المسيح عيسى ابن مريم ﷺ الحقيقة الكاملة

بواسطة : علي محمَّد محمَّد الصَّلاَّبيِّ

المسيح عيسى ابن مريم ﷺ الحقيقة الكاملة

بقلم: علي محمَّد محمَّد الصَّلاَّبيِّ

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ﴾

مقدمة:

إنّ الحمد لله، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله.

 ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].

 ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1].

 ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا *يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70‑71].

يا ربِّ لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، ولك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضى.

أما بعد: كان من أقدار الله العجيبة زيارتي إلى إيطاليا بتاريخ 29/4/2015م، بدعوة من منظمة سانت أجيديو (منظمة مجتمع مدني)، وكان يرافقني الأخوان الكريمان عاطف بوكره ووليد اللافي الفرجاني الترهوني، وكان هدف الزيارة الحديث عن إحلال السلام والمصالحة بين الفرقاء في ليبيا، وقد حضر من طرف المنظمة كلاً من:

ـ الأب أنجيلو رومانو.

ـ السيد أندريا ترينتيني.

ـ المترجمة السيدة أنجيلا الريس.

وحدث اللقاء في إحدى كنائس روما التابعة للفاتيكان، وقد تحدثت فيه عن مفهوم السلام في الإسلام، وتطرقتُ للحديث عن أسماء الله الحسنى ومنها اسم السلام، وأن صلاتنا تبدأ بـ (الله أكبر) وتنتهي بالسلام، وأنَّ من أسماء الجنة دار السلام.

وكانت طبيعة الحديث تدعو إلى بيان موقف السلام عند سيدنا عيسى عليه السلام وأمه الصديقة العذراء البتول عليها السلام، وبدأت في ذكر الآيات ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيًّا *﴾ [مريم: 16].

وعندما وصلت في شرحي لهم َ ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ۝ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ۝ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ۝ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾  [مريم: 28 ـ 31].

وإذ بالمترجمة تبكي وتفيض عيناها بالدموع، ومن ذلك الموقف جاءتني فكرة ـ واعتقد أنها ربانية ـ لماذا لا نخرِّج الآيات التي تحدثت عن سيرة عيسى وأمه عليهما السلام من القرآن الكريم، ونصوغها في كتاب منهجي فكري (حضاري) يتماشى مع روح العصر والحوار الإنساني، يعتمد على قول الله عز وجل قبل كل شيء في بيان حقيقة عيسى عليه السلام مصحوباً بخطابٍ عقلاني وأساسٍ منطقيّ، يستهدف الوجدان الإنساني المتعطش لمعرفة حقيقة المسيح عيسى ابن مريم.

ويُعرض هذا الكتاب ويُتَرجم إلى لغات عالمية، لعل الله عز وجل يهدي به أقواماً وشعوباً نحبُّ لهم الخير والسعادة في الدارين.

وقد بدأتُ في جمع المادة وشراء الكتب المتعلقة بسيدنا عيسى عليه السلام، وكل ما له صلة بذلك، وطالعتُ بنهمٍ عجيبٍ ما يتعلَّق بالعقائد النصرانية وجذورها، وتاريخ المجامع الكنسيّة والعهد القديم والجديد من كتبهم المقدسة، وإنجيل لوقا ومتّى ويوحنّا ومرقس وبرنابا، بالإضافة إلى الرسائل الجامعية حول هذه المواضيع، والاضطهاد الذي تعرَّض له الموحِّدون من النصارى على مرِّ التاريخ، وكذلك الحوارات والمجادلات بين علماء المسلمين والنصارى قديماً وحديثاً.

وعكفتُ على الآيات القرآنية بمنهجية التفسير الموضوعي، وهو في الأصل تخصُّصي حيث إن رسالتي للماجستير كانت حول «الوسطية في القرآن الكريم»، وأما رسالة الدكتوراه فكانت في «التمكين في القرآن الكريم».

وبحثت في تفسير الآيات المتعلِّقة بعيسى وأمه وسيرتهما، ودعوته ومكانته بين الأنبياء والمرسلين، وما ورد من أقوال العلماء في ذلك، وإذ بيّ أكتشف جهلي بتلك السيرة العظيمة المباركة، وقلت في نفسي ألا يستحق بقيَّة عمري أن يُفنى في البحث والتعريف بسِيَر أولي العزم من الرسل وغيرهم من الأنبياء والمرسلين الذين جعلهم الله سادة الأمم وقادة الإنسانية وقدوة المهتدين على مرِّ العصور.

