العلامة أبو الحسن الندوي

By :

العلامة أبو الحسن الندوي
رجل الأمة في الدعوة والتربية والثقافة والتاريخ
(1333 – 1420هـ = 1914 – 1999م)
في يوم الجمعة 23 رمضان 1420هـ الموافق 31 ديسمبر 1999م، توفِّي إلى رحمة الله تعالى، الشيخ الإمام أبي الحسن على الحسني الندوي رضي الله عنه، في يوم الجمعة، وفي رمضان، وفي العشر الأواخر منه،، وفي آخر يوم من أيام السنة الميلادية- التي يعتبر بعضهم هذه السنة آخر القرن، وإن كان آخر القرن في الحقيقة بعد سنة- في هذا اليوم ودعنا الشيخ أبو الحسن الندوي، ولقي ربه راضيًا مرضيًّا، إن شاء الله تبارك وتعالى.
وقد كتبت عنه كتابا بعنوان (العلامة أبو الحسن الندوي كما عرفته)، قلتُ في مقدمته: (لم أكن أنوي في هذه الآونة خاصة أن أخرج كتابًا عنه، مكتفيًا بما كتبته عنه في مناسبات مختلفة.
ذلك لأني في شغل شاغل، ووقت مزدحم بكثرة الأعمال والواجبات التي ضاقت بها الأوقات، وما كنت أحب أن أكتب عن شيخنا الحبيب، وأنا في هذه الزحمة، حتى أفرغ له، وأعطيه حقه، كما ينبغي له من مثلي.
ولكنَّ أقدارًا دفعتني، لأصدر هذه الدراسة عن شيخنا الكبير رحمة الله عليه، وأن أعجِّل بها، ليسد ثغرة في هذا الجانب، وتفتح الباب لمن يزيد، فمجال القول ذو سعة.
ولا سيما أني قد كتبت عن (ركائز فقه الدعوة) عند الشيخ، وحصرتها في عشرين عدًّا، ولم أتحدث بالتفصيل، إلا عن واحدة منها فقط، وتركت لمن بعدي من تلاميذ الشيخ وتلاميذي أن يكملوا ما بدأته.
إن مهمة العلماء في الأرض كمهمة النجوم في السماء، هي هداية للسائرين، وشهب تنقض على الشياطين، وخصوصًا العلماء الربانيين المتميزين منهم الذين يعلمون ويعملون ويُعَلِّمُون، فهم ورثة الأنبياء حقًّا، يدعون إلى الله على بصيرة، ويقودون الناس إلى الحق عن بينة، {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت:33].
ولقد كان الشيخ الندوي واحدًا من هؤلاء الأفذاذ، الذين بعثهم الله لهذه الأمة ليجددوا لها دينها، ويعيدوا إليها يقينها، وينهضوا بها لتؤدي رسالتها، ومن حق الشيخ أبي الحسن على من يعرفه من علماء الأمة ودعاتها وأدبائها، أن يكتبوا عن الشيخ، ويجلوا مآثره وفضائله، لتعرفه أجيال الأمة الصاعدة، وتتخذ منه أسوة وإماما. وبهذا يتواصل الأبناء والآباء، والأحفاد والأجداد، والخلف والسلف)( ).
الشيخ العلامة السيد أبو الحسن علي الحسني الندوي، أحد العلماء الربانيين، الذين يعْلَمُون ويَعْمَلُون ويُعلِّمون، ويدعون إلى الله على بصيرة، من بقية السلف، كأنما أُخِذ من عصور السلف الصالحين الماضين، وجيء به إلى هذا العصر.
كان الشيخ الندوي أحد العلماء والدعاة الأفذاذ في هذا العصر، تلقى العالم الإسلامي كتبه بالقبول، ابتداء من كتابة الفريد الشهير (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟)، وهذا الكتاب أول ما عرفه به العالم العربي، فيه نظرة تاريخية حضارية شمولية إلى الإسلام وأمته وحضارته وثقافته وتاريخه.
