شروط الواقف في الفقه الإسلامي

بواسطة : الشيخ إبراهيم النعمة

شروط الواقف في الفقه الإسلامي

بقلم: الشيخ إبراهيم النعمة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

وبعد..

حين تقع معضلة من المعضلات في الامة الاسلامية، يهرع الناس الى العلماء ليجدوا عندهم حل تلك المعضلة، ولا موضوع يشغل الناس في العراق اكثر من قضية ما اقدم عليه رئيس ديوان الوقف السني وكالة من عقد اتفاقية بين الوقفين السني والشيعي مؤداها التنازل عن كثير من اوقاف اهل السنة في العراق دون استشارة اهل الحل والعقد من علماء اهل السنة، فوق تجاهل رأي مجلس الاوقاف الاعلى الجهة التي تعرض عليها الامور المهمة.

لقد اعترض على هذه الاتفاقية ثلة مباركة طيبة من علماء العراق في الداخل والخارج، وأشد على يد كل الاصوات المدافعة عن الحق ان تبقى على موقفها المعهود.

وفي هذه السطور تأصيل شرعي لموقف المذاهب من شروط الواقف في الفقه الاسلامي.

لقد حرص المسلمون على التقرب إلى الله تعالى بوضع جزء من أموالهم التي ينتفع بها لله، وصرف منافعها في مجالات البر والخير لتكون ثوابا مستمرا ينتفع المسلم من أجره، فهو بمثابة الصدقة الجارية؛ وفعلوا ذلك تلبية لقول الله تعالى: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون..)  سورة آل عمران/92

وتسارع الصحابة من ذوي الأموال، فوقفوا أحب أموالهم اليهم لله عز وجل؛ بعلم من النبي صلى الله عليه وسلم، وتشجيع منه لهم على ذلك، ومن هؤلاء الصحابة عمر وعثمان وأبو طلحة الأنصاري، سعد بن عبادة وغيرهم ، حتى قال جابر بن عبد الله  رضي الله عنه: ما أعلم أحدا كان له مال من المهاجرين والأنصار إلا حبس مالاً من صدقة مؤبدة، لا تشترى أبدا ولا توهب ولا تورث. ولم يخالف أحد من الصحابة في مشروعية هذا الوقف فكان إجماعا.! وجاء التابعون ومن بعدهم الى يومنا هذا، فجعلوا نفائس أموالهم وقفا لله تعالى. وقرر الفقهاء: أن من حق الواقف أن يضع ما يشاء من الشروط لوقفه على أن لا تخالف تلك الشروط أحكام الشريعة الإسلامية، ذلك لأن الواقف أخرج جزءا من ملكه بشروط. والمعروف في العقود أن الشروط يجب أن تتحقق وإلا بطلت العقود، فلا بد إذن من اعتبار تلك الشروط، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «المسلمون عند شروطهم إلا شرطا أحلَّ حراما أو حرَّم حلالا..»([1]). ولا تجوز مخالفة الشروط إذا لم تخالف الشرع أو تناف مقتضى الوقف. وقد أجمع الفقهاء على وجوب احترام شروط الواقف والأخذ بها وحرمة مخالفتها إذا كانت مباحة ولا تضرّ بمصلحة الوقف أو الموقوف عليهم، حتى عدّوا شروط الواقف كنص الشارع في وجوب العمل به إذا كانت مباحة فقالوا: (شرط الواقف كنص الشارع) وقال الفقهاء –أيضا-: لو خصَّص الواقف ريع وقفه لأهل مذهب معين أعتبر شرطه. وقال ابن عابدين في حاشيته:

(شرائط الواقف معتبرة إذا لم تخالف الشرع، وهو مالك، فله أن يجعل ماله حيث شاء ما لم يكن معصية، وله أن يخص صنفا من الفقراء، ولو كان الوضع في كلهم قربة)([2]).

ولمّا كان لشرط الواقف هذه الأهمية الكبرى، فقد عدَّ الهيتمي ترك العمل بشرط الواقف من الكبائر فقال:

(وذكري لهذا من الكبائر ظاهر- وإن لم يصرحوا به- لأن مخالفته يترتب عليها أكل أموال الناس بالباطل وهو كبيرة)([3]).