يعدُّ هذا الكتاب بداية لمشروع حضاري كبير، وهو تعريف بني الإنسان بسيرة الأنبياء والمرسلين ودعواتهم من خلال القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وشرح تراجمهم وأخلاقهم وأصول دعوتهم من أحاديث الرسول الصحيحة، وأقوال العلماء الراسخين بأسلوبٍ عصريٍّ يلائم المرحلة التي تمرُّ بها الإنسانية المعذَّبة ببعدها عن هدايات السماء.

إنني أحمد الله العليَّ الكبير أن وفقني للاهتمام بهذه المواضيع، وأحمده وأشكره على نعمه، وأسأله أن يعينني على نفسي، وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، ويمدُّني بتسديدي وتوفيقي في الكتابة والمنهجية، والطباعة والنشر،

ويطرَح لها القبول بين الناس، ويجعلها سبباً في هداية الكثير من الحيارى لمعرفة الطريق المستقيم، وأن تصل هذه الأحرف والكلمات والجمل والصفحات إلى العقول والفِطَر، والقلوب والنفوس البشرية، وتكون من الأسباب في إنارة الطريق لها في وسط هذه الدياجير الظلامية من شبهات شيطانية وشهوات إبليسية، وأن تكون سبباً لي ولمن أعانني وأسهم في نشر هذا الخير في رفقة النَّبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

وقد سمّيتُ هذا الكتاب بعنوان (المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام الحقيقة الكاملة)، وقد قسمته إلى مجموعة من المباحث.

وتحدثت في المبحث الأول عن الجذور التاريخية للوطن الذي ولد فيه عيسى عليه السلام، فتكلمتُ عن تاريخ فلسطين، وعهود بني إسرائيل كعهد القضاة وعهد الملوك، وعهد الانقسام، وتناولت الحالة السياسية والاجتماعية والحياة الفكرية لهم، وأثر الحضارة الإغريقية والدولة الرومانية على فلسطين وبلاد الشام، وكذلك تحدثت عن الطوائف اليهودية عند ظهور المسيح عليه السلام، وعقائدهم وأفكارهم، كالسامريين والصدوقيين والفريسيين، والقمرانيين، والاسينيين، وعن الهيكل ورجال الدين، وعن مفاهيمٍ لكلماتٍ مهمة في هذا الكتاب، كالنصارى والمسيحية، ولماذا لُقِّب عيسى بالمسيح؟ وما الفرق بين المسيحي والنصراني؟

أما المبحث الثاني فقد سمَّيته (حديث القرآن الكريم عن عيسى عليه السلام)، وجمعت فيه المواضع التي ذكر فيها عيسى عليه السلام وأمه في القرآن الكريم، وتتبعت حديث القرآن عن جدته من أمه وعن عائلة آل عمران، ولماذا ذُكروا في سورة آل عمران، ومن هم آل عمران الذين اصطفاهم الله على العالمين؟

وكان حديثي عن ولادة مريم من المنظور القرآني، وبيَّنت معنى مريم بأنها العابدة الخاشعة الخادمة للربّ، ووضحت دعاء امرأة عمران لله عز وجل

ومناجاتها له وتضرُّعها وانكسارها بين يدي ربها ومخاطبته بأسماء الله الحسنى، الربّ، والسميع، والعليم، واستجابة الله لها، وقبول دعائها، وكيف أن الله عز وجل رعى أبيها ـ تفيد الآية حسن نمائها ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَناً﴾، واكتمال بنيتها اكتمالاً طبيعياً برعاية ربانية خالصة ـ وكيف أن الله عزَّ وجل جعل زكريا ليتكفَّل برعاية مريم عليها السلام، وأشرتُ إلى الكرامة التي حدثت لمريم من رزق الله لها بغير حساب، وكذلك توجُّه زكريا بدعائه إلى الله عزَّ وجل بأن يرزقه الذرية الطيبة الصالحة بعدما بلغ من الكبر عتيَّاً، واشتعل رأسه شيباً، وقبول الله لدعائه، ووقفت على نداء زكريا الخافت وتمهيده البديع للدعاء، وبشارة الله لزكريا وهو في المحراب، وصفات يحيى عليه السلام التي ذكرت في القرآن وبيّنت الحكمة والمناسبة من ذكر قصة يحيى وزكريا عليهما السلام في الحديث عن سيرة مريم، وهو أنه لما ذكر الله تعالى قصة ولادة يحيى بن زكريا من عجوز عاقر وشيخ قد بلغ من الكبر عتياً، وذلك بمقتضى السنن الكونية شيء خارقٌ للعادة لعُقم المرأة وهرم الشيخ، أعقبها بما هو أبلغ وأروع من خرق العادات فذكر ولادة عيسى عليه السلام من غير أب وهي شيء أعجب من الأول بكثير.

