البحث

التفاصيل

التنازل عن الأرض المغتصبة : هدنة أم سلام ؟

الرابط المختصر :

التنازل عن الأرض المغتصبة : هدنة أم سلام ؟
د. محمد عمارة
 

1- الصراع المعاصر والحالي بين امتنا وبين الكيان الاستيطاني الصهيوني على أرض فلسطين ليس خاصا بأهل فلسطين، فهذا الكيان (الذي يمثل قاعدة للمشروع الاستعماري الغربي)، نشأ بروتستانتيا غربيا، مستندا الى اسطورة بروتستانتية تزعم ان عودة السيد المسيح عليه السلام، ليحكم الارض الف عام، قد اقترب اوانها، ولابد لحدوثها من جمع اليهود في فلسطين وإقامة دولتهم، وشن حرب إبادة ضد العرب والمسلمين، 

ولقد صادف تبلور هذه "الاسطورة البروتستانتية" قيام الغرب بغزوته الاستعمارية الحديثة على ديار الاسلام، وبحثه عن اقلية دينية تمثل بالنسبة له موطئ القدم، والشريك الاصغر في المشروع الاستعماري،

فروجت الاسطورة في الاوساط (الصهيونية الغربية) الباحثة عن وطن يحميها من الاضطهاد الغربي فقام هذا الحلف الصليبي - الصهيوني ضد العرب والمسلمين على ارض فلسطين ...

2- والموقف الاسلامي من (الدولة اليهودية) ليس موقفا من (اليهودية الدين)، فاليهودية دين من الديانات التي جاء الاسلام مصدقا لها، ومصححا لما حرف من عقائدها، ومهيمنا - هيمنة الرسالة الخاتمة - عليها، ومتعايشا مع المتدينين بها، 

وإنما موقف الاسلام من هذه الدولة هو موقفه من "العنصرية اليهودية" التي :

- تحالفت مع الغرب الاستعماري ضد نهضة الاسلام ويقظة امته،

- واقامت في أرضه المقدسة قاعدة استعمارية استيطانية تقتلع المسلمين من ديارهم،

- وتحترف العدوان المنظم لاجهاض النهضة والتقدم في وطن العروبة وعالم الاسلام، 

مستغلين في ذلك اساطير توراتية حول وعد الهي لبني اسرائيل بأرض ما بين النيل والفرات.

3- وللاسلام من هذه القضية - قضية اغتصاب الارض والإخراج من الديار - موقف حسمه القرآن الكريم عندما قال : (إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين واخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم ان تولوهم، ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون)، 

فلا موالاة ولا سلم بين المسلمين وبين من يخرجونهم من ديارهم ويظاهرون على إخراجهم من الديار، وخاصة اذا كانت هذه الديار "أمانة الفاروق عمر بن الخطاب" التي اودعها لدى الامة التي جعل الله سنام دينها الجهاد ، وكانت "الأقصى وما بارك الله حوله" في القدس وفلسطين.

وهذا الموقف الاسلامي، من هذه القضية، يتأكد ويزداد وضوحا وحسما عندما نعلم :

أ- أن المسلمين الاوائل، بقيادة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لم يحاربوا مشركي قريش لمجرد شركهم ورفضهم التدين بالاسلام، 

فالحرب للاكراه على الدين مرفوضة إسلاميا، وهي لا تثمر (إيمانا) وتصديقا قلبيا يقينيا، وإنما تثمر (نفاقا) يدينه الاسلام،

وإنما حارب المسلمون المشركين لانهم اعتدوا على المؤمنين، وفتنوهم عن دينهم، ولأنهم اخرجوهم من ديارهم, والذين يتأملون آيات القرآن التي جاء فيها (الإذن) بالقتال بعد الهجرة، و(التحريض) على هذا القتال، يرون كيف كان (الإخراج من الديار) في مقدمة أسباب الاذن بالقتال والتحريض عليه : 

(أُذن للذين يُقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير, الذين اخرجوا من ديارهم بغير حق الا ان يقولوا ربنا الله)، 

(وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا، ان الله لا يحب المعتدين، واقتلوهم حيث ثقفتموهم واخرجوهم من حيث اخرجوكم، والفتنة اشد من القتل)، 

(يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه اكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل)، 

(وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك او يقتلوك أو يخرجوك)،

(وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها)، 

(ألا تقاتلون قوما نكثوا ايمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدأوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين, قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين)،

فمشروعية الجهاد، ووجوب القتال، ليس لمجرد المغايرة في الاعتقاد، وإنما للاخراج من الديار،

ب- واذا كان المشركون قد كانوا اشد الناس عداوة للمسلمين، فلقد شاركهم في ذلك اليهود (لتجدن اشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا)،

ج- وإذا كان مشركو قريش قد اضافوا الى إخراجهم المؤمنين من ديارهم وأموالهم محاولتهم ان يُثبتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، اي ان يحبسوه أو يثخنوه بالجراح، فهذا ما تجاوزت فيه دولة اسرائيل الحدود مع العرب والمسلمين، على امتداد ما يقرب من نصف قرن حتى الآن !

