أنبياء.. ويمشون في الأسواق

By :

أنبياء.. ويمشون في الأسواق
أ . د  الريسوني
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وآله وصحبه ومن اتبع هداه، وبعد:
أيها الإخوة والأخوات حفظكم الله وسددكم:
تعلمون جميعا أن الله تعالى بعث الرسل والأنبياء لهداية الخلق وتعليمهم التمسك بالحق. والأنبياء لا يكونون إلا على فترة من الزمن. ولذلك جعل الله مع كل نبي حواريين يناصرونه، وأتباعا يواصلون دعوته ورسالته من بعده. قال نبينا عليه الصلاة والسلام، فيما رواه الإمام مسلم في صحيحه، عن عبد الله بن مسعود رضي الله: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحابