شبهة النهي النّبويّ عن كتابة الحديث

نویسنده : ابراهيم النعمة

مقدّمة

ما كان بودي أن أتحدث بقضية بدهيّة، لولا أنّ الذين يجادلون بالبدهيّات صارت لهم أصوات يرفعونها هنا وهناك، وهؤلاء ليسوا قسماً واحداً بل هم أقسام: منهم من استغلق عليهم فهمُ البدهيّات، فهم من النّاس العامة وشبه العامة، ومنهم المتعالمون: أولئكم الذين يأتون بالفكر الساقط وينشرونه بين النّاس، ومنهم شباب غمرٌ نكرات، أحبوا أن يعرفهم الناس –ولو بقصور عقولهم- ومن هؤلاء من يعلم باطل ما يدعون إليه، وأنّ دعوتهم أوهن من بيت العنكبوت، ولكنّ اتّباع الهوى يعمي ويصمّ –إن أحسنّا الظنّ بهم-، ولم نتعب أنفسنا في التفتيش عمّا وراء الأكمة.

وليس عجباً أن تقوم وسائل الإعلام وبخاصة السياسية منها بالترويج لتلك الوجوه؛ لأن مصلحة السياسة تقتضي ذلك، وكم أفسدت السياسةُ على النّاس أمرَ دينهم! ومن أواخر تلك البدع الضالة المضلّة، التشكيك بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم يزعمون –والزعم مطيّة الكذب- أنّ السنة النبويّة لم يُكتب شيء منها في حياة رسول الله، مرددين ما افتراه المستشرقون في القرنين التاسع عشر والعشرين.

ونحن لا نعتب على المستشرقين بافتراءاتهم على الإسلام، فهم ناس خدموا ويخدمون أمتهم في تشويه صورة الإسلام –وبخاصة في العالم الغربي- وكانت لهم أقدامهم الراسخة في خدمة المستعمرين في البلاد العربية والإسلامية، ولكن نقف بحيرةٍ أمام ناس يزعمون أنهم مسلمون، ويهدمون ركناً ركيناً من مصادر التشريع الإسلامي، وقد يصل بهم الضلال إلى الخروج من الإسلام الذي يزعمون الانتساب إليه.

وهذه رؤوس أقلامٍ فقط في الرد على الذين يزعمون أن السنة النبوية لم تُكتب في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونقدِّم لهذا بما كان عليه العرب من قوة الحافظة عند مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قوة الحافظة عند العرب

كانت الأمة العربية قُبيل مبعث رسول الله  صلى الله عليه وسلم أمّة أُميّة، لا يعرف القراءة والكتابة فيها إلا نزر قليل. لذلك اعتمدوا في تسجيل مفاخرهم وأشعارهم وخطبهم على الحفظ في الذاكرة. ومما هو معروف أن الذين يعتمدون في الحفظ على الذاكرة تتكوّن فيهم مَلكة الحفظ أكثر من غيرهم. وهكذا قويت الحافظة في العرب، وقد ظهرت قبائل عُرفت بقوّة الحافظة مثل (قبيلة كلب). جاء في (معجم الأدباء) لياقوت الحموي: ((أنّ الأصمعيّ لقي أعرابياً فسأله: ممّن الرجل؟ فقال: من قوم إذا نسي الناس علمهم حفظوه عليهم، قال: أنت إذن من كلب. قال: أجل)) (1)

هكذا كان كثير من العرب مطبوعين على قوة الحفظ، فكان الواحد منهم يسمع القصيدة كثيرة الأبيات فيحفظها من مرّة واحدة أيضاً!

وكأن الله عز وجل هيّأ للأمة العربية قوة الحفظ ليحفظ الناس كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ويبلّغوهُما إلى الناس كافة. وهكذا حفظ عدد كثير من الصحابة أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فكانوا يحيطون بمجلسه، ويتلقّفون هديَه وكل كلمة يتلفظ بها، ليطبقوها خير تطبيق.

وجاء التابعون وكان منهم حفّاظ، حتى قال محمد بن شهاب الزهري: ((إنّي لأمُرّ بالبقيع فأسُدُّ آذاني مخافة أن يدخل فيها شيء من الخنا؛ فوالله ما دخل أذني شيء قطّ فنسيته))(2).

وقد ورد عن الإمام الشعبي أنه قال: ((ما كتبتُ سوداء في بياض قطّ، وما سمعتُ من رجلٍ حديثاً فأردت أن يعيده عليّ))(3).