نظرة جديدة للتاريخ من خلال رؤية إسلامية، فهو يرى أن العالم خسر خسارة كبيرة بتخلف المسلمين عن قيادة ركب الحضارة. حينما قاد المسلمون ركب الحضارة الإسلامية قدموا للإنسانية رسالة حضارية متوازنة، تجمع بين العلم والإيمان، بين الرقي المادي والسمو الروحي والأخلاقي. رسالة وصلت الأرض بالسماء، وجمعت بين العقل والقلب، ومزجت الروح بالمادة، ووازنت بين حق الفرد ومصلحة المجموع.
ووضَح فيه كيف كانت حال أوروبا، عندما كان المسلمون في القمة كانت أوروبا في الحضيض. 
وبيّن كيف كانت الحالة الدينية، حالة الرهبان، فذكر من قساوة الرهبان في تلك العصور، الذين كانوا ينفرون من المرأة، ولو كانت المرأة أمة أو أخته، بل من ظلها، حتى قالوا: ظلها من الشيطان( ). وكانوا يعتبرون أن القذارة مما يقرب إلى الله، والنظافة من عمل الشيطان، وذكر فيه معلومات هائلة.
كما ذكر أن الذي أضاع المسلمين، هو تضييعهم الجهاد والاجتهاد، كانوا أقوياء في الجهاد، وقادرين على الاجتهاد، ثم ضعفوا في الاجتهاد، ثم قعدوا عن الجهاد، فأضاعوا القوة المادية والقوة العقلية، واحتلتهم القوى الأخرى.
وأكد الشيخ من خلال كتابه أنه لا خلاص للمسلمين إلا بالرجعة إلى الإسلام، رجعة صحيحة، ولا بد للعالم العربي أنه يأخذ مكانه في قيادة الأمة الإسلامية.
قال: إن محمدًا رسول الله هو رُوح العالم العربي، وإن العالم العربي إذا تخلى عن محمد رسول الله، فلن تكون له قيادة( ). وهذه هي خلاصة هذا الكتاب الجليل، الذي يُعْتَبَرُ أول ما قرأناه للشيخ الندوي.
لقاءاتي بالشيخ أبو الحسن الندوي:
في يناير سنة 1951م، قام العلامة أبو الحسن الندوي بزيارة إلى مصر، وكنت طالبا حينها في كلية أصول الدين، وكنت قد قرأت كتاب (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟)، وقد أعجبت بالكتاب، ودللت عليه بعض الأصدقاء ليقرؤوه، وإن كنت لا أعرف عن صاحبه شيئًا إلا أنه عالم هندي مسلم، والكتاب فيه نظرة جديدة إلى التاريخ الإسلامي، وإلى التاريخ العالمي من منظور إسلامي، وهو منظور عالم مؤرخ مصلح داعية، يعرف التاريخ جيدًا، ويعرف كيف يستخدمه لهدفه ورسالته، وقد ساعده على ذلك معرفته باللغة الإنجليزية، كما ساعده الحس النقدي، والحس الحضاري، والحس الدعوي، والحس الإصلاحي- وكلها من مواهبه- على تقديم هذه النظرة الجيدة من خلال كتابه الفريد.
اتصل بي بعض الإخوة من الطلاب الهنود الذين يدرسون في مصر، وقالوا لي: هل تعرف الأستاذ أبا الحسن الندوي؟ قلت لهم: أليس هو صاحب كتاب (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين)؟ قالوا: بلى، قلت: وما شأنه؟ قالوا: سيصل إلى القاهرة يوم كذا. قلت: أرجوكم أن توصلوني إليه عند حضوره.
كان الشيخ ومن معه يسكنون في شقة متواضعة في زقاق من أزقَّة شارع الموسكي بحي الأزهر؛ فالشيخ لا يقدر على سُكنى الفنادق، ولا يحبها إن قدر عليها، وفي اجتماعات مجلس رابطة العالم الإسلامي بالمملكة العربية السعودية يَدَع الفنادق التي ينزل فيها الضيوف، وهي من فنادق الدرجة الأولى، وينزل عند بعض إخوانه.
كما أنه يرفض النزول ضيفًا على بعض الكبراء من الأغنياء والموسرين؛ لعل ذلك للشبهة في أموالهم، أو لئلا يكون أسيرًا لإحسانهم.
