوء، وهي نفس خبيثة شهوانية تُحرِّض الإنسان على فعل المنكرات والسيئات. لذلك عدّها الإمام ابن قيم الجوزية محلّ الجناية ومصدرها، ومن ثم وجب تقويمها بالعلم النافع الذي يصحح اعوجاجها ويقي العبد شرها . وهذا يدل دلالة قاطعة على أن الإنسان تتجاذبه هذه المستويات الثلاثة من النفس وتتردد عليه أحوالها، فلا يستطيع كبح جماح العنصر الخبيث فيها إلا من جاهد نفسه وزكاها بالطاعات والقربات، وربّاها بتربية القرآن الذي يعد صمّام أمان للنفس الإنسانية. وهو منبع سعادتها ونجاتها في كلا الدارين. يقول تعالى: ﴿فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ البقرة: 37. ولذلك فإن المدخل الأساس الذي يقي النفس الإنسانية مخاطر الوقوع في مهاوي السقوط والانحراف والزّيْغ، هو مدخل التزكية باعتبار كون فعلها، أي فعل التزكية، مُنْصبّا على هذه النفس التي تحتاج إلى أن تتطهّر وتترقّى في معراج التربية الإيمانية. فتصفو مشاربها وتتلألأ أنوارها، فلا ينضب معينها، ولا يخبو بريقها، ويغلب خيرُها شرّها، فيكتب لها الله تعالى النجاة والفوز والفلاح في كلا الدارين. فاللهم آت نفوسنا تقواها، وزكِّها أنت خير من زكّاها، أنت وليها ومولاها. وصلى الله وسلّم على نبينا محمد المصطفى الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

                                                     يُتبــــــــع

 

 

[1]- لسان العرب، ابن منظور، مادة (نفس)، المجلد الثامن، ص. 120.

[2]-  انظر على سبيل المثال لا الحصر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ج. 5، ص. 460، كتاب العين، الخليل بن أحمد الفراهيدي، ج. 4، ص. 249، لسان العرب، ابن منظور، ج. 8، ص. 119.

[3]-  لسان العرب، ابن منظور، المجلد الثامن، ص. 121.

[4] -  صحيح البخاري: البخاري، الجزء الأول، تحقيق: صدقي جميل العطّار، كتاب الجنائز، باب: ما قيل في أولاد المشركين، رقم 1385ص. 327، وحديث رقم 1359، ص.321

[5]-  أصول علم النفس الحديث، د. فرج عبد القادر طه، ص. ص. 62 ـ 64.

[6]-  علم النفس: معرفة النفس الإنسانية في الكتاب والسنة، سميح عاطف الزين، ص. 19.

[7]-  تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، الجزء السابع، ص. 314.

[8]-  الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، الجزء التاسع عشر، ص. 459.

[9]-  الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، الجزء الأول، ص. 286.

[10]- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، الجزء الأول، ص. 287.

[11]-  التبيان في تفسير القرآن، أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، المجلد الثاني، ص. 34.

[12]-  تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، الجزء الثاني، ص. 85.

[13]- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، الجزء الرابع، ص. 206.

[14]- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، الجزء الرابع، ص. 207.  

[15]- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، الجزء الثاني، ص. 174.

[16]- مدارج السالكين، ابن قيم الجوزية، الجزء الأول، ص. 506.

 [17]-  تفسير الجلالين، جلال الدين المحلي، جلال الدين السيوطي، ص. 577.

[18]-  التفاسير، محمد علي الصابوني، الجزء الثالث، ص. 459.

[19]- مدارج السالكين، ابن قيم الجوزية، الجزء الأول، ص. 170.


: الأوسمة


التالي
هيئة علماء فلسطين في الخارج تستضيف وفوداً علمائية من 17 دولة
السابق
رسالة إلى من ابتلاه الله عز وجل بالوسواس