مع منكري السنة

لم يكن منكرو السنة فريقاً واحداً، بل هم فريقان، الأول: هم الذين يتمسّكون بحديث النهي عن كتابة الحديث، الذي يرويه أبو سعيد الخدري –وهو حديث صحيح-، ولا يشيرون إلى أحاديث الإباحة والإذن من قريب ولا من بعيد، وكأن أحاديث الإذن لم تكن، مع أنّ منها عدداً نصّ عليها العلماء بالصحة. وهؤلاء يتّبعون الهوى ولا يريدون الوصول إلى الحقّ. فليس من المنهج العلمي الرصين أن يأخذ العالم بحديث صحيح ويترك أحاديث كثيرة أخرى لا تقلّ بالصحة عنه إن لم تزد عليه.

الثاني: لا ينكرون أحاديث الإذن، وقد ذهبوا مذهبين فيها:

  1. هناك من يتجرّأ على القول بعدم صحّتها، مع أنّ البحث العلميّ النزيه يقول بصحّتها، وهؤلاء عددهم قليل.

  2. هناك من يزعم أنّ أحاديث الإذن كانت في أوّل الأمر، ثم نُسخت بعد ذلك، وصار النهي عن الكتابة هو الأصل.

وكل من يريد الوصول إلى الحقيقة، يتبيّن له خطأ هذا الرأي. فهذا أبو شاه يطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتبوا له خطبة الرسول عام فتح مكة، أي في العام التاسع من الهجرة، وهو من الأحاديث الصحيحة التي رواها الإمام البخاري وغيره.

وهذا أبو هريرة، وهو ممّن تأخر إسلامه، يشهد بكثرة أحاديث الصحيفة الصادقة التي لدى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه، فيقول:

((ما من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حديثاً عنه منّي، إلا ما كان من عبد الله ابن عمرو؛ فإنه كان يكتب ولا أكتب))(4). وهذا يدلّ دلالة واضحة على أن جواز الكتابة متأخر، وهو ناسخ للنهي.

هكذا تمسّك هؤلاء بحديث واحد في النهي عن الكتابة، وأعرضوا صفحاً عن الأحاديث الصحيحة الكثيرة في أمر الإباحة والإذن، وليس هذا من مناهج العلماء.

عبارات أوقعت باللبس

أورد قسم من العلماء عبارات في تدوين الحديث النبوي، فَهِم منها بعضهم أنّ الحديث لم يكتب إلا في نهاية القرن الأول الهجري وبداية القرن الثاني، وذلك في ابتداء خلافة عمر بن عبد العزيز عام واحدٍ ومئة من الهجرة 101هـ، فقد دوّنها في عهده (محمد بن مسلم بن شهاب الزهري) المتوفى سنة أربعٍ وعشرين ومئة من الهجرة 124هـ، فقال ابن حجر العسقلاني: ((وأوّل من دوّن الحديث ابن شهاب الزهري على رأس المئة بأمر عمر بن عبد العزيز))( 5). وبمثل هذا ما قاله السيوطي في (تدريب الراوي)، وأبو نُعيم في (حلية الأولياء) عن الإمام مالك.

وتلقّف المستشرقون هذا الكلام، فصاروا يطنطنون به هنا وهناك؛ ليتخذوا منه دليلاً بزعمهم أن الحديث النبوي كان عرضة للنّسيان، وظلّ مدّة تسعين عاماً ثمّ دُوِّن بعد ذلك! وعادت هذه الشبهة التي حملها المستشرقون يردّدها شباب غُمْرٌ ليست لديهم خبرة في كتابة الحديث النبويّ في عصر الرسالة.

وكل من يدرس كيف دُوِّنت السنة النبوية في عصر الرسالة، يعلم أنها حفظت في الصدور وفي السطور، في الصحف والكتب، وقد وُجدت صحف عدة قبل تدوين السنة في عهد عمر بن عبد العزيز.

والمُراد بتدوين السنّة: جمعها في دواوين وليس في ابتداء كتابتها، فقد كانت مدونةً ثمّ بُوّبتْ، وصُنِّف كل باب على حدة. فلم تكن مرحلة التدوين في عهد عمر بن عبد العزيز سوى ترتيب وتصنيف وجمع كل باب على حدة.

