انتصاراتٍ دعويَّةً في الرحلة النبوية إلى الطَّائف

By : الشيخ الدكتور علي محمّد محمّد الصّلابيّ

من كتاب السِّيرة النَّبويّة للدكتور علي محمّد محمّد الصّلابيّ

الحلقة السادسة والأربعون

انتصاراتٍ دعويَّةً في الرحلة النبوية إلى الطَّائف

حقَّقت رحلة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إلى الطائف انتصاراتٍ دعويَّةً كبيرة رفيعةَ المستوى؛ فقد تأثَّر بالدَّعوة الغلام النَّصرانيُّ عَدَّاس؛ الَّذي أسلم، كما وصلت الدَّعوة إلى الجنِّ السَّبعة؛ الَّذين أسلموا، ثمَّ انطلقوا إلى قومهم مُنذِرِين.

  1. قصة إسلام الغلام النصراني عَدَّاس:

لـمَّا تعرَّض رسولُ الله صلى الله عليه وسلم للأذى من أهل الطَّائف، وخرج من عندهم، وألجؤوه إلى حائطٍ لعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وهما فيه، وراه عتبة، وشيبة؛ رَقَّا له، ودَعَوا غلاماً لهما نصرانيّاً يقال له: (عَدَّاس)، فقالا له: خُذْ قِطْفاً من هذا العنب، فضعه في هذا الطَّبق، ثمَّ اذهب به إلى ذلك الرَّجل، فقل له يأكل منه. ففعل عدَّاس، ثمَّ أقبل به حتَّى وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثمَّ قال له: كُلْ. فلـمَّا وضع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فيه يَـدَهُ؛ قال: بسم الله، ثمَّ أكل، فنظر عَدَّاسٌ في وجهـه، ثمَّ قال: والله! إنَّ هذا الكلام ما يقوله أهل هـذه البلاد، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ومن أهل أيِّ البلاد أنت يا عدَّاس؟! وما دينك؟ قال: نصرانيٌّ، وأنا رجلٌ من أهل نِينوى.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قرية الرَّجل الصَّالح يونس بن مَتَّى. فقال له عداسٌ: وما يدريك ما يونس بن متَّى؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ذاك أخي، كان نبيّاً، وأنا نبيٌّ، فأكبَّ عدَّاس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبِّل رأسه، ويديه، وقدميه. قال: يقول ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه: أمَّا غلامُك؛ فقد أفسده عليك؛ فلـمَّا جاءهما عدَّاسٌ؛ قالا له: ويلك يا عداس! ما لك تقبِّل رأس هذا الرَّجل، ويديه، وقدميه؟! قال: يا سيِّدي، ما في الأرض شيءٌ خيرٌ من هذا، لقد أخبرني بأمرٍ ما يعلمه إلا نبيٌّ! قالا له: ويحك يا عداس! لا يصرفنَّك عن دينك، فإنَّ دينك خيرٌ من دينه.

- إنَّ تسمية النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قبل الأكل تطبيقٌ لسنَّةٍ من سُنَنِ الإسلام الظَّاهرة، وقد كان من بركة ذلك انجذابُ هذا الرَّجل النَّصرانيُّ إلى الإسلام، فما إن ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم اسم الله تعالى قبل الأكل؛ حتَّى اهتز كيان ذلك المولى النَّصرانيِّ، وجاشت مشاعره، فأخبر النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم بعجبه من ذلك؛ حيث لا يعرف أهل تلك البلاد ذكر اسم الله تعالى.

- إنَّ التَّسمية قبل الأكل - كسائر السُّنن الظَّاهرة - من أسباب تميُّز المسلمين على من حولهم من الوثنيين، وهذا التميُّز يلفت أنظار الكفار، ويدفعهم إلى السُّؤال عن سبب ذلك، ثمَّ يقودهم ذلك إلى فهم الدِّين الإسلاميِّ، والانجذاب إليه.

- كان يقين عدَّاس بنبوَّة رسول الله قويّاً، يدلُّ على ذلك موقفه من سيِّديه عتبة، وشيبة ابني ربيعة لـمَّا أرادا الخروج إلى بدرٍ، وأمراهُ بالخروج معهما، حيث قال لهما: قتال ذلك الرَّجل الَّذي رأيت في حائطكما تريدان؟ فوالله! لا تقوم له الجبال، فقالا: ويحك يا عدَّاس! قد سحرك بلسانه.