كان الشيخ حين زار مصر في شَرْخ الشباب؛ لحيته سوداء، ووجهه نضر، وعزمه فتيٌّ، وروحه وثَّابة، وغيرته متوقدة.. كان يحمل حماس الشباب، وحكمة الشيوخ، يحمل فكر العالم الموفق، وقلب المؤمن الغيور في آنٍ واحد.
وما هي إلا أيام حتى حضر الشيخ، ومعه اثنان من إخوانه ورفقائه الندويين.
ذهبت لزيارة الشيخ في مسكنه المتواضع أنا وأخي وصديقي محمد الدمرداش مراد (رحمه الله) رفيقي في الدراسة، ورفيقي في الدعوة، ورفيقي في المحنة، ورفيقي في السكن، ودعوناه إلى بيتنا في شبرا( )؛ ليلتقي ببعض إخواننا من شباب الأزهر الملتزمين بالدعوة في صورة ما يسميه الإخوان (كتيبة)، وهو تعبير عن ليلة جماعية تقضى في العلم والعبادة والرياضة، وقليل من النوم، وكان الشيخ حريصًا على أن يستمع منا كما نستمع إليه؛ فكان يسأل عن حسن البنا وكلامه وطريقته، ومواقفه وتصرفاته في الأمور المختلفة، كبيرة كانت أو صغيرة؛ وهو ما كون معه فكرة عن الشيخ البنا، وأنه كان (إمامًا ربانيًّا) بحق، ولم يكن مجرد زعيم يطالب بحكم إسلامي، بل كان قبل كل شيء (مربيًا) يريد أن ينشئ للإسلام (جيلًا جديدًا) يحسن الفهم له، والإيمان به، والالتزام بتعاليمه، والدعوة إليه، والجهاد في سبيله.
وتكرر لقاؤنا معه، ولقاؤه معنا، نحن شباب الدعوة الإسلامية (أنا، والأخ أحمد العسال، والأخ الدمرداش، والأخ مناع القطان، والأخ عبد الله العقيل... وآخرون).
كانت أيام الشيخ أبي الحسن في مصر أيامًا خصبة مباركة، لا يكاد يخلو يوم منها عن محاضرة عامة يُدعى إليها، أو درس خاص يُرتَّب له، أو لقاء خاص يُعد له. ألقى محاضرة تحت عنوان (المسلمون على مفترق الطرق) في دار الشبان المسلمين- على ما أذكر-، وعقّب عليها الشيخ عبد المتعال الصعيدي، والشيخ الغزالي. كما ألقى محاضرة عن (محمد إقبال شاعر الإسلام في الهند) في كلية دار العلوم، كان لها تأثيرها ودويُّها، والشيخ من المعجبين بشعر إقبال، ويحفظ منه الكثير الكثير، وقد أخرج كتابًا عنه بعنوان (روائع إقبال).
والتقى الشيخ في القاهرة بكثير من العلماء والدعاة والمفكرين، وسجَّل عنهم ملاحظاته الدقيقة في كتابه الذي أصدره بعد رجوعه (مذكرات سائح في الشرق العربي).
التقى بالأديب الكبير الناقد الشهيد سيد قطب، وأعجب به الشهيد، وكتب مقدمة أخرى لكتابه (ماذا خسر العالم...؟) أنصف فيها الكتاب وصاحبه، وقدره حق قدره.
والتقى كثيرًا بالشيخ محمد الغزالي، ورافقه في بعض رحلاته الدعوية، وأعجب كل منهما بصاحبه، وكتب عنه الشيخ في (مذكراته) تلك.
وأذكر أن الشيخ الندوي كان قد اصطحب معه عدة رسائل من أوائل كتاباته الإسلامية الدعوية، وهي جملة رسائل تعبر عن حس رقيق، وفكر عميق، وبيان أنيق، وعن رهافة الحاسة الأدبية، وعمق الحاسة الروحية عند الشيخ.