أحاديث النهي عن كتابة الحديث

هناك بعض الأحاديث التي نهى فيها الرسول صلى الله عليه وسلم عن كتابة حديثه، منها:

  1. حديث رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، ولفظه: «لا تكتبوا عنّي، ومن كتب عنّي غير القرآن فليمحه»( 6). وهو أقوى هذه الأحاديث.

  2. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نكتب الأحاديث فقال: ما هذا الذي تكتبون؟ قلنا: أحاديث سمعناها منك. قال: أكتاباً غير كتاب الله تريدون؟! ما أضلّ الأمم قبلكم إلا ما اكتتبوا من الكتب مع كتاب الله. قال أبو هريرة: أنتحدث عنك يا رسول الله؟ قال: نعم، تحدّثوا عنّي ولا حرج، فمن كذب عليّ متعمّداً فليتبوأ مقعده من النار. وفي رواية: فجمعناها في صعيدٍ واحد فألقيناها في النار»(7).

  3. عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يُكتب حديثه. وفي رواية: دخل زيد بن ثابت على معاوية فسأله عن حديث؛ فأمر إنساناً يكتبه، فقال له زيد: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا أن لا نكتب شيئاً من حديثه، فمحاه(8).

دراسة أحاديث النهي عن كتابة الحديث

أما حديث أبي هريرة فإنه ضعيف؛ لأن في طريقه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف. وقال عنه الإمام الذهبي: أحاديثه منكرة.

وأما حديث زيد، ففي سنده المطلب بن عبد الله بن حنطب ولم يسمع من زيد، فهو منقطع، والمنقطع نوع من أنواع الحديث الضعيف.

وأما حديث أبي سعيد الخدري، فهو صحيح، وأهم ما قيل فيه ما يأتي:

  1. إنه منسوخ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم –بعد ذلك- رأى الصحابة يكتبون، فلم ينههم، فيكون النسخ من نسخ السنة بالسنة. وربما كان القول بالنسخ هو الأرجح؛ لأن حديث النهي متقدم على أحاديث الإباحة والإذن من الناحية الزمنية. ويؤيد هذا أن الصحابة في آخر حياة الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا يكتبون، فلم ينكر عليهم.

وفوق ذلك، فإن الحديث الذي صحّ بالنهي عن كتابة الحديث واحد، وأما أحاديث الإباحة والإذن، فهي كثيرة، ووصلت إلى حدّ التواتر.

  1. كان نهي رسول الله  صلى الله عليه وسلم عن الجمع بين الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في صحيفة واحدة، خشية أن يحصل الاختلاط بينهما؛ لأن القرآن الكريم لم يتمّ نزوله كلّه آنذاك، أما حين تكون صحف للقرآن وصُحف للحديث فتكون الإباحة. قال الإمام الذهبي: ((والظاهر أن النهي كان أولاً لتتوفر هممهم على القرآن وحده، وليمتاز القرآن بالكتابة عما سواه من السنن النبوية، فيُؤمَنُ اللّبس، فلما زال المحذور واللبس ووضح أن القرآن لا يشتبه بكلام الناس، أذِن في كتابة العلم))(9).

  2. ورد النهي على مَن يتّكل على الكتابة وحدها من غير أن يحفظ، أما الإذن بالكتابة فلمن يقوم بالحفظ؛ ولذلك كانوا يقولون: احفظوا عنّا كما حفظنا(10).

  3. جاء النهي لئلّا يضاهى بكتاب الله غيره، أو يُشتغل عن القرآن بسواه. وإلى هذا ذهب الخطيب البغدادي في (تقييد العلم)، وابن عبد البرّ وغيرهما(11).

أحاديث الإذن بالكتابة

لم تكن السنة النبوية التي أملاها رسول الله صلى الله عليه وسلم على صحابته وكتبوها بالقليلة. وظلّ ما أملاه الرسول الكريم على صحابته أساساً للفقه الإسلامي يتداولونه خالفًا عن سالف. وإذا كان نهي رسول الله عن كتابة الحديث في حياته صلى الله عليه وسلم لم يرد إلا في حديث واحد صحيح، وهو ما رواه مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه»، فإنّ الأحاديث الصحيحة التي وردت في إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لصحابته بالكتابة كثيرة، ومن ذلك ما يأتي:

  1. الحديث المتّفق عليه، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم فتح مكة، فقام (أبو شاه) وهو رجل من أهل اليمن، فقال: اكتبوا لي يا رسول الله. فقال عليه السلام: «اكتبوا لأبي شاه»(12)

وهذا الحديث الشريف قاله رسول الله في العام الثامن من الهجرة في فتح مكة.

