العلامة مصطفى الزرقاء

By :

العلامة  مصطفى الزرقاء

فقيه الأمة

(1322- 1420هـ = 1904- 1999م)

{وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا} [الأحزاب:38] فقد كتب عليّ أن أودع أعلام الإسلام, وأن أرثي عمالقة الأمة, واحدًا بعد الآخر.

ففي مدة وجيزة, أي قبل نحو شهرين رثيت علامة الجزيرة الشيخ عبد العزيز بن باز, وقبل أسابيع ثلاثة رثيت علامة الشام الشيخ علي الطنطاوي.

واليوم أنعي إلى الأمة : فقيه العصر العلامة الشيخ مصطفى الزرقاء, الذي لقي ربه مساء السبت 19 من ربيع الأولى 1420هـ/3/7/1999م في بيته بمدينة الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية, عن عمر بلغ خمسة وتسعين عامًا مباركة, قضاها رحاب العلم الشرعي, والفقه الإسلامي, والدعوة إلى الله تعالى.

عطاء إلى آخر لحظة

ولقد ظل الشيخ طوال عمره المديد الميمون معطاء, لم يتوقف عن العمل, ولم تخب شعلته, أو تنطفئ شمعته, حتى توفاه الله. وما كان يشكو إلا من وجع المفاصل, وضعف السمع, الذي استعان عليه بسماعة يضعها في أذنيه, أما ذهنه فقد كان حاضرًا لم يغب, وأما ذاكرته فظلت قوية لم تضعف, وأما عزيمته فلم تزل صلبة لم تهن.

أخبرني ابننا العزيز النجيب العالم النابه الشيخ مجد مكي: أنه قبيل وفاته بقليل, عرضت عليه فتوى من شركة  الراجحي للاستثمار – وقد كان مستشارًا لها ومشرفًا على بحوثها في سنواته الأخيرة - فنظر فيها ونقحها وراجعها وصاغها الصياغة التي يرضى عنها.

وبقي بعدها ينتظر صلاة العصر, ويسأل عن دخول الوقت, حتى وافاه الأجل, وانتقل إلى رحمة رب عز وجل.

طلبه للعلم

ولد الشيخ الزرقاء في مدينة حلب الشهباء – في سنة 1322هـ/1904م- من أسرة علمية دينية عريقة, اشتغلت بالفقه الحنفي, وبرزت فيه.

فجده العلامة الشيخ محمد الزرقاء (ت 1343هـ) كان فقيه زمانه, وكان العلماء يأخذون عنه ويقرؤون عليه حاشية ابن عابدين الشهيرة في الفقه الحنفي.

وأما والده فهو العلامة الشيخ أحمد الزرقاء (ت 1357هـ) الذي درس الفقه الحنفي درسًا, بل حرثه حرثًا وترك لنا فيه أثرًا ملموسًا هو (شرح قواعد المجلة) وقد نشرها شيخنا مصطفى الزرقاء بتقديمه منذ سنوات, فهو غصن باسق من شجرة مباركة أصلها ثابت وفرعها في السماء {ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ} [آل عمران:34].

وهذا السبب العريق هو الذي سماه أديب الشام الشيخ علي الطنطاوي (سلسلة الذهب)! وهو الذي يستطيع الشيخ الزرقاء أن يزهو به ويقول: أولئك آبائي فجئني بمثلهم!

فإن كان من فضل أتوه فإنما توارثه آباء آبائهم قبلُ!

وهل ينبت الخطي إلا وشيجة        وتنبت إلا في مغارسها النخل

هذه النشأة الطيبة المتميزة الخصبة, كان لها أثرها في تكوين الشيخ فكرًا وسلوكًا, {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ} ]الأعراف:58], وقد آتاه الله البصيرة النيرة, والعقلية المتفتحة, والذهن اللماح, والذاكرة اللاقطة, والقدرة على الاستنباط والتعليل, والتحليل والموازنة والنقد, مع أناة عرف بها, وغاية في التدقيق, وبراعة في التمحيص والتحقيق, ونفس سمحة تميل إلى التيسير لا التعسير, والتبشير لا التنفير, والتسهيل لا التعقيد, كل هذه كانت مؤهلات لنبوغ الشيخ منذ صباه.

وإذا رأيت من الهلال نموه أيقنت أن سيصير بدرًا كاملًا!

قرأ الشيخ على علماء بلده في حلب, وأولهم والده, وتلقى العلم عنهم على الطريقة القديمة – على الحصر والبسط - تلقى عنهم التفسير والحديث, والتوحيد والفقه, والأصول والنحو, والصرف والبلاغة, والأدب, وكان من أبرزهم تأثيرًا في تكوينه العلمي: والده الشيخ أحمد, والعلامة المؤرخ المحدث العلامة الشيخ محمد راغب الطباخ (ت1370هـ), والعلامة المفسر المتكلم النظار الشيخ محمد الحنفي (ت 1342هـ), وكان من الذين تعلموا في الأزهر, وقرأ على الشيخ محمد بخيت المطيعي مفتي مصر: التوحيد والأصول, كما قرأ للإمام محمد عبده: رسالة التوحيد وكثيرًا من التفسير.

ثم أضاف إلى الدراسة التقليدية: الدراسة النظامية في المدرسة الخسروية الشرعية في حلب, كما درس اللغة الفرنسية في مدارس (الفرير) ليتخذ منها سلاحًا لمعرفة ثقافة العصر.

وقد وطن نفسه – بعد ذلك - على دراسة المقررات المطلوبة لامتحان شهادة الثانوية هو وصديق ورفيق محمد معروف الدواليبي, ودخل الثانوية (شعبة العلوم والآداب) وحصل على الترتيب الأول فيها. كما قدم في دمشق للثانوية: (شعبة الفلسفة) وكان أول الناجحين فيها كذلك, فجمع بذلك بين الدراسة الشرعية والدراسة العصرية.

