تقسيمات الواجب تأكيد لحرية الاختيار

By :

تقسيمات الواجب تأكيد لحرية الاختيار 
أ . د  مجدي شلش
شريعة رائعة، لا نظير لأحكامها، تنزيل من حكيم حميد، أعظم ما في أحكامها من وجوب وندب وإباحة وحرمة وكراهة مراعاة الفطرة الإنسانية، فالإنسان في حقيقته مجموعة غرائز تتحرك على الأرض، من حرية واختيار وتنوع وملكية وحب بقاء وشهوات من نساء وبنين إلى غير ذلك من غرائز مركوزة ومحفورة في طبيعة وكينونة الإنسان، ولن تجد تكليفا بالطلب أو الترك إلا ويراعي الشارع الحكيم الغريزة ويؤكدها ولا يهملها أو يقصيها أو ينسفها، " ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير " " صنع الله الذي أتقن كل شىء " " صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ..." ولو تتبعنا كل تشريع بالطلب على حدة لوجدنا فيه من المصالح والمنافع الكثيرة التي تعود علي الإنسان بصفته إنسان، وكذا كل تكليف بالترك يدرأ عنه من المضار والمفاسد التي لا حصر لها .
والعلماء قسموا الواجب الشرعي عدة تقسيمات باعتبارات مختلفة، أغلبها وأشهرها:


أولا: من حيث التعيين والتخيير إلى واجب معين ومخير، والواجب المعين: ما كان التكليف فيه بواحد معين لا اختيار في تركه، وذلك مثل الصلاة والزكاة والصيام والحج، فالبالغ العاقل الذي ليس لديه مانع من موانع التكليف تجب عليه الصلاة والزكاة إن ملك نصابا وحال عليه الحول ، والصيام ، والحج لمن استطاع إلى ذلك سبيلا، وكلها أمور معينة لا اختيار للإنسان المكلف فى تركها، واما الواجب المخير: ماكان التكليف فيه بواحد غير معين من أمور معينة، وذلك مثل كفارة اليمين، فالواجب فيها واحد مبهم من أمور معينة، وهى الإطعام أو الكسوة أو العتق، فالثلاثة ليس واجبة، وإنما الواجب أحدها لا بعينه، وأيضا مثل أسرى الحرب، فالإمام مخير بين القتل أوالفدية أو المن عليهم وإخلاء سبيلهم أو الرق، فالواجب واحد من الأربعة، صحيح كل واحد من الأربعة يصح وصفه بالوجوب، لكن الواجب منها عند الأداء واحد فقط، فالتنوع والاختيار واضح تماما فى الواجب المخير، وفيه مراعاة لجانب فطري لا ينفك عن طبيعة الإنسان ألا وهو الحرية والاختيار من بين أمور متعددة، كل مكلف يختار الأنسب والأصلح له، ولم يجعل الشارع الحكيم الواجب عليى نمط في واحد في التكليف لئلا تحصل المشقة غير المعتادة التي قد تسبب للإنسان حرجا وضيقا، حتى الواجب المعين الذي لا تخيير فيه يسقط عن المكلف بحالة الضرورة أو عدم الاستطاعة، فالصيام يرفع عن المريض والمسافر لما فيهما من مظنة المشقة، والزكاة لا تجب إلا على الشخص الذى ملك نصابا وحال عليه الحول، وكذا الحج لا يجب إلا على المستطيع ماليا وبدنيا مع أمن الرفقة والطريق، والصلاة لا تسقط أبدا ولها أحكامها الخاصة بها، فالتكليف ليست غايته الاستعباد والاستبداد بالإنسان، قدر مراعاته لتهذيب النفس وسموها، واعتدال الفطرة ووسطيتها في غرائزها، وإخراجها من طاغوت نفسها إلى التشرف بعبادة ربها.
ثانيا: من حيث الوقت إلى مطلق ومقيد، والواجب المطلق هو الذي لم يحدد الشارع الحكيم وقتا له، وإنما ترك تحديد وقت الأداء للمكلف نفسه حسبما يرى من وقت مناسب يؤدي الواجب فيه، ومن أمثلته: قضاء الصيام لمن أفطر وعنده مرخص للفطر، فالمرأة - مثلا - التي أفطرت في نهار رمضان بعذر الحيض، يجب عليها قضاء هذه الأيام التي أفطرتها، لكن متى ؟ الشارع الحكيم لم يحدد وقتا معينا للقضاء، وإنما ترك ذلك لاختياره وحريته، بحيث لاينقضي العمر الممكن إلا وتكون قضت ما عليها من واجب.


وأما المقيد فقسمه العلماء قسمين : مضيق وهو الذي يكون الفعل المطلوب أداؤه علي قدر الزمن تماما، فالفعل والزمن متطابقان، ومن أمثلة ذلك: صيام رمضان، فالفعل وهو الإمساك عن شهوتي البطن والفرج بنية التعبد بالصيام، يستمر في الزمن المخصص شرعا من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس، فالفعل وهو الإمساك، والزمن المحدد الإمساك فيه على قدر بعضهما، بحيث لا يجوز الإفطار قبل نهاية الزمن وهو الغروب، ولا الإمساك بعد نهايته.
وأما الموسع: فهو الذي يكون الزمن فيه أوسع من أداء الفعل، فمثلا الفعل يحتاج أداؤه عشرة دقائق ويأتي الشارع ويعطيه من الوقت ثلاث ساعات، يختار المكلف أي الأوقات يكون مناسبا له أولا أو وسطا أو آخرا، لا جرم ولا إثم ولا معصية عند اختيار الأداء في وسط الوقت أو آخره، -فمثلا - صلاة الظهر يبدأ وقتها من الساعة الواحدة ظهرا ويمتد وقتها إلى الرابعة أول بداية صلاة العصر، فالوقت ثلاث ساعات، وأداء الصلاة لا يزيد عن ثلث ساعة غالبا، فمن صلى في الساعة الواحدة يكون مؤديا للصلاة، وكذا من صلى في الساعة الثالثة يكون مؤديا للصلاة، المهم لا يخر ج الوقت المحدد شرعا إلا وقد صلى، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم : " الصلاة لوقتها " " والوقت ما بين هذين " أي ما بين بدايته ونهايته تصح الصلاة فيه وتوصف بالأداء.


وبناء عليه: أخي الحبيب أنت ترى مدى ما تركه الشارع من حرية في اختيار الوقت الذي يؤدى فيه الواجب حسب قدرة المكلف ونشاطه وعلو طاقته وهمته، فالمسألة ليست طقوسا تؤدى بلا فهم وتعقل، وإنما أداء الراحة والسعادة، وهذا جلي الظهور في الواجب المطلق، حيث المكلف يختار الزمن المناسب في نشاطه وقوته وعلو همته، وواضح أيضا فى الواجب الموسع بنسبة تجعل المكلف في حيز الاختيار، بخلاف المضيق الذي يكون التكليف فيه في الوقت الذي حدده الشارع، ولا تظهر فيه حقيقة الاختيار، وهو قليل في التشريع سواء فى العبادات أو المعاملات بالنسبة لما فيه الاختيار.


اترك تعليق