  1. كان مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه صحيفة كتبت في حياة الرسول الكريم، وفيها أحكام كثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، تتضمّن حرم المدينة، وذمة المسلمين وأمانتهم، وتكافؤ دماء المسلمين، وقتل المسلم بالكافر، وفكاك الأسير، وقسم من الكبائر وعقابها، والمعاقل (الديات والجراحات)، وفرائض الصدقة(13). وهذا إنْ هو إلا رؤوس أقلام فقط، وفيها تفصيلات، فالديات مثلاً تفصيلاتها تطول، وكذلك فرائض الصدقة وغير ذلك. وليس في هذه الصحيفة شيء يختص به سيدنا أمير المؤمنين علي، وليس هناك ما يختص به آل بيت رسول الله رضوان الله عليهم. فعن طارق بن شهاب قال: ((شهدتُ عليّاً على المنبر وهو يقول: والله ما عندنا كتاب نقرؤه عليكم إلا كتاب الله وهذه الصحيفة))(14).

  2. الصحيفة الصادقة: وهي صحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، وقد كتبها في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، واحتجّ بهذه الصحيفة أئمة الإسلام وجمهور العلماء، وهي متصلة في الرواية مع كونها مكتوبة(15). وقد احتوت على أكثر من مئتي حديث. وشهد أبو هريرة رضي الله عنه بكثرة أحاديث هذه الصحيفة على كثرة رواياته، فقال:

((ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حديثاً عنه منّي إلا ما كان من عبد الله ابن عمرو؛ فإنه كان يكتب ولا أكتب))(16).

وقد بيّن عبد الله بن عمرو بن العاص كيف كان يكتب في أول الأمر، ثم امتنعَ عن الكتابة لما نهته قريش، ثم عاد إلى الكتابة لما أذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم بها، فقال:

«كنتُ أكتب كلّ شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريدُ حفظه، فنهتني قريش عن ذلك، وقالوا: تكتبُ ورسول الله يقول في الغضب والرّضا؟ فأمسكت، حتى ذكرتُ ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: اكتبْ، فوالذي نفسي بيده، ما خرج منه إلا حقّ»(17).

وكان رضي الله عنه يعتزّ بهذه الصحيفة كل الاعتزاز، ويقول:

((إنّ هذه الصحيفة الصادقة التي سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بيني وبينه أحد، فإذا سلِمَ لي كتاب الله وهذه الصحيفة والوهطُ لم أبالِ ما ضيّعت من الدّنيا))(18). أمّا الصادقة، فهي صحيفة كتبها عن رسول الله. وأما الوهط، فأرض تصدّق بها عمرو بن العاص كان عبد الله يقوم عليها.

ومن أهمية هذه الصحيفة: كتابتها بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي حياته. ومن حرصه على صحيفته أنه كان يحفظها في صندوق له حِلَق حتى لا يصل إليها الناس. وقد سُئل رسول الله كما في هذه الصحيفة: أيّ المدينتينِ تُفتحُ أولاً: القسطنطينيّة أو روميّة؟ فدعا عبد الله بصندوق لهُ حِلَق، فأخرج منه كتاباً، فقال عبد الله: «بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نكتب، إذ سُئلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيّ المدينتينِ تُفتحُ أولاً: القسطنطينيّة أو روميّة؟ فقال: مدينة هرقل تُفتحُ أولاً»(19).

  1. صحيفة عمرو بن حزم:

أملى رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيفة طويلة على واحد من صحابته، فيها شرائع الإسلام وفرائضه وحدوده. وقد رواها الإمام الزهري وغيره، وفيها تفصيلات الصدقات والفرائض والسنن والديات والطهارة والصلاة والزكاة والحج والعمرة وبيان الكبائر والجزية والعتق. وأعطاها إلى عمرو بن حزم لمّا استعمله على اليمن. وقد أخذها عمرو وذهب بها إلى اليمن ليفقّه أهلها، ويعلّمهم معالم الإسلام، وقرئت على أهلها. وروى هذه الصحيفة جمع من الأئمة، صحّحها بعضهم وضعّفها بعضهم، وممن صحّح إسنادها ابن حبّان والحاكم. واشتهرت هذه الصحيفة بين العلماء، وتناولوها بالقبول، وهذا دليل صحّتها عندهم.