والتحق بعد ذلك بالجماعة السورية – جامعة دمشق بعد ذلك - في كليتين معًا: الحقوق والآداب, فكان يحضر الأولى في النهار, والثانية في المساء, حتى تخرج منهما بتفوق ملحوظ, فقد حصل على الترتيب الأول كذلك, وبهذا اجتمعت له الثقافات الثلاث: الشرعية والقانونية والأدبية.

أعماله الوظيفية

تولى الشيخ التدريس في المدرسة الخسروية التي تخرج منها, كان يدرس فيها الفقه والأصول والآداب, كما شغل مكان والده في المدارس النظامية, وفي درس الجامع الأموي بحلب.

واشتغل نحو عشر سنوات بالمحاماة بعد تخرجه من الحقوق – أمام المحاكم الوطنية, والمحاكم المختلطة (بالفرنسية), وأكسبه ذلك خبرة بالحياة ومشكلات الناس.

وفي سنة 1944م عين مدرسًا للحقوق المدنية والشريعة في كلية الحقوق بدمشق, وظل أستاذًا بها إلى أن بلغ سن التقاعد 1966م, وهو رئيس لقسم الشريعة.

وحين أنشئت كلية الشريعة سنة 1954م, وكان عميدها الفقيه الداعية الكبير الدكتور مصطفى السباعي كلف بإلقاء عدد من المحاضرات فيها, كما ولّي رئاسة لجنة (موسوعة الفقه الإسلامي) التي عزمت الكلية على تبني مشروعها.

وقد شارك في وضع خطة العمل, وتحديد الهدف, والبدء في الخطوات التمهيدية, واستقراء المصطلحات العنوانية المطلوبة في الموسوعة, وأشرف على إصدار (معجم فقه ابن حزم) وغيره.

وفي سنة 1966م اختارته وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في الكويت ليكون أول خبير لإنشاء الموسوعة الفقهية, وقد بقي خمس سنوات, وضع فيها ليكون أول خبير لإنشاء الموسوعة الفقهية, وقد بقي خمس سنوات, وضع فيها اللمسات الأولى لعمل الموسوعة, وأصدرت بعض الأعمال التجريبية, عن (الأطعمة) و(الحوالة) وغيرها, وكان التخطيط الأولي: أن تجمع فقه المذاهب الثمانية, ثم رأت الوزارة بعد ذلك الاقتصار على المذاهب الأربعة.

وفي سنة 1971م, دعته الجامعة الأردنية ليدرس في كلية الشريعة, المدخل الفقهي العام, وغيره من المواد, وظل يدرس بها ثمانية عشر عامًا.

لقد تخرجت أجيال على يديه, خلال ثلاثة أرباع قرن من الزمان, نهلت من معينه, واغترفت من بحره, وتعلمت من نهجه, وتأثرت بمشربه, واقتبست من روحه, وسارت في خطه, الذي ينقاد للنقل, ولا يعطل العقل, ويعمل النص, ولا يغفل الواقع, ويستفيد من التراث, ولا يهمل الحاضر, ويوازن بين النص الجزئي والمقصد الكلي.

متى عرفت الشيخ الزرقاء

عرفت العلامة الشيخ مصطفى الزرقاء أول ما عرفته في صورة له في مجلة (الشهاب) المصرية, التي أصدرها في أواخر حياته الإمام حسن البنا رحمه الله, لينشئ بها ثقافة إسلامية معمقة تخلف مجلة (المنار) التي كان يصدرها العلامة محمد رشيد رضا رحمه الله.

وكانت المجلة تصدر في آخر كل عدد من صفحة أو أكثر, سمَّتْها: سجل التعارف الإسلامي, تشتمل على صور لعدة شخصيات إسلامية, من بلاد شتى, ونبذة مركزة عن كل منها, وكان من صور هذا السجل في العدد الأول: صورة للأستاذ الزرقاء, وهو شاب وسيم وقور, يرتدي عمامة بيضاء, وكتبت المجلة عنه: الأستاذ الشيخ مصطفى الزرقاء: من كرام أبناء سورية, ولد سنة 1323هـ, وطلب العلم في حلب, وتخرج من كليتها الشرعية, وحصل على الإجازة من كلية الحقوق بالجامعة السورية, وهو الآن أستاذ الشريعة الإسلامية فيها, وهو باحث قانوني ممتاز, وقد صاغ الفقه الإسلامي بأسلوب عصري, ورتب نظرية الالتزامات في القانون الوضعي في مؤلفه (الحقوق المدنية), وله كذلك كتاب (أحكام الأوقاف) ويدرس  الآن في قسم الدكتوراه بجامعة فؤاد الأول, وقد حصل على دبلوم الشريعة الإسلامية بامتياز.

وفي هذا العدد من مجلة (الشهاب) كان للأستاذ الزرقاء مقال بعنوان: العقل العلمي والعقل العامي, كما كتب مقالًا في عدد آخر من أعداد المجلة الخمسة عن العصبية المذهبية.

وقد وجدت فيما كتبه الشيخ الزرقاء حينئذ – وأنا طالب في المرحلة الثانوية أفكار علمية وروحًا تجديدية مع بلاغة وبيان مشرق.

وبعد ذلك قرأت للشيخ الزرقاء بعض مقالات في مجلة (المسلمون) التي كان يصدرها الداعية المعروف الأستاذ سعيد رمضان, مثل مقالة (العبادة جوهرها وآفاقها).

كما قرأت للفقيه الضليع, الشهيد عبد القادر عودة, صاحب كتاب (التشريع الجنائي الإسلامي) تعريفًا بكتاب الشيخ الزرقاء (الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد) أثنى فيه ثناءً عاطرًا على الكتاب مما شوقني إليه, وشدني للاطلاع عليه.

وعندما أتيح لي الاطلاع على عمل الشيخ الزرقاء, وجدته جديرا بما قال عنه الأستاذ عودة رحمة الله عليهما.

