الحلقة الثالثة (3) : مرضعات النبي صلى الله عليه وسلم وكفالته بعد وفاة أمه

By :

حلقات من كتاب السِّيرة النَّبويّة (عرض وقائع وتحليل أحداث)

للدكتور علي محمد محمد الصّلابيّ

الحلقة الثالثة (3) :  مرضعات النبي صلى الله عليه وسلم وكفالته بعد وفاة أمه

كانت أمُّ أيمن بركة الحبشيَّة أمَةَ أبيه حاضنة للنبي صلى الله عليه وسلم ، ومن النّساء اللاتي أرضعن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؛ ثُوَيْـبَـةُ أمَةُ عمِّه أبي لهب، وهي أول من أرضعته. فمن حديث زينب ابنة أبي سلمة، أنَّ أمَّ حبيبة رضي الله عنها أخبرتها: أنَّها قالت: يا رسول الله! انْكِحْ أختي بنت أبي سفيان، فقال: «أوَتحبِّين ذلك؟» فقلت: نعم، لست لك بمخلية، وأحَبُّ من شاركني في خيرٍ أختي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم  : «إنَّ ذلك لا يحلُّ لي» قلت: فإنَّا نُحَدَّثُ أنَّك تريد أن تنكح بنتَ أبي سلمة. قال: «بنت أمِّ سلمة؟» قلت: نعم. فقال: «لو أنَّها لم تكن ربيبتي في حجري، ما حَلَّت لي، إنَّها لابنة أخي من الرَّضاعة، أرضعتني وأبا سلمة ثويبةُ، فلا تعرضنَ عليَّ بناتكنَّ، ولا أخَواتِكنَّ» [البخاري (5101) ومسلم (1449)] .

وكان من شأن أمِّ أيمن، أمِّ أسامة بن زيد: أنَّها كانت وصيفةً لعبد الله بن عبد المطلب، وكانت من الحبشة، فلـمَّا ولدت آمنةُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، بعدما تُوفي أبوه، فكانت أمُّ أيمن تحضنه، حتَّى كَبِرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، فأعتقها، ثمَّ أنْكَحَهَا زيدَ ابن حارثة، ثم تُوفيت بعدما تُوفي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم  بخمسة أشهرٍ. [البخاري (2630) ومسلم (1771)] .

- حليمة السَّعديَّة مرضعته في بني سعد :

وهذه حليمة السَّعدية تقصُّ علينا خبراً فريداً عن بركات الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ التي لمستها في نفسها، وولدها، ورعيها، وبيتها.

عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما: قال: لـمَّا وُلد رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ؛ قدمت حليمة بنت الحارث، في نسوةٍ من بني سعد بن بكر يلتمسن الرُّضعاء بمكَّة. قالت حليمة: فخرجت في أوائل النِّسوة على أتانٍ لي، قمراء ، ومعي زوجي الحارث بن عبد العزَّى، أحد بني سعد بن بكر، ثمَّ أحد بني ناضرة، قد أدمت  أتاننا، ومعي بالرَّكب شارفٌ  والله ما تَبِضُّ  بقطرة لبنٍ! في سنةٍ شهباء ، قد جاع النَّاس حتَّى خلص إليهم الجَهْد، ومعي ابنٌ لي، والله ما ينام ليلنا! وما أجد في يدي شيئاً أعلِّله به، إلا أنا نرجو الغيث، وكانت لنا غنمٌ، فنحن نرجوها.

فلـمَّا قدمنا مكَّة، فما بقي منَّا أحدٌ إلا عُرض عليها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، فكرهته، فقلنا: إنَّه يتيم، وإنَّما يُكرِم الظِّئر، ويُحسن إليها الوالد، فقلنا: ما عسى أن تصنع بنا أُمُّه، أو عمُّه، أو جدُّه، فكلُّ صواحبي أخذت رضيعاً، فلـمَّا لم أجد غيره؛ رجعت إليه، وأخذته، والله ما أخذته إلا أني لم أجد غيره! فقلت لصاحبي: والله لآخذنَّ هذا اليتيم من بني عبد المطلب، فعسى الله أن ينفعنا به، ولا أرجع من بين صواحبي ولا آخذ شيئاً، فقال: قد أصبت!.