وأذكر أن الشيخ الغزالي قرأها ومنها رسالتان؛ إحداهما: (من العالَم إلى جزيرة العرب)، والأخرى: (من جزيرة العرب إلى العالَم). وفيهما يستنطق الشيخ ما يريده العالَم من الجزيرة من الهدى ودين الحق، وهو ما قدمته الجزيرة قديمًا للعالَم، وردُّ الجزيرة على هذا.
قال الغزالي معقبًا: (هذا الإسلام لا يخدمه إلا نفس شاعرة محلقة، أما النفوس البليدة المطموسة فلا حظ لها فيه!.
لقد وجدنا في رسائل الشيخ لغة جديدة، وروحًا جديدة، والتفاتًا إلى أشياء لم تكن نلتفت إليها. إن رسائل الشيخ هي التي لفتت النظر إلى موقف ربعي بن عامر (رضي الله عنه) أمام رستم قائد الفرس وكلماته البليغة له، التي لخصت فلسفة الإسلام في كلمات قلائل، وعبرت عن أهدافه بوضوح بليغ، وإيجاز رائع: إن الله ابتعثنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.
أبو الحسن الندوي -فيما أعلم- هو أول من نبهنا إلى قيمة هذا الموقف وهذه الكلمات، ثم تناقلها الكاتبون بعد ذلك وانتشرت).
وقد لقي الشيخ أستاذنا البهي الخولي، وقد أعجب به الأستاذ البهي غاية الإعجاب، وسجّل ذلك في رسالة سطرها إليه، كما لقي الأستاذ صالح عشماوي وغيره من قادة الإخوان، وجلس إليهم وتحدث معهم حديثًا نشره في رسالة بعد ذلك، عنوانها: (أريد أن أتحدث إلى الإخوان المسلمين).
ولقي كذلك أستاذنا العلامة الدكتور محمد يوسف موسى، وقد كتب له مقدمة لكتابه (ماذا خسر العالم...؟).
كما لقي الأديب الداعية الشيخ أحمد الشرباصي، الذي سجل معه مقابلة عن سيرته نشرت في مقدمة (ماذا خسر العالم...؟).
ومما ذكره في هذه المقابلة: أنه سُئل عن أغرب ما رآه في مصر؟ فكان جوابه: إني وجدت العلماء حليقي اللحى!
ولا ريب أن هذه صدمة شديدة لعالم لم يرَ في حياته في وطنه عالمًا واحدًا حليقًا، وحلق اللحى عندهم من شأن المتفرنجين، والبعيدين عن الدين، أما أن يكون هذا هو الطابع العام للعلماء في بلد، فهو الشيء الغريب! ومن العجب أن بعض شيوخ الأزهر المتحمسين لإعادة الأزهر إلى مكانته القديمة يحاولون أن يفرضوا على الطلبة لبس العمامة، وهي مجرد تقليد! ولا يفكرون أن يفرضوا عليهم إطلاق اللحية، وهو سنة إسلامية بلا ريب!.
رحلات الندوي في ريف مصر:
ولم يكتف شيخنا بالنشاط والحركة في مدينة القاهرة على سعتها، بل امتد إلى مدن أخرى، سمعت بالشيخ، فدعته إلى زيارتها ولقاء الجمهور المسلم فيها.
ومن ذلك: مدينة (المحلة الكبرى) التي كنت أخطب في أحد مساجدها، وقد دون ذلك الشيخ أبو الحسن في كتابه مذكرات سائح، فقال: (الأخ يوسف القرضاوي، والأخ محمد الدمرداش، من طلبة الأزهر ومن الإخوان المسلمين، يتوقدان حماسة وغيرة وذكاء، وهما من الشباب الذين تقر بهم العين، ويقوي الأمل في مستقبل الإسلام في هذه البلاد، وكم في الإخوان من أمثال هؤلاء الشباب، ولو لم تكن للإخوان حسنة غير بعث الحياة الدينية، وإشعال العاطفة الإسلامية في الشباب الإسلامي وتوجيههم إلى الدين لكفاها فخرا وغبطة)( ).