من السنة النبوية المدوّنة

ومن السنة النبوية التي أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بتدوينها ما يُعرف بصحيفة المدينة(20)، وكان ذلك في السنة الأولى من الهجرة النبوية، وقد نص في هذه الصحيفة على أن المدينة حرم آمن، والدفاع عنها مسؤولية مشتركة، وفيها تنظيم العلاقات بين أهلها، بين المهاجرين والأنصار، وبين المسلمين واليهود، وفيها أقرّ الرسول عليه السلام اليهود على دينهم وأموالهم، واشترط لهم واشترط عليهم، مع بيان الالتزامات التي يجب أن يلتزم بها الأطراف كلها في المدينة، مع تحديد الحقوق والواجبات لكل طرف من الأطراف. ومن تلك السنة المدونة: عهد النبي عليه الصلاة والسلام ليوحنّة بن رؤبة وسروات أهل أيلة. وقد ذكرت مصادر الحديث والسّير نصّ ذلك العهد، وهو مدوّن في صحيحيّ البخاري ومسلم والسيرة النبوية لابن هشام والأموال لأبي عبيد، ومجموعة الوثائق السياسية التي قام بجمعها محمد حميد الله، وغير ذلك.

ومنها كتبه إلى عماله بالتشريعات، ككتابه إلى عمرو بن حزم عامله على اليمن الذي مرّ ذكره، وكتبه في الصدقات والزكوات إلى عماله وسعاته، وكتابه إلى بني زهير بن أقيش، وكتابه إلى أهل حُرش –وهي من مخاليف اليمن- وكتابه إلى بكر بن وائل، وكتابه إلى العدّاء بن خالد بن هوذة العامريّ.

وهناك كتبُ الأمان التي أعطاها إلى سراقة بن مالك بن جعشم لما تبعه في الهجرة، وكتبه إلى أمراء السرايا، ومراسلاته عليه السّلام السياسيّة، وإحصاؤه للمسلمين وتدوين أسمائهم وأسماء الغزاة المجاهدين(21).

ومن السنّة التي أمر النبي عليه الصلاة والسلام بكتابتها رسائله الكثيرة إلى الملوك، ففي السنة السادسة من الهجرة كثُرت بعوثه عليه السلام، فقد وجّه بعد صلح الحديبية رُسله إلى الملوك يحملون كتبه، ففي يوم واحد انطلق ستة نفر إلى جهات مختلفة، يتكلّم كل واحد منهم بلسان القوم الذين بُعث إليهم(22). ومن تلك الرسائل رسائله إلى كسرى ملك الفرس وقيصر ملك الروم، والنجاشي ملك الحبشة، والمقوقس عظيم مصر، وغيرهم كثير.

ما كتب من السنة في عهد الصحابة

كانت الصحف التي كُتبت في عهد الصحابة ليست بالقليلة؛ ذلك لأن كثيراً منهم كتبوا أشياء من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد بلغ عدد الصحابة والصحابيات الذين كانت عندهم صحف من السنة إلى أكثر من خمسين منهم، وذكر الدكتور محمد مصطفى الأعظمي أسماءَ اثنين وخمسين من الصحابة والصحابيات، مع ذكر وفاة كثير منهم(23). وأقتصر هنا على ذكر صحيفة واحدة من تلك الصحف، هي صحيفة همام بن منبه عن أبي هريرة رضي الله عنه. وتُسمّى بالصحيفة الصحيحة، ونقلها الإمام أحمد بن حنبل في مسنده بتمامها، وروى الإمام البخاري عدداً من أحاديثها في كتابه المعروف بصحيح البخاري في عدد من الأبواب. وتُعدّ من أبرز ما كتب في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي حجة قاطعة على أن حديث الرسول الكريم دُوّن في عصرٍ مُبكّر؛ لذلك اهتمّ العلماء بها، وهي تحتوي على تسعة وثلاثين ومئة من الأحاديث. وحين ننظر إلى متابعات وشواهد هذه الصحيفة، نجد ذلك العدد يتضاعف؛ وقد أحصى الدكتور رفعت فوزي عبد المطلب الأطراف التي ذكرت في تحقيق هذه الصحيفة، فوجدها زادت عن سبعمئة حديث، وأكثرها متابعات(24)، وشملت أحاديثها موضوعات مهمة في العقيدة والفقه والأدب، وحين تكثر متابعات وشواهد الصحيفة تكثر أحاديثها.