قالت: فأخذته، فأتيت به الرَّحْلَ، فو الله! ما هو إلا أن أتيتُ به الرَّحْلَ، فأمسيتُ؛ أقبل ثديايَ باللَّبن، حتَّى أرويتُه، وأرويت أخاه، قام أبوه إلى شارفنا تلك يلمسها، فإذا هي حافلٌ ، فحلبها، فأرواني، وروي، فقال: ياحليمة! تعلمين والله لقد أصبنا نَسَمَة  مباركةً، ولقد أعطى الله عليها ما لم نتمنَّ! قالت: فبتنا بخير ليلةٍ شباعاً، وكنَّا لا ننام ليلنا مع صبيِّنا.

ثمَّ اغتدينا راجعين إلى بلادنا أنا وصواحبي، فركبت أتاني القمراء، فحملته معي، فو الذي نفس حليمة بيده؛ لقطعت الرَّكْبَ ! حتَّى إنَّ النِّسوة ليقلْنَ: أمسكي علينا! أهذه أتانك الَّتي خرجت عليها؟ فقلت: نعم، فقالوا: إنَّها كانت أدمت حين أقبلنا، فما شأنها؟ قالت: فقلت: والله! حَمَلْتُ عليها غلاماً مباركاً.

قالت: فخرجنا، فما زال يزيدنا الله في كلِّ يومٍ خيراً، حتَّى قدمنا؛ والبلاد سِنةٌ، ولقد كان رعاتنا يسرحون، ثمَّ يريحون، فتروح أغنام بني سعدٍ جياعاً، وتروح غنمي بطاناً ، حُفَّلاً  ، فنحلب، ونشرب، فيقولون: ما شأن غنم الحارث بن عبد العزَّى، وغنم حليمة تروح شباعاً حُفَّلاً، وتروح غنمكم جياعاً. ويلكم! اسرحوا حيث تسرح غنم رعائهم، فيسرحون معهم، فما تروح إلا جياعاً، كما كانت، وترجع غنمي كما كانت.

قالت: وكان يشبُّ شباباً ما يشبه أحداً من الغلمان، يشبُّ في اليوم شباب السنة، فلـمَّا استكمل سنتين؛ أقدمناه مكَّة، أنا وأبوه، فقلنا: والله! لا نفارقه أبداً ونحن نستطيع؛ فلـمَّا أتينا أمَّه، قلنا: والله! ما رأينا صبياً قط أعظم بركة منه، وإنَّا نتخوَّف عليه وباء  مكَّة، وأسقامها، فدعيه نرجع به حتَّى تبرئي من دائك، فلم نزل بها حتى أذنت، فرجعنا به، فأقمنا أشهراً ثلاثةً، أو أربعةً، فبينما هو يلعب خلف البيوت هو وأخوه في بَهْمٍ لنا ؛ إذ أتى أخوه يشتدُّ (أي: يسرع في سيره)، فقال: إنَّ أخي القرشيَّ، أتاه رجلان عليهما ثيابٌ بيض، فأخذاه، وأضجعاه، فشقَّا بطنه، فخرجت أنا، وأبوه يشتدُّ، فوجدناه قائماً، قد انتقع لونه  ، فلـمَّا رآنا؛ أجهش إلينا، وبكى، قالت: فالتزمته أنا وأبوه، فضمَمْناه إلينا: ما لك بأبي وأمِّي؟ فقال: أتاني رجلان، وأضجعاني، فشقَّا بطني، ووضعا به شيئاً، ثمَّ ردَّاه كما هو، فقال أبوه: والله! ما أرى ابني إلا وقد أصيب، الحقي بأهله، فردِّيه إليهم قبل أن يظهر له ما نتخوَّف منه، قالت: فاحتملناه فقدمنا به على أمِّه، فلـمَّا رأتنا أنكرت شأننا، وقالت: ما أرجعكما به قبل أن أسألكماه، وقد كنتما حريصين على حبسه؟ فقلنا: لا شيء إلا أنْ قضى الله الرَّضاعة، وسَرَّنا ما نرى، وقلنا: نؤويه كما تحبُّون أحبُّ إلينا.

