﴿‏ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ﴾ (‏ آل عمران‏:97)‏

By :
﴿‏ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ﴾ (‏ آل عمران‏:97)‏ #الشيخ الدكتور زغلول النجار (عضو الاتحاد) تحدثنا في الحلقة الماضية عن التعريف بالحج ومقاصد الحج واليوم نواصل الحديث عن:- ثانياً : ‏-‏ تذكير الحاج بمرحلية الحياة‏,‏ وبحتمية الرجوع إلى الله ـ تعالى‏ ـ :‏ على الرغم من حقيقة الموت الذي كتبه الله ـ تعالى ـ على جميع خلقه والذي يشهده أو يسمع به كل حي في كل لحظة‏,‏ وعلى الرغم من إيماننا ـ نحن معشر المسلمين ـ بحتمية البعث والحساب والجزاء، ثم الخلود في الحياة القادمة، إما في الجنة أبداً أو في النار أبداً، إلا أن دوامة الحياة ومشاغلها تكاد تنسي الناس هذه الحقائق التي هي من صلب الدين. يبقى الموت مصيبة ـ كما سماه القرآن الكريم ـ‏ ويبقى الأخطر من مصيبة الموت غفلة الناس عنه‏,‏ وإعراضهم عن ذكره‏,‏ وقلة تفكرهم فيه‏,‏ وانصرافهم عن العمل له‏,‏ وانشغالهم بالدنيا حتى أنستهم إياه أو كادت ‏.‏ وهنا تأتي شعيرة الحج لتخرج الناس من دوامة الحياة ـ ولو لفترة قصيرة ـ وتذكرهم بحتمية العودة إلى الله ـ تعالى ثالثا:تذكير الإنسان بمحاسبة نفسه قبل أن يُحاسب وذلك انطلاقا من الأعمال الإجرائية قبل القيام برحلة الحج و منها ما يلي ‏:‏ ‏1‏ـ التوبة إلى الله ـ تعالى ـ من الذنوب والمعاصي. ‏2‏ـ وصل كل مقطوع من صلات الرحم . ‏3‏ـ قضاء الديون ورد المظالم وغير ذلك من حقوق العباد لقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم‏ ـ:‏ " من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرض أو من شيء فليتحلل منه اليوم‏,‏ من قبل ألا يكون دينار ولا درهم‏,‏ إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته‏,‏ وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه‏ " (‏ البخاري‏) .‏ ‏4ـ‏ أن يتعلم إخلاص النية لله-تعالى-لأن النية بالحج لابد أن تكون خالصة لله ـ تعالى ـ في صدق وإخلاص تامين، ومتجردة عن كل هوى وسمعة. ‏5-‏ التمسك بالحلال والهروب من الحرم لأن نفقات الحج لابد أن تكون من أجل حلال المال‏.‏ ‏6-‏ الحرص على تسديد زكاة المال قبل الخروج بالحج ‏.‏ ‏7-‏ كتابة الوصية وتوضيح كافة الحقوق فيها ‏.‏ وفي إتمام هذه الأعمال تهيئة للنفس تهيئة كاملة لعملية مفارقة الحياة الدنيا، والرجوع إلى الله ـ تعالى ـ والاستعداد لحساب القبر وجزائه‏,‏ ثم للبعث والحشر والعرض الأكبر، وتلقي الحساب والجزاء، ثم الخلود في الحياة الآخرة، إما في الجنة أبداً، أو في النار أبداً ‏.‏ ‏رابعا:التدرب العملي على مفارقة الحياة الدنيا: ‏1‏ـ غسل الإحرام يذكر الحاج بغسله ميتاً وهو لا يملك لنفسه شيئاً بين أيدي مغسله‏,‏ وهو رمز للتطهر من الذنوب والآثام‏ .‏ ‏2-‏ والإحرام يذكر الحاج بالخروج من الدنيا بلا أدنى زينة أو ملك، كما يذكره بالكفن الذي سوف يُلف فيه جسده بعد تغسيله ‏.‏ ‏3‏ـ والنية عهد بين العبد وربه‏ .‏ ‏4-‏ الوقوف عند الميقات يذكر الحاج بأجله الذي حدده الله ـ تعالى ـ وباللحظة التي سوف يفارق فيها الحياة الدنيا. والانتقال من الحِلَّ إلى الحرم عبر الميقات يذكر بالانتقال من الدنيا إلى الآخرة عبر الموت‏,‏ والتلبية نداء إلى الله، واستنجاد برحمته، واحتماء بحماه ‏.