عـــام فيـــه يغـــاث النــاس، وفيـــه يعصـــرون

بواسطة : أ. د. عبدالرزاق قسوم

عـــام فيـــه يغـــاث النــاس، وفيـــه يعصـــرون

بقلم: أ. د. عبدالرزاق قسوم (عضو الاتحاد)

على غير ما ألفناه، في مثل هذه الأيام من توديع عام، واستقبال عام، وما كان يصاحب هذه الأيام، من عربدة، ومجون، وصخب، يقترفه العالم العلماني، والغرب الحداثي النصراني، وعلى غير عادة العام، يأتي توديع العام المنصرم، واستقبال العالم المرتسم، يأتي وقد خلت السماء من الأضواء، وأخرجت الأرض أثقالها من أنواع الجراثيم، والأوبئـــــــة والبــــلاء.

فهـــل هــي صحـــوة الضميــر،

بعد طــــول عنــــــاء؟

وهل هي استفاقة من التخدير بعد فترة غبــــــاء؟ أم أنه لا ذا ولا ذاك، ولكنه البلاء الذي ساد الخاصة والدهماء، فألـــــزم الجميــــع بملازمة البيـــــوت، وحكم على الجميــــــع بوضـــع الكمامات، والتزام السكوت، بعد ما أحدثته جائحــــة الكورونـــــا من الإصابــــات والـمـــــــوت.

لقد كان العام الذي نودعه، من السنين الشداد، ودعنا فيه من نحب من خيرة العباد، والذي عانينا فيه من قحط العقول، وجفاف الحصاد، وما نتج عن ذلك كله من التأزم والكساد.

لذلك، جاء «الاحتفال» بعيد المسيح، ورأس السنة، خاليا من الموبقات، ونشر الأوبئة، بالاختلاط، والقبلات، والسكر والعربدة في الطرقات.

وكما تقول الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان:

«انتهينا منه، شيعناه، لم نأسف عليه».

وإذن فإننا نستقبل العام الميلادي الجديد، منهوكي القوى، مضعضعي المعنويات بسبب ما عانيناه، في الشهور الشداد من وباء « الكوفيد»، والتوتر الشديد والخوف المبيد.

فهل يستفيد الإنسان، على اختلاف معتقده وقناعاته، هل يستفيد من هذا الوباء، فيسلم بأن للكون خالقا يسيره، وأن للإنسان ضعفا يميزه، وأن وباء «الكوفيد 19» قد كشف عن محدودية العلم، ونسبية الفهم، وقاهرية السقم؟

لقد تعددت الاكتشافات الطبية، من لأجل محاصرة الداء، بالتطعيم، وبالدواء، فلم يختف الوباء، بل نحن أمام موجة ثانية من الجائحة، التي قد تقضي على كل اللقاحات، وتجعلها في حكم الهباء.

إننا بهذا نكون أمام عظمة الخالق الذي يذكرنا في أكثر من آية: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [سورة الأنعام، الآية 59].

وفي قوله تعالى: ﴿وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ، مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾[سورة الحج، الآيتين 73، 74] إننا لا نعني بهذا، ألا نأخذ بأسباب الطب ولا نتداوى، ولكننا، بالإضافة إلى كل هذا يجب أن نحصن أنفسنا بالإيمان، فبالعلم والإيمان، يحدث التوازن في الإنسان.

من هنا، يحق لنا أن ننظر إلى العام القادم نظرة تفاؤل.. فبعد العسر يُسْرٌ، وبعد الشدة الفرج، وبعد الغلاء الرخاء، فلعلنا، بأنواع اللقاحات، وألوان الوقايات، نجد أنفسنا، أمام انقشاع، السحب الدكناء، التي ميزت العام المنصرم المثقل بالوباء المدلهم.

وبذلك يصدق علينا قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [ سورة يوسف، الآية 49].

إن ما ينطبق على الكورونا، يمكن أن ينطبق أيضا على الواقع الوطني.

ففي أفقنا الوطني أيضا، نأمل أن تنقشع السحب، بعد السنين العجاف، التي كانت ملبدة بالغيوم والهموم، ولازلنا نجر أذيال تأزمها إلى اليوم.

أقول، والشيء بالشيء، يذكر، أننا عندما كنا في مؤتمر جبهة التحرير الوطني الذي عقدناه في الثمانينات، بملعب الخامس من يوليو، سألني الصديق المأسوف عليه، مصطفى عبادة رحمه الله مدير التلفزيون، الذي قتل مظلوما، قال لي: ما الذي تأمله من هذا المؤتمر؟ قلت له أن يقتدي الساسة بالرياضيين، ونحن نجتمع في ملعبهم.

فالرياضيون علمونا، أنه بعد المقابلة يسلم الجميع على بعضهم، ويهنئ المنهزم المنتصر، معترفا بهزيمته، وهذه هي قمة التسامح العقلي والنفسي.

فلماذا لا يقف السياسي، ويسلم بأخطائه، ويعد بأن يصحح أخطاءه.

كما إننا في الرياضة، نغير اللاعب الذي يرتكب الأخطاء، أو يبدو عليه الفتور بلاعب، يكون أكثر لياقة بدنية وعقلية، ليت شعري، هل يعي ساستنا الدرس بعد طول التجارب، فنستفيد من أخطاء الماضي ونصحح الأخطاء، أو نغير المتمادين في الخطأ.

إننا نخدم الوطن، بالتوبة من الأخطاء، وعقد العزم على بذل المزيد من الجهد والعطاء، ولنا في الأطباء، القدوة الحسنة في التضحية والفداء.

فعسى أن يكون العام القادم، حاملا لسنابل الأمل، في أن يكون هو العام الذي فيه يغاث الناس، بضخ الدماء الجديدة، والطاقات النافعة السديدة، والفئة السياسية الرشيدة..

ذلك هو حلمنا، ونحن نودع عاما، ونستقبل عاما، وعلى ما في هذا أو ذاك من ألم، أو أمل، فإننا قوم متفائلون بطبعنا، ونعتقد أنه مهما اشتدت الأزمات والكروب، وادلهمت الآفاق واعوجت الدروب، فإننا بطهر شهدائنا، وصدق علمائنا، وإخلاص حكمائنا، سوف نعيد بناء أمجادنا وعظمائنا.

وإذا كان إحياء أعياد المسيح قد خلا هذا العام من أنواع الفساد والمنكرات، فتلك هي المقدمة السليمة التي سنحصد نتائجها الأسلم في عامنا الجديد الأكرم.

فتحية إلى عامنا الميلادي الجديد، الذي نتوق إلى أن نقضي فيه على كل أنواع الأوبئة، كوباء كورونا، ووباء الجراثيم السياسية، التي لا تزال تنخر جسم شعبنا، فأفرغته من شحنته، وقضت فيه على سحنته، ووباء فقد المناعة الثقافية، التي أفقدنا الذات وحولتنا إلى شتات.

فمتى، يا وطني يتحقق حلم الوطنيين فيك؟ ومتى أيها الوطني، تجسد ما يعلقه الوطن عليك؟

 

اترك تعليق