قال: فقالت: إنَّ لكما شأناً فأخبراني ما هو؟ فلم تدعنا حتَّى أخبرناها، فقالت: كلا والله! لا يصنع الله ذلك به، إنَّ لابني شأناً، أفلا أخبركما خبره، إنِّي حملت به، فو الله! ما حملت حملاً قطُّ، كان أخفَّ عليَّ منه، ولا أيسر منه، ثُمَّ أُريت حين حملته خرج منِّي نورٌ أضاء منه أعناق الإبل بِبُصْرى - أو قالت: قصور بُصرى - ثمَّ وضعتُه حين وضعته، فو الله! ما وقع كما يقع الصِّبيان، لقد وقع معتمداً بيديه على الأرض، رافعاً رأسه إلى السَّماء، فدعاه عنكما! فقَبَضَتْهُ، وانطلقنا» [أبو يعلى (7163) وابن حبان (6335) والمعجم الكبير (24/212 - 215) ومجمع الزوائد (8/220 - 221) ودلائل البيهقي (1/133 - 136)] .

  • دروسٌ وعبرٌ في رضاعة النبي صلى الله عليه وسلم:

أ - بركة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم  على السَّيدة حليمة:

فقد ظهرت هذه البركة على حليمة السَّعدية في كلِّ شيءٍ، ظهرت في إدرار ثدييها، وغزارة حليبها، وقد كان لا يكفي ولدها، وظهرت بركته في سكون الطِّفل ولدها، وقد كان كثير البكاء، مزعجاً لأمِّه، يؤرِّقها، ويمنعها من النَّوم، وإذا هو شبعان ساكنٌ جعل أمَّه تنام، وتستريح. وظهرت بركته في شياههم العجفاوات، الَّتي لا تدرُّ شيئاً، وإذا بها تفيض من اللَّبن الكثير الَّذي لم يُعهد.

ب - كانت هذه البركات من أبرز مظاهر إكرام الله له:

وليس فقط أن أكرم بسببه بيت حليمة السَّعدية التي تشرَّفت بإرضاعه، وليس من ذلك غرابةٌ، ولا عجبٌ ، فخَلْفَ ذلك حكمةٌ أن يُحبَّ أهل هذا البيت هذا الطِّفل، ويحنوا عليه، ويحسنوا في معاملته، ورعايته، وحضانته، وهكذا كان، فقد كانوا أحرص عليه، وأرحم به من أولادهم .

ج - خيار الله للعبد أبرك وأفضل:

اختار الله لحليمة هذا الطِّفل اليتيم، وأخذته على مضضٍ؛ لأنَّها لم تجد غيره، فكان الخير كلَّ الخير فيما اختاره الله، وبانت نتائج هذا الاختيار مع بداية أخذه، وهذا درسٌ لكلِّ مسلمٍ بأن يطمئنَّ قلبه إلى قدر الله، واختياره، والرِّضا به، ولا يندم على ما مضى، وما لم يقدِّره الله تعالى.

د - أثر البادية في صحَّة الأبدان، وصفاء النُّفوس، وذكاء العقول:

قال الشَّيخ محمَّد الغزالي - رحمه الله -: وتنشئة الأولاد في البادية؛ ليمرحوا في كنف الطَّبيعة، ويستمتعوا بجوِّها الطَّلق، وشعاعها المرسل أدنى إلى تزكية الفطرة، وإنماء الأعضاء، والمشاعر، وإطلاق الأفكار، والعواطف.

إنَّها لتعاسةٌ أن يعيش أولادنا في شقق ضيِّقةٍ، من بيوتٍ متلاصقةٍ، كأنَّها علبٌ أغلقت على مَنْ فيها، وحرَمتْهم لذَّة التَّنفُّس العميق، والهواء المنعش.