وقد دعاه إلى المحلة الدكتور محمد سعيد (رحمه الله) رئيس الجمعية الشرعية بمدينة المحلة، وقد عرف الشيخ أن بينه وبين الإخوان شيئًا؛ فهو يأخذ عليهم أنهم لا يلتزمون بالآداب التي يلتزمونها هم من إعفاء اللحية، وإحفاء الشارب، وإرخاء العذبة (إطالة طرف العمامة)، وإطالة الصلاة. وقال الشيخ للدكتور: إن دعوة الإخوان دعوة عامة، مهمتها أن تجمع الجماهير على الأصول الكلية للإسلام، ثم تربيهم بالتدريج على الآداب الخاصة. ولا بد أن يكون في الأمة المنهجان: النهج العام للإخوان، والنهج الخاص للجمعية. واستراح الدكتور سعيد (رحمه الله) لكلام الشيخ، ودعاني معه على الغداء عنده.
ولكن سرعان ما كاد هذا يذهب هباءً، عندما ذهبنا مع الشيخ إلى بلدة (نبروه) وتكلمت كلمة أغضبت الدكتور سعيد غفر الله لنا وله، ولا أدري: لماذا؟ ولكن الشيخ تدارك الموقف بهدوئه وحكمته، وبات الناس تلك الليلة في المسجد سُجَّدًا وقيامًا، بدعوة من الشيخ، واستجابة كثيرين من الحضور.
كانت زيارة الشيخ لمصر هي بداية لقائي به، ومعرفتي به، ثم زادت الأيام تلك المعرفة قوة على قوة.
وقد تواصلت لقاءاتي بالشيخ رحمه الله في مناسبات شتى، وفي أقطار شتى، التقينا به في قطر في زيارة له، أول ما أُنشئت الجامعة، وأَسعدنا الشيخ بمحاضرة عن (دور الجامعة في تكوين الأجيال).
ثم سعدنا به مرَّة أخرى في المؤتمر العالمي للسيرة والسنة الذي عقد في قطر، في بداية سنة 1401هـ، وكان مقدمة لاحتفال الأمة الإسلامية بالقرن الخامس عشر الهجري، فقد أجمع المؤتمرون على اختيار الشيخ الندوي نائبًا لرئيس المؤتمر.
والتقيت به في (ملتقى الفكر الإسلامي بالجزائر).
ولقد قُدِّر لي أن أسعدَ بزيارة الندوة ثلاثَ مرات بعد ذلك، مرّةً عندما دعاني الشيخ لمؤتمر (المستشرقون والإسلام) في مدينة (أعظم كره) التي تضمّ (دار المصنفين) وكان معي الأخوان الكريمان: الدكتور (عبد العظيم الديب) والدكتور (علي المحمدي) من جامعة قطر، وقد أبى الشيخ وإخوانه إلا أن يشرِّفوني برئاسة هذا المؤتمر، الذي استمرَّ ثلاثة أيام، وقد كانت فرصةً لزيارة محدِّث الهند العلامة الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي رحمه الله تعالى، الذي زرناه في قريته التابعة لأعظم كره، ولهذا نُسِب إليها الشيخ وقيل: الأعظمي. وفي العودة مررنا بـ(لكنهو) وجددنا فيها الذكريات.
والمرة الثانية عندما ذهبت بدعوة من الشيخ لزيارة (ندوة العلماء) لمدَّة أسبوعين، وكانت فرصةً ذهبية للعيش في هذا الجو العلمي الإيماني المحبب، الذي يعيش المرء فيه بالله ولله ومع الله، ويتنفّس علمًا وإيمانًا ودعوة.
ومن سوءِ حظِّي أنَّ الشيخ أبا الحسن كان غائبًا عن لكنهو وعن الهند في تلك الفترة في إحدى رحلاته المباركة، ولم ألتقِ به إلا في آخر الزيارة في طريقي إلى (ديوبند) لحضور احتفالها المئوي المشهود، وقال لي الشيخ: أخبرَني الإخوانُ أنك سحرتَ العقول، وأسرتَ النفوس، قلت له: إنَّما أستمدُّ من الله أولًا ثم منكم.
