هجرة المسلمين الثَّانية إلى الحبشة

By : الدكتور علي محمّد محمّد الصّلابيّ

من كتاب السِّيرة النَّبويّة للدكتور علي محمّد محمّد الصّلابيّ

الحلقة الثالثة والأربعون

هجرة المسلمين الثَّانية إلى الحبشة

لـمَّا قدم أصحاب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مكَّة من الهجرة الأولى؛ اشتدَّ عليهم قومهم، وسطت بهم عشائرهم، ولقوا منهم أذىً شديداً، فأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى أرض الحبشة مرَّةً ثانيةً، فكانت خرجَتُهم الثَّانية أعظمها مشقَّةً، ولقوا من قريش تعنيفاً شديداً، ونالوهم بالأذى، واشتدَّ عليهم ما بلغهم عن النَّجاشي من حسن جواره لهم، فقال عثمان بن عفَّان: يا رسول الله! فهجرتنا الأولى وهذه الآخرة ولـست معنا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أنتم مهاجرون إلى الله تعالى، وإلـيَّ، لكم هاتان الهجرتـان جميعـاً» قال عثمان: فحسبنـا يا رسول الله!

وهاجر معهم كثيرون غيرهم أكثر منهم، وعدَّتهم - كما قال ابن إسحاق وغيره - ثلاثةٌ وثمانون رجلاً؛ إن كان عمَّار بن ياسر فيهم، واثنان وثمانون رجلاً؛ إن لم يكن فيهم. قال السُّهيلي: وهو الأصحُّ عند أهل السِّير كالواقديِّ، وابن عقبة، وغيرهما، وثماني عشرة امرأةً: إحدى عشرة قرشيَّاتٌ، وسبعٌ غير قرشيَّاتٍ، وذلك عدا أبنائهم الَّذين خرجوا معهم صغاراً، ثمَّ الذين وُلِدوا لهم فيها.

  1. سعي قريش لدى النَّجاشيِّ في ردِّ المهاجرين:

لـمَّا رأت قريش: أنَّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمنوا، واطمأنُّوا بأرض الحبشة، وأنَّهم قد أصابوا بها داراً واستقراراً، وحُسْنَ جوارٍ من النَّجاشيِّ، وعبدوا الله، لا يؤذيهم أحدٌ؛ ائتمروا فيما بينهم أن يبعثوا وفداً للنَّجاشيِّ لإحضار مَنْ عنده من المسلمين إلى مكَّة بعد أن يوقعوا بينهم وبين ملك الحبشة، إلا أنَّ هذا الوفد خدم الإسلام والمسلمين من حيث لا يدري، فقد أسفرت مكيدته عند النَّجاشيِّ عن حوارٍ هادف، دار بين أحد المهاجرين، وهو جعفر بن أبي طالب، وبين ملك الحبشة، أسفر هذا الحوار عن إسلام النَّجاشيِّ، وتأمين المهاجرين المسلمين عنده.

فعن أمِّ سلمة بنت أبي أميَّـة بن المغيرة زوج النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قالت: لـمَّا نزلنا أرض الحبشة، جاوَرْنا بها خيرَ جارٍ (النَّجاشيِّ)؛ أَمِنَّا على ديننا، وعبدنا الله تعالى، لا نُؤْذَى، ولا نسمع شيئاً نكرهه، فلـمَّا بلغ ذلك قريشاً؛ ائتمروا أن يبعثوا إلى النَّجاشي فينا رجلين جَلْدين، وأن يُهْدوا للنَّجاشيِّ هدايا ممَّا يستطرف من متاع مكَّة، وكان من أعجب ما يأتيه منها إليه الآدم، فجمعوا له آدماً كثيراً، ولم يتركوا من بطارقته بِطْريقاً إلا أَهْدَوْا له هديَّةً، ثمَّ بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعة ابن المغيرة المخزوميَّ، وعمرو بن العاص بن وائل السَّهميَّ، وأمروهما بأمرهم، وقالوا لهما: ادفعا إلى كلِّ بطريق هديَّته قبل أن تكلِّموا النَّجاشيَّ فيهم، ثمَّ قدِّما للنَّجاشيِّ هداياه، ثمَّ سلاه أن يُسْلِمَهم إليكما قبل أن يكلِّمهم. قالت: فخرجا، فقدما على النَّجاشيِّ، ونحن عنده بخير دارٍ، وخير جارٍ، فلم يبقَ من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلِّما النَّجاشيَّ، ثم قالا لكلِّ بطريقٍ منهم: إنَّه صبأ إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينكم، وجاؤوا بدينٍ مبتدعٍ لا نعرفه نحن، ولا أنتم، وقد بَعَثَنَا إلى الملك فيهم أشرافُ قومهم من ابائهم، وأعمامهم؛ لتردُّوهم إليهم، فإذا كلَّمنا الملك فيهم؛ فأشيروا عليه بأن يُسْلِمَهم إلينا، ولا يكلِّمهم، فإنَّ قومهم أعلى بهم عيناً، وأعلم بما عابوا عليهم. فقالوا لهما: نعم . ثمَّ إنهما قرَّبا هداياهما إلى النَّجاشيِّ، فقبلها منهما، ثمَّ كلَّماه، فقالا له: أيها الملك! إنَّه قد صبأ إلى بلدك منا غلمانٌ سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدينٍ مبتدعٍ لا نعرفه نحن، ولا أنت، وقد بَعَثَنَا فيهم أشرافُ قومهم من ابائهم، وأعمامهم، وعشائرهم؛ لتردَّهم إليهم، فهم أعلى بهم عيناً، وأعلم بما عابوا عليهم، وعاتبوهم فيه.