ولا شكَّ: أنَّ اضطراب الأعصاب الذي قارن الحضارة الحديثة، يعود - فيما يعود - إلى البعد عن الطَّبيعة، والإغراق في التصنُّع. ونحن نقدِّر لأهل مكَّة اتِّجاههم إلى البادية؛ لتكون عرصاتها الفساح مدارج طفولتهم. وكثيرٌ من علماء التَّربية يودُّ لو تكون الطَّبيعة هي المعهد الأوَّل للطِّفل، حتَّى تتَّسق مداركه مع حقائق الكون الَّذي وجد فيه، ويبدو أنَّ هذا حلمٌ عسير التَّحقيق .

وتعلَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم  في بادية بني سعدٍ اللِّسان العربيَّ الفصيح، وأصبح فيما بعد من أفصح الخلق، فعندما قال له أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله! ما رأيت أفصح منك؛ فقال صلى الله عليه وسلم  : «وما يمنعني وأنا من قريش، وأُرضعت في بني سعد ؟!».

  • ما يستفاد من حادثة شقِّ الصَّدر:

تُعَدُّ حادثة شقِّ الصَّدر الَّتي حصلت له صلى الله عليه وسلم  أثناء وجوده في مضارب بني سعدٍ، من إرهاصات النُّبوَّة، ودلائل اختيار الله إيَّاه لأمرٍ جليل .

وقد روى الإمام مسلم في صحيحه حادثة شقِّ الصَّدر في صغره، فعن أنس بن مالكٍ: «أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم  أتاه جبريل؛ وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه، فصرعه، فشقَّ عن قلبه؛ فاستخرج القلب، فاستخرج منه عَلَقَةً، فقال: هذا حظُّ الشَّيطان منك، ثمَّ غسله في طَسْتٍ من ذهب بماء زمزم، ثمَّ لأَمَهُ ، ثمَّ أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمِّه - يعني: ظِئْرَهُ - فقالوا: إنَّ محمداً قد قُتل، فاستقبلوه؛ وهو مُنْتَقِعُ اللون. قال أنسٌ رضي الله عنه: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره»[ مسلم (162/261) وأحمد (3/149) والبيهقي في الدلائل (2/5)] .

ولا شكَّ: أنَّ التَّطهير من حظِّ الشيطان هو إرهاصٌ مبكِّرٌ للنُّبوَّة، وإعدادٌ للعصمة من الشرِّ، وعبادة غير الله، فلا يحلُّ في قلبه إلا التَّوحيد الخالص، وقد دلَّت أحداث صباه على تحقُّق ذلك، فلم يرتكب إثماً، ولم يسجد لصنمٍ  برغم انتشار ذلك في قريش .

وتحدَّث الدُّكتور البوطي عن الحكمة في ذلك، فقال: يبدو: أنَّ الحكمة في ذلك إعلان أمر الرَّسول صلى الله عليه وسلم ، وتهيؤه للعصمة، والوحي منذ صغره بوسائل مادِّيَّةٍ؛ ليكون ذلك أقرب إلى إيمان النَّاس به، وتصديقهم برسالته. إنَّها - إذاً - عملية تطهيرٍ معنويٍّ، ولكنَّها اتَّخذت هذا الشكل الماديَّ الحسيَّ؛ ليكون في ذلك الإعلان الإلهي بين أسماع النَّاس، وأبصارهم . إنَّ إخراج العلقة منه تطهيرٌ للرَّسول صلى الله عليه وسلم  من حالات الصِّبَا اللاهية العابثة المستهترة، واتِّصافه بصفات الجدِّ، والحزم، والاتزان، وغيرها من صفات الرُّجولة الصَّادقة، كما تدلُّنا على عناية الله به، وحفظه له، وأنَّه ليس للشَّيطان عليه سبيل .