لقاءاتي مع الشيخ الزرقاء:

وأذكر أن أول لقاء لي مع الشيخ الزرقاء كان في مصر, في عهد الوحدة مع سورية, وعرفني به الدكتور محمد البهي المدير العام للثقافة الإسلامية بالأزهر حينئذ, وكنت أعمل معه في ذلك الوقت, وكان الشيخ الزرقاء يشارك مع رفقائه الثلاثة في وضع مناهج كلية الشريعة وكلية أصول الدين في الأزهر, وأعني بهم: شيخ الدعاة الدكتور مصطفى السباعي, والمفكر المربي الأستاذ محمد المبارك, والمفكر السياسي الدكتور الدواليبي.

وكان كتابي (الحلال والحرام في الإسلام) قد ظهر في طبعته الأولى سنة 1959م, وكنت أرسلت إليه نسخة هدية مني, فقرأه وسر به, وأثنى عليه, وقال كلمته الشهيرة: إن اقتناء هذا الكتاب واجب على كل أسرة مسلمة.

وفي ذلك الوقت – من أربعين سنة - والمودة بيني وبين شيخنا موصولة, وكلما ظهر لي شيء من الإنتاج العلمي هش له, ورحب به, وحث طلابه على قراءته, مثل (فقه الزكاة) وغير من الكتب.

ولقد التقينا بعد ذلك في مناسبات مختلفة, وفي بلاد شتى: في الكويت, في البنان, وفي تركية, وفي لبيبا, وفي الأردن, وفي المملكة العربية السعودية, وفي أمريكة وأوربة, وفي غيرها في ندوات ومؤتمرات, وكلما لقيته ازددت منه قربًا, وازددت له حبًا, وهو يبادلني الشعور نفسه.

لقد كنا نلتقي في (المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي) في مكة المكرمة, وأنا اشترك معه في عضويته, وفي دورات (مجمع الفقه الإسلامي) في جدة, وهو عضو أساسي فيه, وأنا خبير فيه. وفي المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية في عمان, وأنا عضو معه فيه, وفي غير ذلك من المناسبات في أقطار عدة, فكنت أحس أنه يفرح بقائي, كما يفرح الظمآن بالماء العذب, يترقبه ثم يجده, وأشهد أني كنت كذلك إذا رأيته, والأرواح جنود مجندة, ما تعارف منها ائتلف.

وقد كان من أدبه وفضله يبعث إلي ببعض الأسئلة في بعض القضايا المهمة التي عرضت عليه, وأجاب فيها, ليعرف رأيي فيها, وهل أقره على إجابته أو لا؟ فهو يطمئن إلى رأيي ويثق به, وهذا تواضع كبير من مثله, وأنا لا أعدو أن أكون من تلاميذه.

وحين جمع أخونا مجد مكي فتاواه لتصدر في كتاب, طلب إليه أن يرسلها إلى لأكتب لها مقدمة, والحق أنه شرفني بذلك, فما كان مثلي ليقدم فقيهًا كبيرًا في حجم الزرقاء, الذي غدا في هذا العصر فقيه الأمة بحق.

وكان الأخ مجد حفظه الله هو همزة الوصل في المدة الأخيرة بيني وبينه, كما كان ابنه العالم الجليل, والاقتصادي الفقيه, صديقي الحبيب, الدكتور محمد أنس الزرقاء, واسطة بيننا ينقل إلى آخر إنجازاته, وآخر تعليقاته فيما يصدر لي.

وكان آخر ما وصلني من الشيخ نسخة من فتاواه أهداها إلي بخطه, وطوقني بعبارات لا أستحقها, تفضلًا منه, وكان ذلك في ذي الحجة 1419هـ/ آذار (مارس) 1999م.

آثار الأستاذ الزرقاء العلمية

خلف الأستاذ الزرقاء ذكرًا حسنًا, يملأ الآفاق, وخلف تلاميذ في بلدان شتى يشيدون بذكره, ويدعون له, وخلف أصدقاء كلهم يكن له أصدق الود, وأعمق الحب.

وخلف قبل ذلك كله: آثارًا علمية أصيلة ثمينة, لا تقدر بكنوز الأرض: جملة من الكتب النافعة, لا يقدرها قدرها إلا العلماء الراسخون, كلها تنبئ عن فقه مكين, وعلم رصين, ودين متين, وأدب مبين.

من هذه الكتب:

- الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد, وهي سلسلة ذهبية حقًا – صدر منها: المدخل الفقهي العام, وهو دراسة فقهية لا نظير لها فيما صنف السابقون, أو ألف اللاحقون.

- المدخل للنظرية العامة للالتزامات في الفقه الإسلامي, وهو الذي رشح به لجائزة الملك فيصل العالمية, وحصل عليها في عام 1404هـ.

- أحكام الأوقاف.

- العقود المسماة في الفقه الإسلامي: عقد البيع.

- عقد الاستصناع وأثره في نشاط البنوك الإسلامية.

- الفعل الضار والضمان فيه.

- صياغة شرعية لنظرية التعسف في استعمال الحق.

- عظمة محمد مجمع العظمات البشرية.

- نظام التأمين.

- الاستصلاح والمصلحة المرسلة في الفقه الإسلامي.

- في الحديث النبوي.

- الفقه الإسلامي ومدارسه (بتكليف من اليونسكو)

- العقل والفهم في السنة النبوية.

- فتاوى مصطفى الزرقاء.

تلك هي الثروة النفيسة من الكتب النافعة الماتعة, التي جمعت بين أصالة القديم, ونصاعة الجديد, والتي شرقت وغربت, واستفاد منها القاصي والداني في العالم الإسلامي على امتداده, استفاد منها رجال الفقه, ورجال القانون, ورجال الاقتصاد, ورجال السياسة, ورجال الدعوة.

وحسبي هنا أن أنقل سطورًا مما كتبه القاضي الفقيه الشهيد عبد القادر عودة: عن كتابه (الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد).

قال: ((كان هذا العنوان أمنية فأصبح حقيقة، كان أمنية تهوى إليها النفوس وتهفو إليها القلوب، فأصبح حقيقةً ماثلة بين دفتي كتاب يستطيع كل قارئ أن ينالها وأن يستمتع بجمالها.