هذا جانب من الجوانب المختصرة جداً الذي يفصح بل ينصّ على أنّ كثيراً من السنة النبوية كُتبت في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو ردّ على من انحرف عن النهج العلمي السليم، واتّبع هواه، وتبنّى ضلالات الحاقدين من المستشرقين وتلامذتهم في التشكيك بالمصدر الثاني من مصادر الشريعة الإسلامية.


 

المصادر والمراجع

  1. معجم الأدباء. تأليف: ياقوت الحموي الشامي. 5/2136. تحقيق الدكتور: إحسان عباس. الطبعة الأولى 1991م. دار الغرب الإسلامي – بيروت.

  2. جامع بيان العلم وفضله. تأليف: أبي عمر يوسف بن عبد البر. 1/263. تحقيق: أبي الأشبال الزهيري. الطبعة العاشرة 1433هـ. دار ابن الجوزي. المملكة العربية السعودية. القاهرة – الإسكندرية.

  3. جامع بيان العلم وفضله. 1/258.

  4. رواه البخاري في كتاب العلم. باب: كتابة العلم. حديث 113.

  5. فتح الباري شرح صحيح البخاري. لابن حجر العسقلاني. 1/275.

  6. رواه مسلم في كتاب الزهد. باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم. حديث 7510.

  7. تقييد العلم. للخطيب البغدادي. ص33-34. تحقيق: يوسف العش. الطبعة الثانية 1974م. دار إحياء السنة النبوية.

  8. تقييد العلم. ص35. وأبو داوود في سننه، كتاب العلم، باب: كتابة العلم. رقم 3647. وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله. 1/246.

  9. سير أعلام النبلاء. 3/81. أشرف على التحقيق: شعيب الأرنؤوط. الطبعة الثانية 1429هـ-2008م. مؤسسة الرسالة – بيروت.

  10. جامع بيان العلم وفضله. 1/253.

  11. تقييد العلم. للخطيب البغدادي. ص57 و93. وجامع بيان العلم وفضله. 1/260.

  12. رواه البخاري في كتاب العلم، باب: كتابة العلم، حديث 112. ومسلم في كتاب الحج. باب: تحريم مكة وتحريم صيدها. حديث 3305.

  13. كتابة السنة في عهدي النبي والصحابة رضوان الله عليهم. تأليف الدكتور: رفعت فوزي عبد المطلب. ص27-28. الطبعة الثانية. 1435هـ-2013م. دار الوفاء – المنصورة – جمهورية مصر العربية.

  14. رواه الإمام أحمد بإسناد حسن. 2/269. حديث 962. أشرف على التحقيق: شعيب الأرنؤوط. الطبعة الثانية 1429هـ-2008م. مؤسسة الرسالة – بيروت.

  15. كتابة السنة في عهدي النبي والصحابة. ص31.

  16. رواه البخاري في كتاب العلم. باب: كتابة العلم. حديث 113.

  17. رواه الإمام أحمد. 11/406. حديث 6802. وأبو داوود في كتاب العلم. باب: كتابة العلم. حديث 3646. والحاكم في المستدرك 4/598. حديث 8662. وغيرهم.

  18. سير أعلام النبلاء. 3/89.

  19. رواه الإمام أحمد. 11/224-225. حديث 6645. والدارمي في سننه. 1/133 رقم 492.

  20. أطلقت المصادر القديمة على هذه الصحيفة اسم (الكتاب) و(الوثيقة) و(الموادعة) و(المعاهدة) و(الحلف). أما البحوث الحديثة فقد أطلقت عليها اسم الدستور، وتتضمّن هذه الصحيفة 47 سبعاً وأربعين مادّة.

  21. مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة. جمعها: محمد حميد الله، الطبعة الثامنة 1430هـ-2009م. دار النفائس – بيروت.

  22. السنة قبل التدوين. للدكتور: محمد عجاج الخطيب ص51. طُبع سنة 1429هـ-2009م. دار الفكر – بيروت.

  23. دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه. تأليف الدكتور: محمد مصطفى الأعظمي. 1/92-142. طبع سنة 1413-1992م. المكتب الإسلامي – بيروت.

  24. كتابة السنة في عهدي النبي والصحابة. للدكتور: رفعت فوزي عبد المطلب. ص75.