وكان حديثي عن اصطفاء الله لمريم على العالمين، هل هي صِديقة أم نَبية؟ وتحدثت عن قنوتها وسجودها وركوعها مع الراكعين، وبشارة الملائكة لها بعيسى عليه السلام وجملة من أوصافه، كونه وجيهاً في الدنيا والاخرة، ومن المقربين، ويكلِّم الناس في المهد وكهلاً، ومن الصالحين، وموقف مريم من هذه البشارة.

ونقلتُ الحوار الذي حدث بين جبريل عليه السلام ومريم الذي ذكره الله في سورة مريم، وشرحته من خلال أقوال علماء التفسير وما فيه من معانٍ وقيم، ودروسٍ وعبر، وقدرة الله المطلقة في خلقه وتدبير شؤونهم، ووضحت ما معنى كون عيسى كلمة الله وروح منه، وما هي الروح؟ وما معانيها في القرآن الكريم؟ وما هو تفسير قوله تعالى ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾

ووصفتُ مولد عيسى عليه السلام من خلال الآيات القرآنية التي بينت عظمة الحدث الجلل، وما مرَّت به مريم عليها السلام من الام جسدية ونفسية حتى وصلت إلى تمنِّي الموت، وما صاحب ذلك الابتلاء من نفحات وبركات ومنح ربانية عالية.

وذكرت حديث عيسى عليه السلام في المهد ودفاعه عن والدته وبراءتها من التهم التي نسبت إليها من خلال قوله تعالى: ِ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ۝ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ۝ وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا ۝ وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: 30-33].

وألقيت الضوء على معاني الآيات القرآنية العميقة التي بيَّنَت حقيقة عيسى ابن مريم عليهما السلام، ونقلت موقف النجاشي ملك الحبشة من سماعه آيات سورة مريم عندما قرأها عليه جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، ووضحت دور مريم العظيم في تاريخ الإنسانية وأنها مدرسة في الصدق مع ربها ونفسها ودينها، وفي العفة والصبر والاحتساب والعبادة، والابتهال لله عزَّ وجل والاعتماد والتوكل عليه.

وبسطت القول في رسالة عيسى عليه السلام إلى بني إسرائيل، ووجوب الإيمان بأنه عبد الله ورسوله ودعوته إلى التوحيد، وبشريته، وكيف أن القرآن الكريم جلَّى هذه الحقائق وبينها أحسن بيان، بالاستدلال السليم والنظر القويم والمنطق الواضح والدليل الساطع:

في قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدم  خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 59].

وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: 79].

وفي قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ  إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ  فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ  وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ  انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ  إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ  سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ  لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ  وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ۝ لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ  وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: 171-172].

وفي قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ  وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ  إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ  وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ۝ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ  وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ  وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝ أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ  وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ۝ مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ  كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ  انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ۝ قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا  وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ۝ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: 72-77].

وفي قوله تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ  لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا  رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ  ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ۝ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ  وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: 119-120].

وغير ذلك من الآيات الكريمة المتعلقة بحقيقةِ ودعوةِ وبشريةِ عيسى عليه السلام.

ووضَّحتُ في هذا الكتاب مكانة عيسى عليه السلام بين الأنبياء والمرسلين، وأن تعاليمه وهي من الله تعالى، وأنه من أولي العزم الذي ذكرهم الله في قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى  أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ  كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ  اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى: 13].

وبيّنت أصول الشرائع التي دعا إليها، وكذلك أصول الإيمان والأخلاق والفضائل، وكذلك التفاضل بين الرسل، وأكَّدت على حقيقة مهمَّة مفادها أن دين الأنبياء والمرسلين هو الإسلام، وذكرت الحجج والبراهين الدالَّة على ذلك من نوح ومن قبله وإبراهيم ومن بعده إلى خاتم الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام من خلال الآيات القرآنية الكريمة.