‏ ‏5-‏ والطواف حول الكعبة المشرفة يذكر بضرورة الانتظام مع حركة الكون في خضوعه لأوامر الله ـ تعالى ـ وانصياعه لقوانين هذا الخالق العظيم وسننه، في عبادة وذكر دائمين‏,‏ كما أن بداية الطواف ونهايته تؤكد أن بداية الأجل ونهايته، والرَّمَل والاضطباع في طواف القدوم إحياء لسنة خاتم الأنبياء والمرسلين- صلى الله عليه وسلم‏ .‏ ‏6-‏ والصلاة في مقام إبراهيم تذكر بجهاد الأنبياء والمرسلين، وبمقام الصالحين عند رب العالمين‏ .‏ ‏7-‏ والشرب من ماء زمزم يؤكد قدرة رب العالمين التي لا حدود لها، ولا عائق يقف في سبيلها من أجل إكرام عباده الصالحين ‏.‏ ‏8-‏ والسعي بين الصفا والمروة يذكر بأم إسماعيل –عليها وعليه من الله السلام - وهي تركض بين هذين الجبلين؛ بحثاً عن الماء لصغيرها، ونتيجة لإخلاصها . ولثقتها في ربها أكرمها الله ـ تعالى ـ بجبريل يضرب أرض مكة المكرمة بجناحه، أو بعقبه فيفجر ماء زمزم‏ من صخور مصمطة لا مسامية لها‏ .‏ ‏9-‏ والنفرة إلى منى ثم إلى عرفات تذكر بيوم البعث في زحامه وشدته ‏.‏ ‏10-‏ والوقوف بعرفات يذكر بالحشر وبالعرض الأكبر بين يدي الله ـ تعالى ـ وبالحساب ‏.‏ ‏11-‏ والمبيت بالمزدلفة يذكر بآلاف الأنبياء ومئات المرسلين الذين حجوا من قبل، والذين نزلوا بهذا المنزل؛ تأكيداً على وحدة الدين، وعلى الأخوة بين أنبياء رب العالمين، وإحياءً لسنة خاتمهم أجمعين ـ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين . ‏12-‏ والنحر والحلق أو التقصير يذكران بفداء الله لنبيه إسماعيل؛ إكراماً لطاعته وطاعة أبيه إبراهيم ـ عليهما السلام ـ لأوامر رب العالمين، وإحياءً لسنة خاتم الأنبياء والمرسلين، ورمزاً للتطهر من الذنوب والآثام ‏.‏ ‏13-‏ ورمي الجمار تأكيد على حتمية انتصار العبد المؤمن على الشيطان في هذا الصراع، والرجم رمز لذلك الانتصار، وعهد مع الله ـ تعالى ـ على تحقيقه‏.‏ ‏14-‏ والتحلل من الإحرام وطواف كلٍ من الإفاضة والوداع رمز لانتهاء هذه الشعيرة العظمى، وعودة إلى دوامة الحياة من جديد بذنب مغفور، وعمل صالح مقبول، وتجارة مع الله ـ تعالى ـ لن تبور. ومن هنا كان واجب الحاج أن يبدأ مع ربه صفحة جديدة، إطارها الفهم الصحيح لرسالة الإنسان في هذه الحياة‏ :‏ عبداً لله يعبده ـ سبحانه وتعالى ـ بما أمر، ويجاهد بصدق من أجل حسن القيام بواجبات الاستخلاف في الأرض بعمارتها، وإقامة دين الله وعدله على سطحها‏,‏ والدعوة إلى هذا الدين بالكلمة الطيبة والحجة الواضحة والمنطق السوي من أجل إنقاذ أكبر عدد ممكن من الناس من عذاب نار جهنم .‏ ‏15-‏ وجموع الحُجَّاج من كل عرق ولون وجنس ولغة يتحركون في موكب واحد لأداء هذه الفريضة الكبرى؛ تأكيداً على وحدة الجنس البشري المنبثق من أب واحد وأم واحدة ، هما آدم وحواء ـ عليهما من الله السلام ـ وتأكيداً على وحدة رسالة السماء ـ وهي الإسلام العظيم ـ وعلى الأخوة بين الأنبياء، وعلى وحدانية رب السموات والأرض بغير شريك ولا شبيه‏,‏ ولا منازع‏,‏ ولا صاحبة‏,‏ ولا ولد‏,‏ والخالق منزه تنزيهاً كاملاً عن جميع صفات خلقه، وعن كل وصف لا يليق بجلاله ‏.‏ #يتبع الحلقة القادمة(خامسا: خروج الحاج من هذه الرحلة المباركة بعدد من الخصال الحميدة).

اترك تعليق