من الاعتماد على الآخر الى الذاتية

بواسطة : محمد وثيق الندوي

من الاعتماد على الآخر الى الذاتية
بقلم: محمد وثيق الندوي

الولات المتحدة الأمريكية تدعى بأنها تسعى لتحرير الشعوب، وإنهاء الاستعمار، وحق الشعوب في تقرير مصيرها، ونيل استقلالها، كما تدعى بأنها حامية مبادئ "العدل والحرية والمساواة” التي أعلنتها الثورة الأمريكية، ويدل على ذلك تمثال الحرية الشامخ في نيويوك، الذي يحمل شعلة الحرية، ويهتف بالناس قائلاً: "أعطوني المرهقين منكم، والبؤساء، وجميع الأكداس البشرية التي تهفو إلى نسيم الحرية”.

فلماذا تهتف أمريكا بالناس قائلة: أرسلوا إليَّ هؤلاء الذين لا مأوى لهم، وتساهم في تشريد الفلسطينيين من وطنهم؟

إنه تناقض صارخ في الموقف الأمريكي حين يدعم دولة إسرائيل التي اغتصبت حق الفلسطينيين في أرضهم، وتريد الآن أن تبتلع الأرض المقدسة كلها، وتخلو فلسطين للصهاينة، وتدل على ذلك الضغوط الأمريكية الملحة على دول الشرق الأوسط للتطبيع مع إسرائيل، فبالتالي قد وقَّعت بعض الدول العربية على اتفاقية التطبيع مع إسرائيل في البيت الأبيض بواشنطن، وبعضها مستعدة أو مضطرة للتطبيع -عاجلاً أو آجلاً كما تفيد مصادر مطلعة دولية-للضغوط الأمريكية المتصاعدة .

هناك ينشأ سؤال أن أمريكا دولة عظمى بما عندها من إمكانيات هائلة مالية وصناعية، ووسائل عسكرية وزراعية، بل إنها إمبراطورية هذا القرن، فلماذا تسعى وتبذل الغالي والرخيص في صالح دولة صغيرة،ولا تردّ لها طلباً، وتشتري رضاءها بأغلى ما عندها، وتعادي لإرضائها العالم الإسلامي بما فيه العرب وغيرهم، بل تصادم دول العالم أجمع، حينًا بتأييدها الاعتداءات الإسرائيلية بالفيتو، وحينًا بممارسة الضغوط السياسية والدبلوماسية والاقتصادية على من لا يخضع لإسرائيل حتى لا تتورع من التخويف والتهديد، حتى شنّ حملة عسكرية على من تخشى منه، مع أن الدول العربية تتعامل مع أمريكا وترتبط معها بمصالح كبرى، وتدور في فلكها، ولا تقصر في تحقيق مصالحها،فلماذا تفضل أمريكا إسرائيل على الدول الأخرى، وتتخذ الإجراءات والقرارات لصالح إسرائيل؟

وإن هذا التأييد الأمريكي لإسرائيل ليس بجديد، بل إنه يستمر منذ أن كانت الدولة الإسرائلية فكرة أوأملاً في أذهان الصهاينة إلى يومنا هذا، كما كتب محمد علي دولة في مقدمته لكتاب "أمريكا وإسرائيل” للدكتور محمد معروف الدواليبي، فقد لعب كل من الرؤساء الأمريكيين "ولسون” و”هاردنج” و”روزفلت” و”هاري ترومان” وكارتر”و”جورج بوش(الأب والابن)” و”بل كلنتون” و”أوباما” دوراً كبيراً في إنشاء الدولة الإسرائيلية في فلسطين وتقويتها وصيانتها، على حساب مصالح الدول العربية، ولم يقصروا في استرضاء اليهود، ونيل تأييدهم في الانتخابات الرئاسية، فقد أعلن جورج بوش الأب في الانتخابات الرئاسية لعام 1988م التي فاز بها، أثناء الحملة الانتخابية أن زوجته متعاطفة جداً مع اليهود الصهاينة في إسرائيل، فما كان من منافسه "دوكاكيس” إلا أن ردّ عليه قائلاً: لئن كانت زوجة خصمه متعاطفة مع اليهود فإن زوجته هي يهودية لحماً ودماً وهوى”.(أمريكا وإسرائيل، ص: 10)