د- وإذا كان مشركو قريش قد اضافوا الى اخراج المسلمين من ديارهم، (فتنتهم) في الدين، فإن اسرائيل تعلن على الملأ ان دورها في (الشراكة الغربية) لم ينته بسقوط الشيوعية ونظمها وحكوماتها، وإنما دورها القائم والقادم في محاربة اليقظة الاسلامية، لحساب الغرب، دور كبير، ولا يمكن للغرب ان يستغني عنه ورئيس دولتها هو القائل (مِن خطابه في البرلمان البولندي بتاريخ 29/ 5/ 1992م، انظر مقال "محمد سيد احمد" في صحيفة "الأهالي" القاهرية في 4/ 8/ 1992م ) : (إن اسرائيل تصدت في الماضي لخطر الشيوعية والاتحاد السوفيتي وإن لاسرائيل دورا في المستقبل، بعد زوال الاتحاد السوفيتي، وهو التصدي لخطر الاصولية الاسلامية على نطاق منطقة الشرق الاوسط كلها. ان العالم يجهل الخطر الاكبر الذي يهدده، وهو الاصولية الاسلامية).

4- إذن، اغتصاب الأرض، والإخراج من الديار، وقتل المسلمين، وفتنتهم عن دينهم، واجهاض كل محاولاتهم للتقدم والقوة والنهوض، هي جوهر اسباب الصراع مع دولة اسرائيل :

- كقاعدة لمشروع الهيمنة الغربية، واداة للاذلال الاستعماري للمسلمين،

- وكامتداد سرطاني للحضارة المادية العلمانية، في قلب الأمة الاسلامية، وعلى الارض المقدسة التي بارك الله فيها ! 

ومن ثم فإن الموقف الاسلامي من هذه الدولة ومن الذين يظاهرونها هو الجهاد، فرض عين على كل مسلم ومسلمة، حتى تحرير الأرض وفك أسر المقدسات.

5- وقبل هذا التحرير، لا (صلح) ولا (سلام)، وأقصى مايجوز لمسلم هنا هو (الهدنة) عند الاستضعاف وحتى يزول هذا الاستضعاف، فيكون الجهاد للتحرير، 

ذلك ان (الصلح) إذا عني (السلم الدائم) كان تكريسا لاغتصاب الأرض والإخراج من الديار، والفتنة في الدين.

اما اذا كان المراد (بالصلح) : (الهدنة التي تفرضها توازنات القوى، وضرورات السياسة والحرب، وملابسات الصراع، داخليا ودوليا)، فذلك جائز إسلامياً :

- شريطة أن تُقَدَّرَ الضرورة بقدرها، وأن يتفق عليها أولو الأمر (أي كل أهل الذكر والشوكة في الأمة، وليس فقط الحكومات) بالإجماع أو بالأغلبية،

- وبشرط السعي الجاد والحثيث لتسخير الإمكانات اللازمة لتجاوز عوامل هذه الضرورات وأسبابها.

لقد هادن رسول الله صلى الله عليه وسلم مشركي قريش هدنة موقوتة بعشرة أعوام ("يتداخل فيها الناس ويأمن بعضهم بعضا")، 

وسمى المؤرخون هذه (الهدنة): (صلح الحديبية)، 

ولكنها :

- لم تكن (سلاما دائما) مع الذين أخرجوا المسلمين من ديارهم وفتنوهم في الدين !

- ولقد كرس المسلمون جهدهم يومئذ في نشر الاسلام، وتقوية الدعوة والدولة، حتى جاء يوم الفتح المبين !

وفي (الهدنة) تَرِدُ (الترتيبات) التي يجب (ألا) تكون عوامل لتكريس الواقع الظالم، إذ لابد من دفع الواقع والملابسات نحو (إزالة الضرورات التي فرضت مهادنة المغتصب للأرض)، حتى يأذن الله بالجهاد الذي نسترد به الحق السليب.

فلا سلم ولا موالاة لمغتصبي أرض الإسلام : 

(إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين واخرجوكم من دياركم وظاهروا على اخراجكم أن تولوهم، ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون) 

(يا ايها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من افواههم، وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون).

هذا هو موقفنا من قضية فلسطين.

 


: الأوسمة



التالي
رسائل مهمة لشباب الأمة (ندوة)
السابق
"ترك لنا إرثا لا يستطيعون أخذه".. زوجة الرئيس الراحل ترد على حكم قرار مصادرة أموال ورثته وضمها لخزينة الدولة

البحث في الموقع

فروع الاتحاد


عرض الفروع