إضاءات مختصرة من كلمة الشيخ القرضاوي بعنوان: وقفات مع شيخ الأزهر وقضية الانقلاب على الشرعية

By :

أكتب هذه الكلمات مستنكرا موقف شيخ الأزهر من هذا الانقلاب الدموي، ضد إرادة الشعب، وقد كنت أحب أن يكون علماء الأزهر الشريف – وبخاصة كبارهم- على موقف واحد من الأحداث الكبيرة، التي تجري في أرض مصر العزيزة، ولا سيما أن رؤيتهم تنبثق من مصدر واحد، هو مصدر المعرفة الإسلامية، المتمثل في القرآن الكريم، والسنة النبوية، وهو مصدر يجمِّع ولا يفرق، ويبيِّن ولا يلبِّس، ولكني وللأسف الشديد، فوجئت وإخواني من العلماء بانفراد الدكتور أحمد الطيب بهذا الأمر الجلل، دون مشورة إخوانه من أهل العلم، في هيئة كبار العلماء، ومجمع البحوث الإسلامية، وغيرهم من العلماء الصادقين، وما أكثرهم في الأمة لمن أراد أن يستعين بهم، والله تعالى يقول: { وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ } [الشورى:38 ]  وقال سبحانه لنبيه {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ } [آل عمران:159].


كنت أظن أن الرجل – وقد أصبح الإمام الأكبر، شيخ الأزهر- سيصلب عوده، ويقوى عضده، ويقف مواقف شيوخ الأزهر الكبار، من أمثال: الشيخ المراغي، والشيخ عبد المجيد سليم، والشيخ الخضر حسين، وأمثالهم. لكن خاب أملي كله، في ضوء مواقفه، التي أعلنها في هذه الآونة.


كان ينبغي ألا تلوث عمامة الأزهر، ولحية شيخه، بمساندة هؤلاء، الذين أثبتت الأيام القليلة الماضية فساد طوياتهم، وسوء مكرهم، وظمأهم نحو السلطة،  وسعيهم إلى سدة الحكم عبر دماء الشهداء، وأشلاء الأحرار .


كن قويا يا شيخ الأزهر، وأعلن براءتك من هؤلاء، فهم أضعف وأجبن، وأذل وأهون، من أن يفعلوا بك شيئا.

 

يا شيخ الأزهر، أذكرك بإثم من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة، لا بموقف واضح مساند للظلم، أو مؤيد للباطل ببيانات عدة ، جُعلت غطاء لأعمال لا يرضى الله تعالى عنها، ولا رسله المصطفون، ولا ملائكته المقربون، ولا عباده المؤمنون.


 إن الشرع الإسلامي الذي يريده أهل مصر مرجعا لهم في دولة مدنية، لا دولة دينية ثيوقراطية، يوجب على كل من آمن به ورجع إليه؛ طاعة الرئيس المنتخب شرعا، وتنفيذ أوامره، والاستجابة لتوجيهاته، في كل ما يأمر به، بشرطين:


الشرط الأول: ألا يأمر الشعب بمعصية ظاهرة لله، بينة للمسلمين.


 والشرط الثاني: ألا يظهر منه كفر بيِّن لا خلاف فيه، والرئيس مرسي لم يأمر بمعصية، ولا ظهر منه كفر بواح.


ليت الدكتور الطيب تعامل مع الدكتور مرسي، كما تعامل من قبل مع حسني مبارك، الذي أوجب على الناس تأييده، وحرم عليهم الخروج عليه!


ألم يكن أجدى بمشيخة الأزهر، وأنتم على رأسها، أن تأخذوا بزمام المبادرة، وتدعوا الأطراف كلها لحوار جاد، يدعمه الأزهر، وتعلن نتائجه على المصريين، ويرفع الغطاء عمن لا يستجيب إلى هذا الحوار المجتمعي، بدلا من أن ترتضي لمؤسسة الأزهر العريقة أن تكون تابعة للمؤسسة العسكرية؟!


لو أن ما حدث في مسجد رابعة العدوية، ومسجد الفتح يا شيخ الأزهر، قد حدث في كنيسة أترى أساقفتها سيقولون: فتنة تطل برأسها؟! أم سينتفضون دفاعا عن دور عبادتهم، ودماء المتعبدين فيها، المعتدى عليهم؟!


ظننتك يا شيخ الأزهر ستتحدث عن حرمات المسلمين التي انتهكت، ومساجد الله التي دُنِّست، والتي سُعي في خرابها. وستثأر لدماء المسلمين التي أريقت، وأرواحهم التي أزهقت! فيا خيبة المسلمين في شيخ أزهرهم، الذي لم يذكر حرمة المساجد ببنت شفة، وأخذ يتحدث عن حرمة الكنائس، التي يعلم علم اليقين أن عملاء السيسي هم الذين يحرقونها، وما كنيسة القديسين في الأسكندرية منك ببعيد!!


أناشدك يا شيخ الأزهر فاصدقني: أين هي جهود المصالحة؟ وما هي شروطها؟ ومن هم طرفاها؟ ومن يملك أن يحكم في هذه المصالحة؟ وهل هذه المصالحة في نظرك تعني: إما أن تستجيب لأوامر الانقلابيين، وإما فالمقصلة أو غياهب السجون، أهذه هي المصالحة؟! أن تنزل على رأي المفسدين؟!


وقد اعلن الدكتور العوا وغيره – بكل صراحة -: إن الانقلابيين هم من أفشلوا كل المبادرات التي وافق عليها التحالف الوطني لدعم الشرعية.