من الدوافع والعوامل التي تدفع أمريكا إلى هذا التأييد الأعمى للدولة الإسرائيلية: قوة ضغط اللوبي الصهيوني الموجود في أمريكا،هذا الضغط يتمثل في أصوات الناخبين اليهود التى يتطلع إليها الأمريكان، والعامل الثاني نظرة أمريكا إلى إسرائيل من حيث أنها امتداد للديموقراطية والحضارة الغربية، وهذه النظرة الأمريكية خاطئة؛ لأن إسرائيل ضربت بالحائط مبادئ الديمقراطية، وحكمت الشعب الفلسطيني بالحديد والنار، وشرَّدته من وطنه ولا تزال ماضية في غيها،وداست القيم الإنسانية والحضارية بأقدامها، فأين الحرية والحضارة والديموقراطية في ظل الحكم الصهيوني لفلسطين؟ والعامل الثالث هو المصالح المشتركة، فإن أمريكا تري أن الدولة الإسرائيلية هي الضمان الوحيد لاستمرار نفوذها في الشرق الأوسط، تحمى مصالحها فيه وتحافظ لها على نفوذها هناك، وتحول دون امتداد نفوذ القوى الأخرى الذي يهدد مصالح أمريكا في الشرق الأوسط مع أن معظم الدول العربية تنشد ودّ أمريكا وتقوم بين هذه الدول وبين أمريكا علاقات اقتصادية وعسكرية واستراتيجية، وهناك دافع آخر يدفع أمريكا إلى التأييد الأعمى لإسرائيل، وهو الفكر الديني المسيحي الذي يرى في تأييد دولة إسرائيل تحقيقًا لنبوءات الكتاب المقدس بفرعيه: التوراة والإنجيل، فإن له أثرًا كبيرًا في اندفاع رجال الكنيسة والرؤساء الأمريكيين في دعم الدولة الإسرائيلية بغير حدود، يقول القسيس الأمريكي "جيري فالويل” -كما ورد في كتاب: "في الصراع العربي الصهيوني” للدكتور إبراهيم يحيى الشهابي، وكتاب” من يجرأ على الكلام” لبول فندلي-: ” لا أعتقد أن في وسع أمريكا أن تدير ظهرها لشعب إسرائيل وتبقى في عالم الوجود، والرب يتعامل مع الشعوب بقدر ما تتعامل هذه الشعوب مع اليهودي”. ويقول: "إن إسرائيل اليوم هي إسرائيل الله التي وعد بإنشائها على تلة جبل صهيون”، ويهدد الأمريكيين وينذرهم قائلاً: "إن اليهودي هو بؤبؤ عيني الله، ومن يؤذى اليهودي كأنه يضع أصبعه في عين الله”.

ويقول الرئيس الأمريكي "كارتر” أمام الكنيست الإسرائيلي في مارس 1979م: ” إن علاقة أمريكا بإسرائيل أكثر من مجرد علاقة خاصة، لقد كانت ولا تزال علاقة فريدة، وهي علاقة لا يمكن تقويضها، لأنها متأصلة في وجدان وأخلاق وديانة ومعتقدات الشعب الأمريكي نفسه”. [الخلفية التوراتية لإسماعيل الكيلاني، ص: 100]

وكان "كارتر” يرى -كما جاء في كتاب "الصهيونية غير اليهودية: جذورها في التاريخ الغربي” لريجينا الشريف،ترجمة:أحمد عبد الله عبد العزيز، ص: 275- إن إنشاء دولة إسرائيل هي إنجازات النبوءة التوراتية وجوهرها”. ويقول "بريجنسكي” مستشار الرئيس الأمريكي كارتر للأمن القومي: "على العرب أن يفهموا أن العلاقات الأمريكية الإسرائيلية لا يمكن أن تكون متوازنة مع العلاقات الأمريكية العربية، لأن العلاقات الأمريكية الإسرائيلية علاقات حميمة مبنية على التراث التاريخي والروحي الذي يتعزز باستمرار بواسطة النشاط السياسي لليهود الأمريكيين، بينما العلاقات الأمريكية العربية لا تحتوي أيًّا من هذه العوامل”. [ الخلفية التوراتية، ص: 136]

فنظرًا إلى هذه العلاقات العميقة الحميمة المؤسسة على العوامل السياسية والاقتصادية والدينية والفكرية بين أمريكا وإسرائيل، كيف تثق الدول العربية بأمريكا، وتتعامل بإيعاز أو أمر منها  مع إسرائيل، وتقوم بالتطببع معها؟ مع أن إسرائيل تسعى لتحقيق حلمها وهو قيام الدولة الصهيونية في الشرق الأوسط أي من الفرات إلى النيل،واستعادة مناطق خيبر وتبوك وفدك،فعلى الدول العربية أن لا تغترَّ ولا تنخدع بالوعود والمواثيق الدولية،وتعود إلى ذاتيتها،وتعتمد على وسائلها ومواردها.

ليعلم أن إسرائيل لا تشكل خطرًا على العرب أو العالم الإسلامي وحسب، بل إنها تشكل خطرًا عالميًا، فهي تدفع العالم كله إلى كارثة وحرب ثالثة تهدد الحضارة الإنسانية بالفناء، وحين يقع هذا -لا سمح الله- سوف تكون أمريكا شريكة في هذه الجريمة التاريخية، قد قال الأب روبرت بيرس” في إحدى الكنائس الكاثوليكية في أمريكا: ” أقول لكم بصدق أيها الأصدقاء: إن مساهمة الغرب في قيام إسرائيل هو خطيئة محزنة ومأساة فظيعة أنتجت الشر الذي نراه اليوم، لقد آن التعلُّم أننا لا نستطيع أن نغش الله ونستغفله، إن ما يزرعه الإنسان هو الذي يحصده، لا يمكن لأمة أن تسرق وطناً وتشرد شعباً وتمضى آمنة مطمئنة، كما أن الأمم المتحدة لا تملك الحق في أن تأخذ وطن آخرين وتعطيه لغيرهم”.(كتاب” المؤامرة ومعركة المصير” لسعد جمعه، ص: 117]