وقبل هذا الكتاب كان عشاق الفقه الإسلامي يحاولون أن ينالوه فلا يستطيع أن يناله منهم إلا البعض وقليل ما هم؛ لأن الفقه اعتصم من طالبيه في المتون وتحصن في الشروح، واستعصى على طلابه في اللغة المغلقة والأسلوب العقيم.

ولقد وقع في يدي كتاب (المدخل الفقهي العام) فوجدت شيئًا جديدًا وعملًا جليلًا. فأما أنه شيء جديد, فإن الفقه الإسلامي لم يجر رجاله على هذه الطريقة الحديثة التي جرى عليها المؤلف, ولم يأخذوا بذلك التقسيم العصري الذي أخذ به, حيث تؤصل المسائل, وتعرض الكليات, وتبسط النظريات, وتشرح المصطلحات, ثم تستخرج الفروع من أصولها, أو ترد الجزئيات إلى كلياتها, أو تطبق النظريات على موضوعاتها, فيخرج الدارس من دراسته وقد ألمَّ بالكليات والنظريات, وتماسكت في ذهنه المسائل وارتبطت الفروع بالأصول, واستفاد القدرة على حل المشاكل, والتمييز بين المتشابه.

وأما أنه عمل جليل فلأنه عمل غير مسبوق, ولأنه يقتضي من صاحبه فهمًا وعقلًا وجهدًا حتى يصل إلى ما وصل إليه المؤلف من مستوى رفيع, لا يصل إليه عادة إلا النابهون, بعد أن تمهد لهم الطرق ويسبقهم الرواد, فإذا ما وصل المؤلف إلى ما وصل إليه بعد أن شق طريقه في الصخر, وكان الرائد لنفسه ولغيره, فتلك هي العبقرية الفذة, أو هو {ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الجمعة:4].

ولقد ساعد المؤلف على الوصول إلى ما وصل إليه, أنه رجل ذو هدف في الحياة, وأنه من أصحاب المثل العليا الذين يعملون ويقولون لوجه الله, فأمده الله جل شأنه بعونه, ورزقه الفقه لطلابه, ثم رأى الفقه الإسلامي في ترتيبه وتبويبه, وربط فروعه بأصوله, متأخرًا قرونًا عن الفقه والحديث, فأخذ على نفسه أن ينقل الفقه الإسلامي عبر هذه القرون الطويلة نقلة واحدة ليلحقه بالفقه الحديث, فوفقه الله إلى ما أراد فوطأ الفقه الإسلامي لكل طالب, ونقله بخطوة واحدة جبارة من العصر العباسي إلى عصرنا الحديث.

فإذا هذا الفقه الغني القوي الذي كان ملتفًا في ثوبه العتيق القديم يخرج على الناس في ثوبه الجديد فتيًا مشرقًا, يزاحم الفقه كله بمنكبيه, ويعلن للناس هو الخير كل الخير للناس لو كانوا يعلمون.

والمؤلف الجليل يعلم وهو يقدم على هذا العمل الجليل, أنه يقدم على عمل أجل وأعظم من أن يقوم به فرد, وأن هذا العمل يقضي أن تتعاون عليه جهود جماعة من الأساتذة العلماء المطلعين على الفقه الإسلامي, والحقوق الحديثة في مصادرها وأساليبها الأجنبية, ولكن الحاجة الملحة إلى السرعة ومسابقة الزمن قضت بأن يقدم على حمل هذا العبء الثقيل الذي ينوء بالعصبة أولي القوة مستمدًا من الله العون.

ولقد أمده الله بعونه فوفقه إلى أن يخرج كتابًا جامعًا لأصول الفقه الإسلامي, والنظريات العامة التي تبنى عليها الأحكام, في لغة قوية تسيل عذوبة ورقة, وفي تنسيق دقيق وترتيب بديع, وربط للفروع بالأصول, وسلسلة منطقية للنظريات والأحكام, ولقد كان هذا الكتاب أو الكتب التي تنقص المكتبة الإسلامية, وهو بعد وجوده أول الكتب التي ستبنى عليه النهضة الفقهية الإسلامية, فدارس الفقه الإسلامي في حاجة شديدة إلى هذا الكتاب ليعرف الأسس التي يقوم عليها الفقه, ولترتبط في ذهنه بعض هذه الأسس بالبعض الآخر, ويتوجه بعد ذلك في دراسته توجهًا سليمًا.

وأهم ما في الكتاب أن طلبة كلية الحقوق في العالم الإسلامي يستطيعون أن يقرؤوه, فلا يشعرون أنهم يقرؤون شيئًا غريبًا عليهم, ولا بعيدًا عنهم, بل لعلهم سيجدون في قراءته من اللذة العلمية, والتعمق الفقهي, ودقة التعبير اللغوي والاصطلاحي, ما يجعلهم يفضلونه على غيره من كتب القانون التي تترجم لهم ولا تؤلف, بل لعلهم يجدون فيه من الفن والروح ما لم يجدوه في كتاب آخر.

وقد استطاع المؤلف في سهولة ويسر – بما وهبه الله من قوة الفهم وعمق الفقه - أن يعرض النظريات الإسلامية العامة, كما تعرض النظريات القانونية, وأن يصل كل كلية بفروعها, وأن يستخرج من الفروع كلياتها معتمدًا في عمله على المذهب الحنفي, وإن كان يوازن بين حكم الشريعة والقوانين السورية.

ولعل هذا التوفيق الذي لازم المؤلف الجليل الشيخ الزرقاء في إخراج كتابه يرجع أولًا إلى حسن صلة الشيخ بالله, فما يوفق هذا التوفيق إلا رجل يسدِّد الله خطاه, ويرجع ثانيًا إلى ما أفاء الله على الشيخ مصطفى الزرقاء من فضل الجمع بين دراسة الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية, وكل ذلك ساعد الشيخ الزرقاء على أن يحلق في هذا الأفق العالي, وأن يقدم للإسلام والمسلمين أجل الخدمات بهذا الكتاب القيم.