الوقف على مذهب معين

حين نستعرض أقوال الفقهاء من المذاهب الأربعة مثلا فضلا عن غيرهم، نجد أن كل واحد منهم قد نصَّ على جواز الوقف على أهل مذهب معين، ويؤخذ بشرطه هذا ولا تجوز مخالفته، لأنه من الوقف المشروع الذي لا يختلف وأحكام الشريعة الإسلامية، ولا يتنافى مع مقتضى الوقف. ويغلب على الظن أن الفقه الجعفري أخذ بشرط الواقف كما أخذ الفقهاء الأربعة من أهل السنة وغيرهم. وقد فصلت (الموسوعة الفقهية) الصادرة من الكويت أقوال الفقهاء من الأئمة الأربعة فقالت:

قال الحنفية: لو عين الواقف مذهبا من المذاهب، وشرط أن من انتقل عنه خرج اعتبر شرطه، فلو وقف على الأولاد وشرط أن من انتقل إلى مذهب المعتزلة صار خارجا فانتقل منهم واحد صار خارجا، وكذا لو كان الواقف من المعتزلة وشرط أن من انتقل الى مذهب أهل السنة إلى غيره فصار خارجا أو رافضيا خرج([4]).

وقال المالكية: من خصص أهل مذهب معين لصرف غلة وقفه عليهم أو بالتدريس في مدرسته فلا يجوز العدول عنهم لغيرهم.

وقال الشافعية: لو وقف على العلماء بشرط كونهم على مذهب فلان يراعى شرطه. وكذا لو خصّ طائفة بمدرسة ورباط اختص بهم([5]).

وقال الحنابلة: إن خصص الواقف المدرسة بأهل مذهب كالحنابلة أو الشافعية تخصصت وكذلك الرباط والخانقاه كالمقبرة إذا خصصها بأهل مذهب أو بلد أو قبيلة تخصصت له ما لم يكن المشروط له الإمامة في شيء من أحكام الصلاة مخالفا لصريح السنة أو لظاهرها في شيء من أحكام الصلاة. ([6]).

يتضح مما ذكرناه: أنَّ ما أقدم عليه كبار مسؤولي الوقف السني من عقد اتفاقية لتقاسم الاوقاف السنية مع الوقف الشيعي لا يتفق وأحكام الفقه الإسلامي أولاً، ولا يتفق مع ما جاء في الدستور العراقي بعد ذلك.

أما مخالفته للفقه الإسلامي، فذلك واضح مما ذكرناه.

وأما مخالفته للدستور العراقي، فقد جاء في المادة الثانية منه ما يأتي:

ب-: (لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت وأحكام الإسلام).

وأحب أن اسأل بعد ذلك: ما فائدة لجنة الفك والعزل في الوقفين السني والشيعي إذا كان الوقف الشيعي يريد أن يستحوذ على مساجدَ وأملاك الوقف السني؟

لقد عملت لجنة الفك والعزل عملها سنوات عديدة من أجل أن يأخذ كل وقف ما له من مساجد وأملاك، ووضعت قواعد في ذلك، وكثرت اجتماعات هذه اللجنة وبخاصة في لجنة الأوقاف التابعة لمجلس النواب، واستمرت اجتماعات اللجنة حتى سنة 2012.

وأخيراً: فإن هذه الاتفاقية تؤدي إلى الإختلاف والتنازع، وقد تؤدي- لا سمح الله-  إلى ما لا يحمد عقباه، وهي مفاسد يجب درؤها. لذلك يجب معالجة هذه الاتفاقية بما يحقق العدل والإنصاف على وفق شرع الله.

وهنا يأتي دور المرجعيات لتقول كلمتها التي ترأب الصدع، وتلم الشمل وتجمع الكلمة، وتبعد الناس عن كل ما يؤدي إلى النزاع والاختلاف، والفرقة والشتات، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.!

 


([1]) رواه الإمام أحمد وأبو داؤد.

([2]) حاشية ابن عابدين 3/361،416.

([3]) الزواجر عن اقتراف الكبائر لابي العباس أحمد بن محمد بن علي بن حجر المكي الهيتمي 1/439، الطبعة الثانية 1414-1993، دار الكتب العلمية بيروت.

([4]) البحر الرائق 5/266، والإسعاف ص106.

([5]) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه 4/88، والخرشي 7/92.

([6]) كشاف القناع 4/262-263، ومغني المحتاج 2/385، وينظر: الموسوعة الفقهية الكويتية 44/136-137.


اترك تعليق