قالت: ولم يكن شيءٌ أبغضَ إلى عبد الله بن أبي ربيعة، وعمرو بن العاص، من أن يسمع النَّجاشيُّ كلامهم، فقالت بطارقته حوله: صدقا أيها الملك! قومُهم أعلى بهم عيناً، وأعلم بما عابوا عليهم، فأَسْلِمْهم إليهما، فليردَّانهم إلى بلادهم، وقومهم.

قالت: فغضب النَّجاشيُّ، ثمَّ قال: لا هَيْمُ الله! إذاً لا أسلمهم إليهما ولا أكاد، قوماً جاوروني، ونزلوا بلادي، واختاروني على مَنْ سواي، حتَّى أدعوهم، فأسألهم ما يقول هذان في أمرهم؟ فإن كانوا كما يقولون؛ أسلمتهم إليهما، ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك؛ منعتهم منهما، وأحسنت جوارهم، ما جاوروني.

  1. حوارٌ بين جعفر، والنَّجاشيِّ:

ثمَّ أرسل النَّجاشيُّ إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدعاهم، فلـمَّا جاءهم رسوله؛ اجتمعوا، ثمَّ قال بعضهم لبعضٍ: ما تقولون للرَّجل؛ إذا جئتموه؟ قالوا: نقول والله ما علَّمنا، وما أَمَرَنا به نبيُّنا صلى الله عليه وسلم ، كائناً في ذلك ما هو كائن. فلـمَّا جاؤوه، وقد دعا النَّجاشيُّ أساقفته، فنشروا مصاحفهم حوله، سألهم، فقال: ما هذا الدِّين الَّذي فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا ديني، ولا دين أحدٍ من هذه الأمم؟

قالت: فكان الذي كلَّمه جعفر بن أبي طالبٍ رضي الله عنه، فقال له: أيُّها الملك! كنَّا قوماً أهل جاهليَّة، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونُسِيء الجوار، ويأكل القويُّ منَّا الضَّعيف، فكنَّا على ذلك، حتَّى بعث اللهُ إلينا رسولاً نعرف نسبه، وصدقه، وأمانته، وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحِّده، ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن واباؤنا من دونه من الحجارة، والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرَّحم، وحسن الجوار، والكفِّ عن المحارم والدِّماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزُّور، وأكل مال اليتيم، وقَذْف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده، لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصَّلاة، والزَّكاة، والصِّيام. قالت: فعدَّد عليه أمور الإسلام - فصدَّقناه، وامنَّا به، واتَّبعناه على ما جاء به، فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئاً، وحرَّمنا ما حَرَّم علينا، وأحللنا ما أحلَّ لنا، فعدا علينا قومُنا، فعذَّبونا، وفتنونا عن ديننا، ليردُّونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحلَّ ما كنَّا نستحلُّ من الخبائث، فلـمَّا قهرونا، وظلمونا، وشقُّوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا؛ خرجنا إلى بلدك، واخترناك على مَنْ سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا ألا نُظلمَ عندك أيُّها الملك.

قالت: فقال له النَّجاشيُّ: هل معك ممَّا جاء به عن الله من شيءٍ؟ قال له جعفر: نعم، فقال له النَّجاشيُّ: فاقرأه عليَّ.