جزى الله الشيخ عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء, ونفعنا بعلمه وأمده بالقوة وكتب له التوفيق إنه سميع مجيب)).

فتاوى الزرقاء ومزاياها

وقد تجلى فقه الزرقاء التطبيقي في ثلاثة مجالات: التأليف والإفتاء والتقنين. فأما التأليف فقد تحدثنا عنه, وأما الفتاوى فقد جمعت في مجلد سعدت بكتابة مقدمته, وظهر فيه كيف يرتبط الفقه بحياة الفرد المسلم, والأسرة المسلمة والمجتمع المسلم.

هذه الفتاوى الزرقاوية, إنما هي في حقيقتها بحوث ودراسات فقهية أصيلة وعميقة, تقصر أو تطول, ليست مجرد قول المفتي: يجوز أو لا يجوز, أو يجوز على مذهب فلان, ولا يجوز على مذهب آخر. بل هو يغوص في المسألة, ويحلل عناصرها, ويعرضها على نصوص الشريعة الثابتة, وقواعدها الضابطة, ومقاصدها الكلية, ويقلب النظر فيها بأناة وروية – كالعهد به دائمًا - حتى ينتهي إلى ما يراه من حكم شرعي لها, مدخلًا في اعتباره تغير الزمان والمكان والإنسان, لا يدعي أن رأيه الذي كونه في المسألة هو حكم الله, ولا أن الصواب الذي لا يحتمل الخطأ, بل كما قال الأولون: رأيي صواب يحتمل الخطأ, ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.

قد يختلف بعض العلماء مع الشيخ فيما انتهى إليه من نتائج وأحكام, ولكن لا يمكن أحدهم أن يشكك في أصالة ملكته الفقهية, وقدرته على التأصيل والتفريع, وبراعته في المناقشة والاستدلال, فهو لا شك فقيه الأمة في هذه المرحلة: فقيه في فهم النصوص, فقيه في فقهم المقاصد, فقيه في فهم الواقع.

والحقيقة أني رأيته نسيج وحده في فقه الواقع – ولا سيما في المعاملات - وله بصيرة نيرة في التمييز بين المتشابهات, وإدراك الفوارق الدقيقة بين الأشياء, التي يغفل عنها الكثير من العلماء.

أذكر هنا مثالين من فتاواه للتوضيح.

أحدهما تفريقه بين القرض الفردي والقرض الجماعي, فالقرض الفردي (الشخصي) لم يجز أن يزاد عليه ولو فلسًا واحدًا.

أما القرض الجماعي فينظر إلى المقصد الكبير, هو إدامة وجود رأس مال يستفيد منه أكبر قدر ممكن من المنتفعين, وهنا لا بدَّ من الحفاظ على رأس المال, وذلك بإيجاد جهاز إداري يقوم بمتابعة استرداد المبلغ, ولا بدَّ من الإنفاق على هذا الجهاز الإداري, ولما كان أحق الناس بدفع قيمة المصروفات هذه للحفاظ على رأس المال هم المنتفعين من الصندوق, فلا بأس من اقتطاع نسبة معينة فوق المال المقترض لتغطية نفقات هذا الجهاز, شريطة أن تغطي هذه النسبة كلفة تشغيل الجهاز فعليًا بشريًا وماديًا من أجور ونفقات, ولا يجوز أن تصبح فائدة باسم جديد. (الفتاوى ص680).

ومثل ذلك رأيه في التفريق في الهدايا التي يدفعها التجار لعلمائهم عن طريقة القرعة -  بين الهدايا البسيطة التي هي من عادة التجار وعرفهم لمن يشتري كمية كبيرة من بضائعهم.. وبين الهدايا الخارجة عن ذلك المعروف, ذات القيمة الكبيرة مثل السيارة ونحوها, فالأولى جائزة والثانية محرمة شرًعا. (الفتاوى ص513).

وهذا هو الفقه النيِّر السليم.

وهو في هذه  الفتاوى يطبق فقهه على واقع الحياة, فيطب لها من صيدلية الشريعة, ويجد فيها كل داءٍ دواءً, ولكل مشكلة حلًا, يحقق اليسر, ولا يوجب العسر, فهذا هو الذي يريده الله لهذه الأمة التي لم يجعل عليها في الدين من حرج, وأنزل عليها في كتابه: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ} [البقرة:185], {يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا} [النساء:28], وقال لها رسولها الكريم: "إنما بعثتم ميسرين, ولم تبعثوا معسرين". رواه البخاري عن أبي هريرة.

ولقد رأيت بعض الناس – سامحهم الله - يتهمون الشيخ بالتساهل في الدين, ونسي هؤلاء أن هذا الذي يسمونه (التساهل) هو (التيسير) الذي أمرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم فقال فيما رواه عن أنس رضي الله عنه: "يسروا ولا تعسروا, وبشروا ولا تنفروا" متفق عليه. وقد قال لأبي موسى ومعاذ رضي الله عنهما حين أرسلهما إلى اليمن: "يسِّرا ولا تعسرا, وبشِّرا ولا تنفرا" متفق عليه.

وكأن شيخنا رحمه الله قد جعل نصب عينيه تلك الكلمة المضيئة التي قالها الإمام سفيان بن سعيد الثوري – الذي انعقدت له الإمامة في الفقه والحديث والورع - رضي الله عنه, ونقلها عنه الأئمة مثل أبي نعيم في (الحلية), وابن عبد البر في (العلم), والنووي في مقدمات (المجموعات): ((إنما الفقه رخصة من ثقة, فأما التشديد فيحسنه كل أحد)).

ومن الناس في عصرنا من يحسب المتشدد في الفتوى, والمعسر في الفقه: أورع وأتقى عند الله من الميسر على عباد الله, وكأنهم – وللأسف- يتوهمون أن التيسير على الخلق ناشئ من قلة الدين, وضعف اليقين.