وقال الرئيس الأمريكي:”بنجامين فرانكلين” مخاطباً أعضاء الكونغرس الأمريكي: "إنني أحذركم أيها السادة وأقول لكم: إذا لم تخرجوا اليهود من أمريكا إلى الأبد، فإن أولادكم وأحفادكم سيلعنونكم في قبوركم، وإن اليهود لا يتحلون بالمثل العليا التي نتحلى بها نحو الأميركيين، ولو أنهم عاشوا بيننا طيلة عشرة أجيال، إن الفهد لا يستطيع أن يغير لون جلده الأرقط، إن اليهود يشكلون خطرًا على أميركا إذا سمح لهم بدخلوها، وسوف يعرضون مقوماتنا الاجتماعية للخطر، ولذلك يجب أن يخرجوا من بلادنا بموجب الدستور”. [ اليهودية العالمية وحربها المستمرة على المسيحية” لإيليا أبو الروس، ص: 130]
فعلى أمريكا أن تعيد النظر في موقفها من إسرائيل، فإن الدولة الإسرائيلية لا تشكل خطرًا على منطقة الشرط الأوسط وحسب، بل إنها تشكل خطرًا على أمريكا نفسها، وعلى العالم كله، وعلى الإنسانية كلها.
وعلى العالم العربي أن لا ينخدع بما يعد به الغرب من منافع اقتصادية وسياسية وأمنية في حال إبرام اتفاقية التطبيع مع إسرائيل، ولا يخشى منها، لأن دولة إسرائيل في فلسطين ليست إلا مولوداً لقيطا في العالم الإسلامي دفعت به بريطانيا والدول الصليبية الحاقدة، وغذَّته دولارت الصهاينة الذين يسيطرون على الاقتصاد العالمي ووسائل الدعاية والإعلام ووسائل الإغراء، فإذا انقطع هذا الغذاء عن هذه الدولة وانكسر الحبل الذي تتمسك به من الناس، لن يكون لها قرار وبقاء، ولا يتحقق الحلم الإسرائيلي: "من الفرات إلى النيل” بشرط أن يستيقظ المسلمون ويفهموا الواقع المعاش ويعوه، ويدركوا الأخطار والأبعاد للتطبيع مع إسرائيل أو الاستسلام والرضوخ أمامها، ولا يخافوا من الصهاينة الذين يسيطرون على وسائل الإعلام ووكالات الأنباء العالمية، ودور النشر في العالم، وبنوك العالم، ووسائل الدعاية العالمية لأن الدول العربية والإسلامية تستطيع أن تنال كل ذلك، فلا ينقصها المال، لأنهم أغني الناس، ولا ينقصهم العدد، لأنهم يملأون الأرض، ولا تنقصهم الخبرة، لأن فيهم العقول المبدعة، والأدمغة المبتكرة، والخبرات والصلاحيات المنتجة، فليس من الحق أن يُلام الأعداء على تأخر المسلمين، بل أن المسلمين أنفسهم يلامون، لأنهم لم يعودوا مسلمين بالمعنى الحقيقي الصحيح، فلم يتأخروا لأن الصهاينة أشرار، بل تخلَّفوا وتعرَّضوا للمهانة والذل لأنهم نبذوا تعاليم دينهم الإسلام.

فليس من الأجدر بنا أن نطلب من العدو أن يكون صديقاً لنا، بل لابد أن يوقف الصراع والصدام بين الحكام والعلماء المصلحين، وبين الحكام والجماهير الذين يحبون أن يعيشوا ويتنفسوا في جوّ الإسلام، ولكن من الأسف أن الدعاة والمصلحين والعاملين للخير في السجون والمعتقلات، أو أقصوا من المساهمة في السياسة والحكم وبناء الوطن، ولا يفسح لهم المجال للعمل، فإن اليهود الصهاينة قد أخذوا مجدهم الآن، لأنهم أوجدوا حكاماً قيَّدوا المسلمين بالأغلال والسلاسل الحديدية، وحكموهم بالحديد والنار، ونفذوا فيهم قوانين غير إسلامية،وكتَّابًا فومفكرين مهَّدوا لهم الطريق، ومن تكلم من العلماء والدعاة والمصلحين والعاملين في مجال العمل الإسلامي، كان السجن أو الاغتيال جزاءه، فانتبهوا أيها الدعاة قبل أن ترفعوا الأيدي وتنكسوا الرؤوس، خضوعاً ومذلة، وأفيقوا أيها المسئولون عن الحكم قبل أن تشوى ظهوركم سياط الأعداء، واستيقظوا أيها المسلمون في العالم قبل أن تُرغموا على الاستسلام والرضوخ، وقد بدأت تباشير ذلك، فقبل هذا وذاك لا بد لنا أن نعود إلى الإسلام عودة صادقة، ونعتصم بحبل الله جميعاً ولا نتفرق.

 

اترك تعليق