- في قول عدَّاس: «والله ما على الأرض خير من هذا» مواساةٌ عظيمةٌ، فلئن اذاه قومه، فهذا وافد من العراق، مِنْ نينوى يكبُّ على يديه، ورجليه، ويقبِّلهما، ويشهد له بالرِّسالة، وإنَّ هذا لقَدَرٌ رَبَّانيٌّ، يسوق مِنْ نينوى مَنْ يؤمن بالله ورسوله؛ حيث كان الصَّدُّ من أقرب الناس إليه!.

  1. إسلام الجنِّ السَّبعة:

لـمَّا انصرف النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم من الطَّائف، راجعاً إلى مكَّة، حين يئس من خير ثقيف، حتَّى إذا كان بنخلة؛ قام من جوف اللَّيل يصلِّي، فمرَّ به النَّفر من الجنِّ، الَّذين ذكرهم الله تعالى، وكانوا سبعة نفر من جنِّ أهل نصيبين، فاستمعوا لتلاوة الرَّسول صلى الله عليه وسلم؛ فلما فرغ من صلاته، ولَّوْا إلى قومهم مُنذرِين؛ قد امنوا، وأجابوا إلى ما سمعوا، فقصَّ الله تعالى خبرهم على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فقال: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقرآن فَلـمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلـمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: 29 - 30] .

هبط هؤلاء الجنُّ على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ ببطن نخلة، فلـمَّا سمعوه؛ قالوا: ﴿أَنْصِتُوا﴾. هذه الدَّعوة التي رفضها المشركون بالطَّائف تنتقل إلى عالمٍ آخر، هو عالم الجنِّ، فتلقَّوا دعوة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، ومضوا بها إلى قومهم، كما مضى بها أبو ذرٍّ الغفاريُّ إلى قومه، والطفيل بن عمرٍو إلى قومه، وضمَادُ الأزديُّ إلى قومه، فأصبح في عالم الجنِّ دعاةٌ، يبلغون دعوة الله تعالى: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [الأحقاف: 31] .

وأصبح اسم محمَّد صلى الله عليه وسلم تهفو إليه قلوب الجنِّ، وليس قلوب المؤمنين من الإنس فقط، وأصبح من الجنِّ حواريُّـون، حملوا رايـة التَّوحيد، ووطَّنوا أنفسهم دعاةً إلى الله، ونزل في حقهم قرآن يتلى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

قال تعالى: ﴿قُلْ أُوْحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قرآناً عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا * وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَدًا * وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا * وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا * وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا * وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا * وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآن يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا * وَأَنَّا لاَ نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا * وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا * وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا * وَأَنَّا لـمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤمِنْ بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْسًا وَلاَ رَهَقًا ﴾ [الجن: 1 - 13] .

كان هذا الفتح الرَّبانيُّ في مجال الدَّعوة؛ ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم ببطن نخلة عاجزٌ عن دخول مكَّة، فهل يستطيع عتاة مكَّة، وثقيف أن يأسروا هؤلاء المؤمنين من الجنِّ، ويُنزلوا بهم ألوان التَّعذيب؟! وعندما دخل النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم مكَّة في جوار المطعم بن عدي، كان يتلو على صحابته سورة الجنِّ، فتتجاوب أفئدتهم خشوعاً، وتأثُّراً من روعة الفتح العظيم في عالم الدَّعوة، وارتفاع رآياتها، فليسوا هم وحدهم في المعركة، هناك إخوانهم من الجنِّ يخوضون معركة التَّوحيد مع الشِّرك.