مع الميسِّر إنما أطاع الأمر النبوي بالتيسير لا التعسير, والمشدد أقرب إلى الدخول في قوله عليه الصلاة والسلام: "هلك المتنطعون" قالها ثلاثًا, رواه مسلم عن ابن مسعود.

وهو عليه الصلاة والسلام كان أكثر الناس تيسيرًا على أمته, كما يتجلى ذلك في موافقته وفتاويه, وتعامله مع الناس, ومن صفاته: "أنه ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا".

ولو كان ما يظنه هؤلاء صحيحًا, لكان حبر الأمة وترجمان القرآن (ابن عباس): أول من يتَّهم بضعف الدين, لكثرة ما روي عنه من التيسير والترخيص, حتى اشتهر في تراثنا: رخص ابن عباس في مقابلة شدائد ابن عمر, رضي الله عنهم جميعًا.

والشيخ الزرقاء أقرب إلى مدرسة ابن عباس منه إلى مدرسة ابن عمر, وأنا مثله في ذلك, ولعل هذا من الأشياء التي تقربني منه, وتقربه مني.

وأود أن أنبه على أن هناك فرقًا كبيرًا بين التيسير لدى بعض العلماء المعتبرين, والتسيب لدى بعض الدخلاء على العلم, فالتيسير له أسبابه, وله أصوله وقواعده, وله شروطه وضوابطه, أما التسيب, فليس له أصول وضوابط, إلا اتباع الهوى, ومجاراة العصر, والعمل على إرضاء الخلق ولو بسخط الخالق.

ولا غرو أن نجد الشيخ الزرقاء في بعض القضايا ميسرًا, كما في موقفه من (التأمين) و(الخلو), واستخدام الموسيقا لبعض المقاصد في وسائل الإعلام, والتسهيل في بعض المعاملات خارج دار الإسلام كما هو مذهب أبي حنيفة, مثل شراء بيت في أمريكة عن طريق أخذ القرض من البنك الربوي هناك, ومثل فتوى الشيخ للبنك الإسلامي للتنمية منذ عشرين سنة بجواز أخذ ما تجمع له من فوائد لدى البنوك الأجنبية, وقد بلغت أكثر من ستين مليونًا, وصرفها على البلاد الإسلامية الفقير’ والمنظمات الإسلامية المحتاجة, وغير ذلك من الفتاوى التي أوافق شيخنا فيها كل الموافقة.

وفي بعض القضايا يقف كالصخرة الصماء, لا يتزحزح ولا يلين, حتى يكاد يحسبه بعض الناس من الجامدين, وما هو من الجامدين, ولكنها محكمات النصوص هي التي تحدد موقفه, وذلك مثل فتواه في زواج المسلمة بغير المسلم, فقد سد الباب إلى ذلك بقوة, ومثل ذلك جوابه عن محاولة بعض البلديات ضم المقابر الدارسة إلى ملكيتها, وهي أوقاف إسلامية, فأفتى بأنه لا يجوز لأية سلطة وهيئة في دولة إسلامية أن تصدر قانونًا ينقل ملكية المقابر الدوارس إلى البلديات, فصدور قانون من هذا القبيل لا يصلح لتبرير مثل هذا الغصب الحرام لمال جماعة المسلمين, لأن القانون الزمني لا يقلب الحرام حلالًا في نظر الشريعة الإسلامية.

وشرط قبول أي قانون أن يكون مسنجمًا مع قواعد الشريعة ومقاصدها, وغير مصادم لشيء من نصوصها الخاصة والعامة.

ولقد نبهت في بعض ما كتبته: أني وجدت فقهاء الصحابة رضي الله عنهم أكثر الناس تيسيرًا على المسلمين, وتلاميذهم من التابعين لهم بإحسان قريبون منهم, وأتباع التابعين قريبون من التابعين وإن لم يبلغوا مبلغهم بالأحوط على الأخذ بالأيسر, وخصوصًا مع رسوخ التقليد, وقلة الاجتهاد والتجديد.

فإذا كان الشيخ ينهج منهج التيسير, فهو يعود إلى الأصل, ويحيي منهج الأئمة المتقدمين, وسلف الأمة من الصحابة والتابعين.

ولقد رأينا من بعض زملائنا من المشتغلين بالفقه: من يجمد على ظواهر النصوص, ويفهمها فهمًا حرفيًا, ولا ينفذ إلى مقصدها وهدفها, كالذين يوجبون إخراج الزكاة الفطر من الحبوب في المدن الحديثة, برغم أن الفقراء لا ينتفعون بها, فلم يعودوا يطحنون أو يخبزون, وكالذين يمنعون رمي الجمرات قبل الزوال في ثاني وثالث أيام النحر, بالرغم من شدة الزحام, الذي أدى أحيانًا إلى موت الناس تحت الأقدام, وبالرغم من أن ذلك ليس خلاف الإجماع, بل قال به ثلاثة من الأئمة الكبار: عطاء فقيه مكة, وطاووس فقيه اليمن, وأبو جعفر الباقر فقيه أهل  البيت.

بل رأيت من هؤلاء – على فضلهم وإخلاصهم - من يجمد على أقوال الفقهاء السابقين, وعلى ما قعدوه من قواعد, وإن بدا ذلك بوضوح معارضًا لمقاصد الشرع, وروح الدين, وعدل الله في خلقه.

الشيخ الزرقاء وإن كان حنفيًا أبًا عن جد لا يتعصب لمذهبه, بل كثيرًا ما يخرج عنه إذا رأى غيره أرجح من ناحية الدليل, لمراعاته للنص, أو لتحقيقه مقاصد الشرع, ومصالح العباد.

وهو يرى أن الشريعة لا يمثِّلها مذهب واحد, وإنما يمثلها مجموع المذاهب والمدارس الفقهية على اختلاف مشاربها, وتعدد مسالكها, كما يتجلى ذلك بوضوح في عدد من الفتاوى, وهو يرى أن العصبية المذهبية سجن ضيِّق في جنة الشريعة الفيحاء!