فقرأ عليه صدراً من ﴿كهيعص ﴾، قالت: فبكى، والله النَّجاشيُّ، حتَّى أَخْضَلَ لحيته، وبكت أساقفته، حتَّى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم.

ثمَّ قال النَّجاشيُّ: إنَّ هذا - والله! - والَّذي جاء به موسى، ليخرجُ من مشكاةٍ واحدةٍ، انطلقا؛ فوالله لا أُسْلِمُهم إليكما أبداً، ولا يُكادون.

  1. محاولة أخرى للدَّس بين المهاجرين والنَّجاشيِّ:

قالت: فلـمَّا خرج كلٌّ من: عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبي ربيعة، من عند النَّجاشيِّ؛ قال عمرو بن العاص: والله! لاتينَّه غداً عنهم بما أستأصل به خضراءهم. قالت: فقال له عبد الله بن ربيعة - وكان أتقى الرَّجلين فينا -: لا تفعل؛ فإنَّ لهم أرحاماً، وإن كانوا قد خالفونا.

قال: والله! لأخبرنَّه أنَّهم يزعمون: أن عيسى ابن مريم عبدٌ، قالت: ثمَّ غدا عليه من الغد، فقال له: أيها الملك! إنَّهم يقولون في عيسى ابن مريم قولاً عظيماً؛ فأرسل إليهم، فاسألهم عمَّا يقولون فيه، قالت: فأرسل إليهم يسألهم عنه، قالت: ولم ينزل بنا مثلها قطُّ، فاجتمع القوم، فقال بعضهم لبعضٍ: ماذا تقولون في عيسى إذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول - والله! - فيه ما قاله الله، وما جاء به نبيُّنا كائناً في ذلك ما هو كائن، فلـمَّا دخلوا عليه؛ قال لهم: ما تقولون في عيسى ابن مريم؟ فقال له جعفر بن أبي طالبٍ: نقول فيه الَّذي جاء به نبيُّنا، هو عبد الله، ورسولُه، وروحه، وكلمتُه ألقاها إلى مريم العذارء البَتُول.

قالت: فضرب النَّجاشي يده إلى الأرض، فأخذ منها عوداً، ثمَّ قال: ما عدا عيسى ابن مريم ما قلتَ هذا العود، فتنآخرت بطارقتُه حوله حين قال ما قال، فقال: وإن نخرتم والله! اذهبوا فأنتم شُيُومٌ بأرضي (والشُّيوم الامنون)؛ من سبَّكم غَرِمَ، ثمَّ من سبَّكم غرم، فما أُحِبُّ أن لي دَبَراً ذهباً، وأنِّي اذيتُ رجلاً منكم، والدَّبر بلسان الحبشة الجعل، ردُّوا عليهما هداياهما، فلا حاجة لنا بها، فوالله! ما أخذ اللهُ مني الرَّشوة حين رد عليَّ مُلْكي؛ فاخذَ الرَّشوة فيـه، وما أطاع النَّاس فيَّ، فأطيعهم فيـه، قالت: فخرجا من عنده مَقْبُوحَيْنِ، مردوداً عليهما ما جاءا بـه، وأقمنـا عنده بخير دارٍ مع خيـر جارٍ. [أحمد (1/202 - 203) و(5/290 - 292) وابن هشام (1/357 - 362) وأبو نعيم في دلائل النبوة (194) والبيهقي في الدلائل (2/301 - 304)] .

  1. إسلام النَّجاشيِّ:

وقد أسلم النَّجاشيُّ، وصدَّق بنبوَّة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وإن كان قد أخفى إيمانه عن قومه؛ لِمَا علمه فيهم من الثَّبات على الباطل، وحرصهم على الضَّلال، وجمودهم على العقائد المنحرفـة - وإن صآدمت العقل، والنَّقـل - [البخاري (1245) ومسلم (951/62 و63)]، فعن أبي هريرة رضي الله عنه: «أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى النَّجاشيَّ في اليوم الَّذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلَّى، فصفَّ بهم، وكبَّر عليه أربع تكبيراتٍ»، وعن جابـرٍ رضي الله عنـه قـال: قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم حين مات النَّجاشيُّ: «مات اليـوم رجلٌ صالحٌ؛ فقوموا، فصلُّوا على أخيكم أصحمة» [البخاري (3877)] . وكانت وفاتـه - رحمه الله! - سنـة تسعٍ عند الأكثر، وقيل: سنـة ثمـانٍ قبل فتح مكَّة».


اترك تعليق