فهل الحل السلمي الذي تراه وتدعو إليه، هو استسلام المقتول للقاتل، والمظلوم للظالم؟! هو قبول الذل والهوان؟! هو السير كالنعاج خلف سارق متكبر، وظالم متغطرس؟!أن تقول للمقتول: اصمت وأنت تُذبح. وللمعذَّب: لا تئنَّ وأنت تُجلد. وللأسير: لا تعترض وحريتك تسلب.


 وقد جاء استشهادك بحديث النبي صلى الله عليه وسلم، بأن القاتل والمقتول في النار، وكان حريا بك يا شيخ الأزهر وأنت تذكر هذا الحديث: أن تنظر إلى الواقع الحادث على الأرض، هل ما حدث في الحرس الجمهوري، وشارع النصر، ورابعة العدوية، وميدان النهضة، ورمسيس، وغيرها من البقاع التي سالت فيها الدماء، وأزهقت فيها الأرواح: كان قتالًا بين فئتين، رفع كل منهما السلاح في وجه أخيه؟! أم هو اعتداء صارخ، وعدوان صريح من فئة تملك السلاح بمختلف أنواعه، ولديها أدوات البطش بتعدد وسائله، على متظاهرين عُزْل، لا يملكون ما يدافعون به عن أنفسهم؟! وقد رأينا أيديهم مرفوعة فارغة، ليس فيها أدنى شيء!


ظننتك ستنادي أبناء القوات المسلحة والداخلية، أن رفقا بإخوانكم المصريين، فإذا بك تغري هؤلاء الجنود بالمتظاهرين، وتحضهم على قتلهم، قائلا: (فأنتم بهم خير كفيل)! الله كفيل بك وبهم، قادر عليك وعليهم، منتقم منك ومنهم!!


والله لا تبرأ ذمتك بتصريحات شاحبة، وعبارات تائهة، وإن جاز هذا للضعفاء، فلا يجوز لشيخ الأزهر، وإن قُبل هذا من الصغار، فلا يقبل من الكبار، أمثال الإمام الأكبر!


أقول لشيخ الأزهر: والله إن دماء الشهداء في رقبتك، وإن أرواحهم تتعلق بك يوم القيامة، وتحاجك أمام الله. إن دماء الشهداء، وبكاء اليتامى، وأنين الثكالى: ستطاردك في صباحك ومسائك، وفي يقظتك ونومك، وفي دنياك وآخرتك!


إن توبتك مما صنعت في حق الدين والوطن، وفي حق الحاضر والمستقبل، لن تقبل بالانسحاب والصمت .. لن تقبل توبتك إلا أن تعلنها صريحة: أنك أخطأت في حق الشعب. وأن تقول للظالم: يا ظالم. وللقاتل: يا قاتل. وأن تشد من عضد المظلومين، وأن تقوي ظهورهم، وأن تقف إلى جوار الحق مرة، بعد أن انغمست في الباطل مرات!!


كنا نظن شيخ الأزهر بدأ يراجع نفسه، وكنا نظن أن رصيد الإيمان في قلبه سيأبى عليه إلا الانحياز إلى الحق، وأن آيات القرآن الكريم وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في صدره، ستدفعه إلى أن يكون من شهداء الحق، القائمين بالقسط، الرافضين للجور.


كنا نظنه نسي عضويته في لجنة سياسات الحزب الوطني، وظننا أن ثورة يناير وما أعقبها من الحريات، التي تمتع بها المصريون في عهد الرئيس مرسي، ستغير من ولائه للنظام السابق. يا شيخ الأزهر إنك ما أن تخطو في اتجاه الحق خطوة، حتى تتراجع إلى الباطل خطوات، وما أن تتقدم في طريق العدل حبوا، حتى تتقهر عنه عدْوًا.


لقد كنتُ أظنهم قد غرروا بك يا شيخ الأزهر، فعلمتُ بقولك أنك ممن أوحى لهم!! وكنت أحسبك متورطا، فعلمت أنك متآمر!! وكنت إخالُك خائفا، فعلمت أنك مشارك!! تكيد لهذه الأمة وتمكر بها، وتتخذ من عمامة الأزهر غطاء لمآربك، وتمويها على المصريين!!
تبا لهذه القلوب القاسية، وهذه الضمائر الميتة، وتلك العمائم المأجورة، وهذا المكر السيئ، الذي لن يحيق إلا بأهله، وذلك البغي الذي سيقطع الله دابره!


 {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } [الأنعام:45].


ووالله إني لأشتم رائحة النصر، وأرى بوادره، وأسمع أهازيجه، مع كل صوت حر، مع كل شاب مخلص، وكل فتاة عفيفة، وكل طفل أبيٍّ، مع إصرار الشيوخ، وتفاني العجائز، مع صبر الصائمين، ووخشوع القائمين، وتحدي هذا الجيل: جيل النصر المنشود.


ستكسر عزائمهم حاجز الخوف، وستسسحق سلميتهم أرتال الدبابات، وستذيب حماستهم طلقات الرصاص، وستعلو أصواتهم الهادرة أزيز الطائرات، ولن تهاب أنفسهم الحرة دانات المدافع.


 سيزيل هؤلاء بتوكلهم على الله، وثقتهم في نصره، وصبرهم في الميادين، وثباتهم في الساحات، وإرادتهم التي لا تعرف اليأس، وتصميمهم الذي لا يعترف بمستحيل، سيزيل هؤلاء قادةَ الانقلاب إن شاء الله، ويزيلون معه أذنابه، ممن أراد الناس لهم الريادة، ولكنهم أصروا أن يكونوا عبيدا للبيادة.


 {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} [ الشعراء:227]. 


اترك تعليق