وحين سئل عن قضية تتعلق بهدم مسجد وإعادة بنائه وتوسعته, وجعله في الطابق الثاني: اختار مذهب الحنابلة باعتباره أوسع المذاهب الأربعة في ذلك قائلًا: لا يخفى على أحد من أهل العلم أن الأمة غير مكلفة باتباع مذهب بخصوصه من مذاهب الأئمة المجتهدين رضي الله عنهم.

كما اختار مذهب الحنابلة في العقود والشروط, لسعته ومرونته في ذلك.

بل يأخذ أحيانًا بآراء بعض الصحابة والتابعين الذين نقلت آراءهم كتب الآثار والفقه العام, واختلاف الفقهاء.

وللشيخ الزرقاء آراء فقهية سبق بها عصره, عرضها على المجامع الفقهية, ولم تأخذ بها, مثل رأيه في اعتبار الحساب الفلكي في إثبات الأهلَّة والشهور, وخصوصًا: هلال رمضان, وهلال شوال, وهلال ذي الحجة.

ولقد سمعت رئيس المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي يقول له في عمان، وقد رفض المجمع رأيه : هذه المرة الثانية التي يرفض فيها رأي الشيخ الزرقاء بإجماع الأعضاء، وقبل ذلك رفضه مجمع رابطة العالم الإسلامي: فأنت يا شيخ وحيد المَجْمَعَيْن!

وهذه والله مأثرة للشيخ, تُكتب له في سجل مفاخره, فليس الفقيه هو الذي يساير الناس ويردد ما قاله من سبقوه, فما بهذا يحيا الفقه, وتزدهر أحكام الشريعة, بل الفقيه الحق هو الذي يبدع ويجتهد, وإن انفرد وحده بالرأي, وقد كان للإمام أحمد آراء انفرد بها عن الأئمة المتبوعين, نظمت في كتب وشرحت, وعرفت بـ(مفردات المذهب), ولكل إمام مسائل انفرد بها غيره.

على أن رأي الشيخ في الأخذ بالحساب قد وافق فيه رأي المحدث الفقيه العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر رحمه الله, الذي رجح ذلك في رسالته (أوائل الشهور العربية) كما نقلنا عنه ذلك في كتابنا (كيف نتعامل مع السنة النبوية).

إسهامات الشيخ في تقنين الفقه

ومما كان للشيخ الزرقاء فيه جهد مذكور ومشكور: وضع القوانين المستمدة من الشريعة الإسلامية, والفقه الإسلامي.

فقد كان عضوًا في اللجنة التي وضعت القانون السوري للأحوال الشخصية, والذي لا يزال يعمل به إلى اليوم, وهو يشتمل على اجتهادات مهمة, وخطوات إصلاحية.

كما كان رئيس اللجنة التي كلفت – أيام الوحدة مع مصر- وكان من أعضائها: الشيخ حسن مأمون, وشيخ الأزهر بعد ذلك – ووكيل مجلس الدولة فيمصر, وكانت مهمتها وضع قانون موحد لفقه الأسرة.

وقد أنجزت هذه اللجنة بالفعل قانونًا متطورًا, يتضمن كثيرًا من الاجتهادات التي تعالج مشكلات الناس, التي تعج بها المحاكم الشرعية, وقد استقت أحكامها من المذاهب المتبوعة, ومن فقه الصحابة والتابعين والأتباع ممن ليس لهم مذهب مدون, ويعتبرون هذا القانون من أمثل القوانين التي وضعت في فقه الأسرة, إن لم يكن أمثلها, وإن كان مما يؤسف له: أنه لم يوضع موضع التنفيذ, لانهيار الوحدة, وقيام الانفصال. وقد وفق الشيخ في طباعته ونشر أخيرًا, ليمكن الانتفاع به لمن يريد الإصلاح والترشيد والتجديد.

وكان للشيخ إسهام آخر في اللجنة التي اختارتها الدائرة القانونية في جامعة الدول العربية, لوضع مشروع قانون مدني موحد للدول العربية, مستمد من الشريعة الإسلامية, وبذلك تثبت الأمة أصالتها وتميزها واستقلالها الحقيقي, بدل أن تعيش عالة على الآخرين, تستورد ولا تنشئ, وتستهلك ولا تنتج. وكان ذلك في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات وكان الشيخ عضوًا مهمًا فيها, ومتحمسًا لها, وقد وضعت مشروعًا للنظرية العامة كاملة, نصوصًا وتأصيلًا, ومما قدمه الشيخ فيها:

1- الباب التمهيدي عن الحق والالتزام والأشخاص, ويتضمن نظرية التعسف في استعمال الح      ق.

2- الفعل الضار من مصادر الالتزام.

وقد نشرت في آخره نصوص النظرية العامة كاملة.

ثم توقفت الدائرة القانونية عن استكمال هذا المشروع الرائد, كشأننا في مظعم أعمالنا الكبيرة, وهذا ما جعل الشيخ رحمه الله ينشر نصوص النظرية العامة في آخر كتابه (الفعل الضار) كيلا تضيع ثمرات هذا العمل المجيد.

لغة الشيخ

من مميزات الشيخ الزقاء أنه جمع بين العلم والأدب, فقد كان تكوينه الأدبي منذ نشأته تكوينًا عميقًا, فقد قرأ الكتب الأدبية الأصيلة مع والده: من الأغاني للأصفهاني, إلى العقد الفريد لابن عبد ربه, إلى الحيوان والبيان والتبيين للجاحظ, إلى دواوين أبي تمام والبحتري والمتنبي والمعري وغيرهم, وحفظ الكثير الكثير من الشعر الجاهلي والإسلامي.