  • وفاة أمِّه، وكفالة جدِّه، ثمَّ عمِّه:

توفِّيت أمُّ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم  وهو ابن ستِّ سنين بالأبواء بين مكَّة والمدينة، وكانت قد قدمت به على أخواله من بني عديِّ بن النَّجار تُريه إيَّاهم، فماتت، وهي راجعةٌ به إلى مكَّة ، ودفنت بالأبواء، وبعد وفاة أمِّه كفله جدُّه عبد المطَّلب، فعاش في كفالته، وكان يؤثره على أبنائه، أي: أعمام النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فقد كان جدُّه مهيباً، لا يجلس على فراشه أحدٌ من أبنائه مهابةً له، وكان أعمامه يتهيَّبون الجلوس على فراش أبيهم، وكـان صلى الله عليه وسلم  يجلس على الفراش، ويحاول أعمامـه أن يُبعدوه عن فراش أبيهم، فيقف الأب الجدُّ بجانبه، ويرضى أن يبقى جالساً على فراشه متوسِّماً فيه الخير، وأنَّه سيكون له شأنٌ عظيمٌ ، وكان جدُّه يحبُّه حباً عظيماً، وكان إذا أرسله في حاجةٍ جاء بها، وذات يوم أرسله في طلب إبلٍ، فاحتبس عليه ، فطاف بالبيت، وهو يرتجل، يقول:

رَبِّ ردَّ راكبي محمَّدا        رُدَّه لي وَاصْنَعْ عِنْدي يَدا      

 فلـمَّا رجع النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ، وجـاء بالإبل، قال لـه: يا بني! لقد حزنتُ عليك كالمرأة، حزناً لا يفارقني أبداً. [البيهقي في الدلائل (2/20 - 21) والحاكم (2/603 - 604)] .

ثُمَّ توفِّي عبـد المطلب والنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم  في الثَّامنة من عمره ، فأوصى جدُّه به عمَّه أبا طالبٍ، فكفله عمُّه، وحنَّ عليه، ورعاه .

أرادت حكمة الله تعالى أن ينشأ رسولُه صلى الله عليه وسلم  يتيماً، تتولاَّه عنايـة الله وحدها، بعيداً عن الذِّراع التي تُمعن في تدليله، والمال الذي يزيد في تنعيمه؛ حتَّى لا تميل به نفسه إلى مجد المال، والجاه، وحتَّى لا يتأثَّر بما حوله من معنى الصَّدارة، والزَّعامة، فيلتبس على النَّاس قداسة النُّبوَّة بجاه الدُّنيا، وحتَّى لا يحسبوه يصطنع الأوَّل ابتغاء الوصول إلى الثَّاني ، وكانت المصائب الَّتي أصابت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم  منذ طفولته؛ كموت أمِّه، ثمَّ جدِّه بعد أن حرم عطف الأب، وذاق كأس الحزن مرَّةً بعد مرَّةٍ، كانت تلك المحن قد جعلته رقيق القلب، مرهف الشعور، فالأحزان تصهر النُّفوس وتخلِّصها من أدران القسوة، والكِبْر، والغرور، وتجعلها أكثر رقَّةً، وتواضعاً.

وليست وفاة والديه في العشرينات من حياتهما ناشئةً عن هُزَالهما، وضعف بُنيتهما، فلم يكن محمَّد صلى الله عليه وسلم  سليل أبوين سقيمين، وإنَّما توفَّاهما الله بعد أن قاما بالمهمَّة الَّتي وُجدا من أجلها؛ ليتأسَّى بمحمَّد صلى الله عليه وسلم  كلُّ مَنْ فقد والديه، أو أحدَهما وهو صغير، وليكون أدبه، وخلقه مع يُتمه دليلاً على أنَّ الله تعالى تولَّى رعايته، وتأديبه؛ وحتَّى ينشأ قويَّ الإرادة، ماضي العزيمة، غير معتمدٍ على أحدٍ في شؤونه، وحتَّى لا يكون لأبويه أيُّ أثرٍ في دعوته ؛ وحتَّى لا تتدخَّل يدٌ بشريةٌ في تربيته، وتوجيهه، فيكون الله - سبحانه وتعالى - هو الَّذي يتولَّى تربيته، ولا يتلقَّى، أو يتلقَّن من مفاهيم الجاهلية، وأعرافها شيئاً، إنَّما يتلقَّى من لدن الحكيم الخبير، فالله - سبحانه وتعالى - آواه، وسخَّر له جدَّه، وعمَّه لتهيئة الجانب المادِّيِّ، بينما كانت التَّربية النَّفسية، والخُلقيَّة، والفكريَّة تعهُّداً ربَّانياً، ورعايةً إلهيَّةً .


اترك تعليق