والمرة الثالثة: منذ نحو ثلاث سنوات حين دعاني الشيخ لزيارة الندوة ودار علومها، وإلقاء محاضرات على أساتذتها وطلبتها. وقد قضيتُ في رحاب الندوة أيامًا أعتبرها من أفضل أيام عمري، وألقيتُ فيها عددًا من المحاضرات في أصول العلوم الشرعية، أحمدُ الله عز وجل أنْ وفّقني فيها، وكان مما أسعدني وشدّ من عزمي وجودُ شيخنا أبي الحسن، وحضورُه كلَّ هذه المحاضرات.
وكُنَّا نلتقي عادة في (مجلس المجمع الفقهي) برابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة، حيث نشترك معًا في عضويته.
ونلتقي كذلك في مجلس أمناء (مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية) حيث نسعدُ برئاسة الشيخ لهذا المجلس.
أما قلوبُنا وأرواحُنا فكانت تلتقي دائمًا وأبدًا مع الشيخ الجليل، في ظِلِّ الحب في الله، وفي رحاب الإسلام العظيم، الذي أكرمنا الله به، وشرّفنا بحمل رسالته، وأعباء دعوته، وهموم أمته.
وكان للشيخ الندوي اهتمامه بالجانب التربوي، خصوصًا التربية الفكرية، والتربية الروحية التي سماها (ربانية لا رهبانية)، عبر عن التصوف بهذه الكلمة، فقد وجد أن كلمة (التصوف) عليها اعتراضات من كثير من الناس، فترك المصطلح المختلف فيه، وتمسَّك بالمتَّفق عليه، وكلمة (الربانية) متَّفَقٌ عليها، فاعتمدها للتعبير عن التربية في جانبها الروحي.
وكان للشيخ أبي الحسن صلة كبيرة بالعالم العربي، فهو يجيد العربية كأحد أبنائها، ويكتب بها مؤلفاته، يعني هو في العربية كالأردية- التي هي لغته الأساسية- سواء.
وقد اختير عضوًا في عدد من المجامع العربية، منها: (المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي)، و(المجلس الأعلى العالمي للمساجد)، و(مجلس المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي)، وكنا زملاء في عضويته، وكذلك في (المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية) بالأردن. 
وكان الشيخ قد أسَّس (رابطة الأدب الإسلامي)، وكان هو رئيسها، وكنت عضوًا معه، وأسس كذلك (مركز الدراسات الإسلامية) بأكسفورد، ليكون منطلقًا للتعريف بالإسلام والدفاع عنه، من مركز ثقافي أوربي عريق، كجامعة أكسفورد، وكنت عضوًا معه في مجلس الأمناء.
وكان الشيخ مقبولًا من القدماء والعصريين، ومن السلفيين، ومن الصوفية، رزقه الله القبول؛ لأنه كان رجلًا سمحًا معتدلًا وسطيًّا، حتى إنه كان مقبولًا من الهندوس أنفسهم، أعني : كان له منزلة عندهم، وحينما يتعرض المسلمون لشيء يتعلق بشريعتهم، يقف كالطود الشامخ، ويجاهد من أجل مصلحة المسلمين. كما حاول الهندوس في الهند ذات مرة، أن يعتدوا على بعض حقوق المسلمين في الأحوال الشخصية، فوقف الشيخ، ومن ورائه علماء الهند جميعًا، حتى استطاعوا أن يردوا الأمور إلى نصابها.
وقد حصل الشيخ على عدد من الجوائز العالمية، منها مثلًا: (جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام)، وكان هو ثاني من حصل عليها، أما الأول فكان الشيخ أبو الأعلى المودودي، وقد تبرع الشيخ أبو الحسن الندوي بقيمة الجائزة، نصفها لحُفَّاظ القرآن في مكة، والنصف الآخر لحفاظ القرآن في الهند.
وكذلك حصل على (جائزة سلطان بروناي في الدراسات التاريخية الإسلامية).
وكذلك حصل على جائزة الشخصية الإسلامية من جائزةُ دبي الدولية للقرآن لعام 1999م.
فهو موضع الرضا والقبول من المسلمين، وقد ترك وراءه تراثًا هائلًا.
رحمه الله رحمه واسعة، وغفر له، وجزاه عن الإسلام خيرًا.


اترك تعليق