ولهذا رأينا الشيخ (أدَّب الفقه) أعني أنه أعطاه لغة الأدب, وعذوبة البيان, فخلت كتبه عن (الوعورة) التي يشعر بها من يخوض لجة الفقه, وعن (الجفاف) الذي يحس به من يجتاز قفار مراجعه, ولا سيما كتب المتأخرين ومتونهم, التي بالغت في الإيجاز, إلى حد الإلغاز.

لقد رأينا الزرقاء الأديب يؤثر على الزرقاء الفقيه, أو يتعانقان ويأتلفان, فلا تفرق بينهما, فهو الفقيه الأديب, أو الأديب الفقيه. كما أنه حجة في اللغة, متمكن من نحوها وصرفها ومفرداتها, كما تشهد بذلك ملاحظاته وتعليقاته.

ولا غرو أن تجد في كتاباته الفقهية من روائع التشبيه, ومن ضرب الأمثلة, ومن استخدام الأمثال, وسوق العبارات الرائقة, والجمل الرقيقة, ما لا تجده في مؤلف فقهي.

وقد قال عنه الأستاذ عبد القادر عودة عن كتاب (الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد): إنه لغته قوية تسيل عذوبة ورقة.

وقال الدكتور منير العجلاني في التعريف به: كتاب قوي بمادته, وصاحبه رجل متوقد الذكاء جمع بين الثقافتين: الدينية والقانونية.. قوي بلغته, فالأستاذ الزرقاء فقيه أديب, وأسلوبه في الكتاب يكاد ينسيك صعوبة المادة وجفافها.

وقديمًا قالوا: من ذاق عرف, فلا يعرف سلاسة هذه الكتب وعذوبتها إلا من قرأتها, وعاش فيها, وخصوصًا إذا كان ممن قرأ الكتب القديمة, وعانى من تعقيدها ووعورتها ما عانى.

الشيخ الزرقاء شاعرًا

كرمه الوجيه الأديب السعودي المعروف عبد المقصود خوجه في إحدى (اثنينياته) المشهورة، التي يقيمها بدارته بجدة, ويكرم فيها أهل العلم والأدب, والإبداع والفضل, في حضور جمهور حاشد من المعنيين بالثقافة والأدب.

 وقد اكتشف الأستاذ خوجه، كما اكتشف الجمهور معه في تلك الليلة الحافلة: أن الشيخ الزرقاء له باع طويل في الشعر، وإن غطى عليه الفقه، لهذا عمد الخوجه إلى أن ينشر شعر الشيخ في (ديوان) سماه الشاعر (قوس قزح) لما فيه من ألوان الشعر المتنوعة, وأغراضه المختلفة, أشبه بألوان الطيف التي يحتويها قوس قزح.

وقال الناشر في تقديمه للديوان: وبالرغم من أن الأستاذ الزرقاء بحر في العلوم الشرعية والفقهية والقانونية, إلا أن شعره يتكون من مزيج رائع من مختلف أغراض الشعر.

وقد قسم الديوان إلى عدة أقسام بحيث يشتمل كل قسم على غرض معين, ولا يخلو شعره من طرافة وملاحة وظرف نابع من أصالته, وحبه للناس, ومشاركته لهم في أفراحهم وأتراحهم, بالإضافة إلى شاعريته, التي وظفها لخدمة القضايا الوطنية, التي كانت تشغل الشباب, إبان بواكير حياته الحافلة بجلائل الأعمال.

ويقول الدكتور محمد علي الهاشمي أستاذ الأدب العربي في الرياض: لم يطغ الشعر على قريحة الأستاذ الزرقاء, ولم يستحوذ على اهتماماته العليا إلا بمقدار, ذلك أن الفقه الإسلامي بمسائله الشائكة العويصة, وبحوثه المهمة المتشعبة, كان يمثل بؤرة شعوره, ويملأ بياض أيامه, وسواد لياليه, ويصرفه عن قرض الشعر كما قال لصديقه الأديب الشاعر إبراهيم العظم:

أخذ التفـقه من فؤادي شِعرَه    نغماً ألذَّ لديَّ من قطر الندى

وأعاضـني بثقافة الحق الذي    نادى الإلـه بحـكمه وتوعدا

لا تبغ منـي أن أجيب فإنني    مهما جريت وجدتني دون المدى

دم في فضائلك العلا متفرداً    مني الطروب ومنك غريد شدا

ومن قرأ شعر الزرقاء لمس فيه عاطفة حية, ووجدانًا دافقًا, يتجلى في شعره الوطني إذا تحمس, وفي شعره الديني إذا تحنث, وفي مدحه إذا مدح, وفي رثائه إذا رثى. وقد قدر الله عليه أن يبتلي بمصائب لا يصبر عليها إلا المؤمنون: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ} [البقرة:156].

 لقد فقد زوجتيه ورثاهما, وفقد ابنه الأكبر (نوفل) وهو يتهيأ للسفر ليلقاه في ماليزيا, حتى كان عنوان رثائه (يتّمتني يا نوفل) إن التيتم أن يفقد الابن أباه, ولكنه هنا: أن يفقد الأب ابنه!

لقد كان الشيخ الزرقاء جبلًا من جبال العلم, وبحرًا من بحور الفقه, ولسانًا من ألسنة الصدق, وقبسًا من مشكاة النبوة, وستظل الأجيال تنتفع بعلمه الغزير, وعمله الكبير, وتدعو له. وإني أدعو شبابنا الصاعد من طلاب الدراسات العليا: أن يجعلوا تراثه العلمي الرحب والأصيل مجالًا لأطروحاتهم في كليات الشريعة والحقوق, وفاء ببعض حقه, واستفادة من فقهه, وسيرًا على نهجه.

رحم الله شيخنا مصطفى الزرقاء, وتقبله في الصالحين من عباده, وجزه عن دينه وأمته خير ما يجزي الفقهاء الراسخين, والعلماء الربانيين, اللذين يعلمون فيعملون, ويعملون فيخلصون, ويخصلون فيقبلون, وعوض الله أمتنا فيه وفي أمثاله خيرًا, و{إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ} [البقرة:156].


اترك تعليق