وبعد عدَّة أشهرٍ من لقاء الوفد الأول من الجنِّ برسول الله صلى الله عليه وسلم ، جاء الوفد الثَّاني متشوِّقاً لرؤية الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ، والاستماع إلى كلام ربِّ العالمين. فعن علقمةَ قال: سألت ابن مسعود، فقلت: هل شهد أحدٌ منكم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجنِّ؟ قال: لا، ولكنَّا كنَّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلةٍ، ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشِّعاب، فقلنا: اسْتُطِيرَ، أو اغْتِيلَ، قال: فبتنا بِشَرِّ ليلةٍ بات بها قومٌ، فلـمَّا أصبحنا؛ إذا هو جاء من قِبَلِ حِرَاءٍ، فقلنا: يا رسول الله! فقدناك، فطلبناك، فلم نجدك، فبتنا شرَّ ليلةٍ بات بها قومٌ، فقال: «أتاني داعي الجنِّ، فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن»، قال: فانطلَقَ بنا، فأرانا آثارهم، وآثار نيرانهم. وسألوه الزَّاد، فقال: «لكم كلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسم الله عليه، يقع في أيديكم أوفرَ ما يكون لحماً، وكلُّ بَعْرَةٍ علفٌ لدوابِّكم» فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «فلا تستنجوا بهما؛ فإنَّهما طعام إخوانكم».

كان هذا الفتح العظيم، والنَّصر المبين، في عالم الجنِّ، إرهاصاً، وتمهيداً لفتوحاتٍ وانتصاراتٍ عظيمة في عالم الإنس، فقد كان اللِّقاء مع وفد الأنصار بعد عدَّة أشهر.

وقد علَّق الدكتور البوطي على سماع الجنِّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في عودته من الطَّائف، فقال: «والَّذي يهمُّنا أن نعلمه بعد هذا كلِّه هو: أنَّ على المسلم أن يؤمن بوجود الجنِّ، وبأنَّهم كائناتٌ حيَّةٌ كلَّفها الله - عزَّ وجلَّ - بعبادته، كما كلَّفنا بذلك، ولئن كانت حواسُّنا، ومداركنا لا تشعر بهم، فذلك؛ لأنَّ الله - عزَّ وجلَّ - جعل وجودهم غير خاضعٍ للطَّاقة البصريَّة، الَّتي بثَّها في أعيننا، ومعلومٌ: أن أعيننا إنَّما تبصر أنواعاً معيَّنةً من الموجودات، بقدرٍ معيَّنٍ، وبشروطٍ معيَّنةٍ.

إنَّ وجود هذه المخلوقات مسندٌ إلى أخبار يقينيَّةٍ متواترةٍ وردت إلينا من الكتاب، والسُّنَّة، وصار وجود هذه المخلوقات أمراً معلوماً من الدِّين بالضَّرورة، والتَّكذيب بوجودها تكذيباً للخبر الصَّادق المتواتر إلينا عن الله - عزَّ وجلَّ - وعن رسوله صلى الله عليه وسلم .

ولا ينبغي أن يقع العاقل في أشدِّ مظاهر الغفلة والجهل من حيث يزعم: أنَّه لا يؤمن إلا بما يتَّفق مع العلم، فيمضي يتبجَّح بأنَّه لا يعتقد بوجود الجانِّ، من أجل أنَّه لم يرَ الجانَّ، ولم يحسَّ بهم.

إنَّ من البداهة بمكانٍ: أنَّ مثل هذا الجاهل المتعالم يستدعي إنكار كثيرٍ من الموجودات اليقينيَّة لسببٍ واحدٍ، هو عدم إمكان رؤيتها، والقاعدة العلميَّة المشهورة تقول: عدم شعوري بالشَّيء لا يستلزم عدم الوجود؛ أي: عدم رؤيتك لشيءٍ تفتِّش عنه لا يستلزم أن يكون بحدِّ ذاته مفقوداً، أو غير مفقودٍ».

وبعد هذا التَّكرُّم الرَّبانيُّ، الَّذي خُصَّ به النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ، في عالم الثَّقلين : الإنس، والجن حان وقت الحديث عن رحلته صلى الله عليه وسلم إلى عالم السَّموات العلا، إلى عالم الملائكة، إلى حضرة الجليل سبحانه، إلى أن يرفعه إليه من بين هذه الخلائق جميعاً، ثُمَّ يعيده إليهم، فيحدثهم بما رأى في هذه الرِّحلة الميمونة الخالدة، الَّتي لم تعرف البشريَّة لها مثيلاً، ولن تعرف حتَّى يرث اللهُ الأرض، ومَنْ عليها.


اترك تعليق