كتاب : الحق المر الحلقة [ 45 ] : التشريع بين مكة والمدينة

نویسنده : الشيخ محمد الغزالي

 

القرآن الذى نزل بمكة كالقرآن الذى نزل بالمدينة فى أثره وإعجازه ومكانته وبنائه للرسالة! ولم يختلق فروقا بينهما إلا نفر من جهال المستشرقين ومن لف لفهم من سماسرة الاستعمار الثقافى. فإن هؤلاء الناس يرون أن القرآن من كلام البشر وأن البيئات التى نزل فيها تركت طابعها عليه!!

والزعم بأن القرآن من وضع محمد بدأ به عباد الأصنام، وتبناه فى عصرنا هذا كذبة المبشرين والمستشرقين كما ذكرنا، ثم مضوا فى إفكهما يقولون: إن القرآن المكى عاطفى لا عقلى وإنه لا علاقة له بالتشريع ، وأنه.. وأنه. الخ...

ولم أر أوغل فى الكذب من هذه التخرصات، فإن العقل الإنسانى النائم استيقظ على صوت الوحى النازل بمكة يهتف بالبشر "قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا... " ويسائل الخلق كافة " أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين" ويقرر حقيقة التوحيد على هذا النحو " ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض ".

هل هذه إشارات عاطفية بعيدة عن المنطق العقلى ؟ أم هذه يقظات عقلية عارمة تطارد التقليد الأعمى والاسترسال الشارد الذاهل.. ؟.

إن الكتب التى يحملها خصوم الإسلام بين أيديهم، ليس فيها لفظ يبلغ هذا المستوى من التألق الفكرى والارتقاء الإنسانى ، والقرآن الذى نزل بمكة أوائل الرسالة كان دعوة إلى الذكاء والاستقراء وسداد الحكم وإطراح التعصب وعشق الحق وحده ، ومنه قوله تعالى: " أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء.. " ؟

هل توجيه الأنظار على هذا النحو الشامل النازل فى مكة يدل على أنه قرآن عاطفى ؟.

إن القران كله مكيه ومدنيه سواء فى تحريك العقل وتصويب الفكر! لكن " البروفسير" " تأبط شرا " يقول فى أيامنا هذه: لا إله والحياة مادة! أو يقول: إن هى إلا أرحام تدفع وأرض تبلع! أو يقول: إن العالم قطاع عام تحكمه أسرة مقدسة! أو يقول: إن القرآن كتاب بشرى تبدو فيه خصائص البيئة العربية الأولى.. " وتأبط شرا " الجديد ليس أغبى ولا أذكى من "تأبط شرا " الغابر، وإنما الغباء الحقيقى فيمن يصدقه ويستمع إليه ! والجنون فنون!

وهذا وهم آخر لم يكن بمكة تشريع! التشريع بدأ بعد الهجرة. أما قبل الهجرة فقد كان الإسلام فى مرحلة وعظ وإرشاد..

ونقول جازمين : إن شرائع العقيدة والأخلاق والقيم الرفيعة والسير الطاهرة وأغلب الطاعات التوقيفية نزلت بمكة المكرمة فالوصايا العشر التى يهتم المربون والمفسرون بها، جاءت فى ثلاث آيات من سورة الأنعام المكية بدءا من قوله تعالى " قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم.." ثم اتسعت دائرة الحكمة والتوجيه فى خمس عشرة آية جاءت فى سورة الإسراء المكية بدءا من قوله تعالى " وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه.. " والصلوات الخمس التى نقيمها اليوم شرعت فى مكة، ليلة الإسراء.

والزكاة فرضها الله فى مكة. ففى سورة " فصلت " ـ وهى من أوائل ما نزل بمكة ـ يقول جل شأنه " وويل للمشركين * الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون ".

وفى زكاة الزروع نزل قوله تعالى " وآتوا حقه يوم حصاده " من سورة الأنعام المكية. والحج ميراث من شريعة إبراهيم.

وعالمية الرسالة الإسلامية تقررت فى عشر آيات نزلت كلها بمكة. وفى القرآن المكى خطاب لأبناء آدم كلهم يتضمن وصايا هى لباب الملة! وعتها سورة الأعراف.

إن الزعم بأن مكة لم ينزل بها تشريع جهل فاضح! إن دعائم التشريع قامت فى مكة ثم علا الصرح فى المدينة، وتناول أحوال المجتمع الدقيقة ومتطلبات الدولة الصاعدة، والجهاد المادى والأدبى لأعداء الإسلام الناقمين منه!

وجماعات المبشرين والمستشرقين يروجون لفكرة انعدام التشريع فى مكة ليقولوا إن الرسول استفاد من أهل الكتاب المجاورين له فى المدينة! ماذا استفاد منهم؟ وما الذى نقله عنهم؟.

إن محمدا لو أخذ من أهل الكتاب شيئا لفسد دينه ولسرى العوج فى كتابه: ولنفذ فيه قوله تعالى: " ولو تقوَّل علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين * فما منكم من أحد عنه حاجزين"

إن الأذان شرع فى المدينة نداء لصلاة شرعت فى مكة، والجهاد العسكرى شرع فى المدينة دفاعا عن عقائد حوربت فى مكة وفى غيرها... وطبيعة التشريع تتبع ظروف الدعوة والدولة، والوحى الإلهى واحد هنا وهناك.