وأشرتُ إلى تصديق عيسى عليه السلام لما بين يديه من التوراة، وأوصاف التوراة في القرآن الكريم وما تعرّض له من التحريف، وإلى نزول الإنجيل عليه وما تعرَّض له من التحريف بعدما رفعه الله إليه.

وقد ذكرت الدراسات المهمة حول الموضوع، وما وصلت إليه من نتائج متعلقة بالأناجيل:

ـ (التحريف والتناقض في الأناجيل الأربعة) دارسة لـ د.سارة حامد محمد العبادي، وهي رسالة علمية في كتاب.

ـ (منهجية جمع السنة وجمع الأناجيل؛) دراسة مقارنة لـ د. عزّية علي طه، وهي رسالة علمية في كتاب.

ـ(مصادر النصرانية)، دراسة ونقد لـ د. عبد الرزاق عبد المجيد، وهي رسالة علمية في كتاب.

ووقفتُ عند صفات محمد (ﷺ) في التوراة والإنجيل، وبشارة عيسى عليه السلام في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ  فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ  وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الصف: 6-7]. وسطوع البشارة به في كتب أهل الكتاب، وذكرت من أسلم من علماء أهل الكتاب بسبب تلك البشارات.

وتحدثت في المبحث الثالث عن معجزات عيسى عليه السلام والحواريين ورفعه إلى السماء، وتحدثت عن المعجزة وشروطها، والفرق بينها وبين الكرامة، وذكرت معجزات عيسى التي ذكرت في القرآن الكريم، كميلاده بلا أب، وتأييده بروح القدس، وتعليمه الكتاب والحكمة، وإبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى بإذن الله، والخلق من الطين كهيئة الطير والنفخ فيه بإذن الله، وإخباره عن الغيوب، وكونها معجزات من الله لتأييد عيسى في رسالته ودعوته إلى توحيد الله عز وجل وعبادته وطاعته.

وتكلمت عن الحواريين واستجابتهم لدعوة عيسى عليه السلام ونصرتهم له، وعن نزول المائدة، ثم الاستجواب الكبير لعيسى عليه السلام على رؤوس الأشهاد من رب العالمين يوم القيامة ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ  قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ  إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ  تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ  إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ۝ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ  وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ  فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ  وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ۝ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ  وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: 116-118].

وتحدثتُ عن مكر بني إسرائيل بعيسى عليه السلام وحماية الله له ورفعه إلى السماء، وتأكيد الله عز وجل في القرآن الكريم بأن عيسى عليه السلام لم يقتل ولم يصلب في قوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: 157].

وبيّنتُ ما جرى ليلة القبض على الشبيه، وترتيب أحداث مسلسل تلك الليلة من خلال ما ذكره المؤرخ الكبير والمفسر الشهير العلامة ابن كثير، وتدبَّرت في الآيات التي تحدثت عن نفي قتل عيسى وصلبه، وإنما الذي قتل هو الشبيه، واستأنستُ بآراء العلماء الراسخين، وتجلَّت لي حقائق ذكرتها في هذا الكتاب، وبينت اضطراب الأناجيل في أحداث مقتل الشبيه، وأن أقربها إلى الصواب إنجيل برنابا، وناقشت فكرة الصلب والفداء ومفهومها في عقيدة النصارى، وختمت المبحث الثالث بالحديث عن نزول عيسى عليه السلام في اخر الزمان والأدلة من القرآن والسنة الصحيحة، والحكمة من نزوله، وبماذا يحكم عليه السلام، وأهم أعماله في تلك الفترة، وكم يبقى في الأرض قبل وفاته؟

وأفردتُ المبحث الرابع لوفد نصارى نجران ومجادلتهم لرسول الله (ﷺ)، ووضحت موقفهم من دعوة النبي (ﷺ) وذهابهم إليه وهيئتهم عند وصولهم، ومجالس الجدل والمناظرات، وأهم الموضوعات التي تمَّ مناقشتها والجدال حولها وما نزل من تلك المحاورات من آيات قرآنية، ودعوتهم إلى المباهلة وامتناعهم من ذلك خوفاً من عذاب الله لما يعلمون من صدق النبي (ﷺ) وصحَّة نبوته، فقد أكَّدت الروايات الواردة عنهم اعترافهم بأنه النبي الذي بشَّرت به الكتب المقدسة لديهم، وطلبوا الصلح مع رسول الله (ﷺ) واستجاب لهم النبي (ﷺ) مجادلة نصارى نجران.

وختمتُ بالدعوة إلى كلمةٍ سواء، التي دعا إليها الله عزَّ وجل في كتابه عند قوله تعالى: ﴿وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ  فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 64].

وأن الأنبياء والمرسلين دعوا إلى توحيد الله وعبادته وطاعته، وعرَّفوا الناس بخالقهم العظيم، وحقائق الكون والحياة والموت والجنة والنار والشياطين والملائكة، وطبيعة الإنسان من خلال الوحي الرباني الذي نزَل عليهم من عند الله عز وجل.

وقد حفظ الله لنا في كتابه العزيز سيرهم وتاريخهم وأصول دعوتهم، ومن بينهم عيسى عليه السلام من خلال الرؤية القرآنية الصادقة المحكمة التي قدمت سيرة عيسى عليه السلام وأمه في أبهى صورةٍ وأروع بيانٍ وأصدق حقيقة.

وفي نهاية هذا الكتاب، رأيت أن أختمه بشرح أعظم آية في كتاب الله عز وجل (اية الكرسي)، وكيف عرَّف نفسه سبحانه وتعالى لخلقه من خلالها، إذ كل ما فيها متعلق بالذات الإلهية العليّةِ، وناطقة بربوبيته وعلمه وقدرته وعظيم سلطانه.

وكان من الطبيعي أن أختم كتابي، بما ورد في القرآن الكريم من وصف الله عز وجل بصفات الكمال، وأنه المتفرد بها وحده دون سواه في سورة الإخلاص ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ۝ اللَّهُ الصَّمَدُ ۝ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ۝ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1-4]. ففي هذه السورة وصف الله سبحانه نفسه بأنه أحد صمد، وهذان الوصفان يدلان على اتصاف الله بغاية الكمال المطلق، و(الصمد) هو المستغني عن كل أحد، والمحتاج إليه كل أحد.

وحاولت في هذا الكتاب تبيان الحقيقة الكاملة لعيسى عليه السلام من خلال التفسير الموضوعي لآيات الذكر الحكيم التي جاءت في كتاب الله العزيز (القرآن الكريم).

هذا وقد انتهيت من هذا الكتاب يوم الإثنين بعد صلاة العصر الموافق لـ 20 جمادى الاخرة 1440هـ الموافق لـ 25 فبراير 2019م في مدينة إستانبول عند الساعة الخامسة والأربعين دقيقة.

والفضل لله من قبل ومن بعد، وأسأله سبحانه وتعالى أن يتقبل هذا العمل قبولاً حسناً، وأن يُكرمنا برفقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

ولا يسعني في نهاية هذا الكتاب إلا أن أقف بقلبٍ خاشع منيب أمام خالقي العظيم، وإلهي الكريم، معترفاً بفضله وكرمه وجوده متبرئاً من حولي وقوتي ملتجئاً إليه في كل حركاتي وسكناتي وحياتي ومماتي.

فالله خالقي هو المتفضل، وربي الكريم هو المعين، وإلهي العظيم هو الموفق، فلو تخلَّى عني ووكلني إلى عقلي ونفسي، لتبلَّد مني العقل، ولغابت الذاكرة، وليبست الأصابع، ولجفَّت العواطف، ولتحجَّرت المشاعر، ولعجز القلم عن البيان.

اللهم بصِّرني بما يرضيك واشرح صدري، وجنبني اللهم ما لا يرضيك واصرفه عن قلبي وتفكيري، وأسألك يا الله بأسمائك الحسنى وصفاتك العُلى أن تثيبني وإخواني الذين أعانوني على إتمام هذا الجهد.

اللهم اجعله لوجهك خالصاً، ولعبادك نافعاً، واطرح فيه البركة والقبول، والنفع العظيم لبني الإنسان، ونرجو من كل من يطلع على هذا الكتاب ألا ينسى العبد الفقير إلى عفو ربه ومغفرته ورحمته ورضوانه من دعائه.

قال تعالى: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: 19].

والحمد لله رب العالمين

الفقير إلى عفو ربِّه ومغفرته ورحمته ورضوانه

علي محمَّد محمَّد الصَّلاَّبيِّ

غفر الله ولوالديه ولجميع المسلمين

حُرّر في: 20 جمـادى الاخـرة 1440 هجرية

الموافق لـ 25 فبراير 2019 ميلادية

http://alsallabi.com/uploads/file/doc/AlsallabiB175.pdf


اترك تعليق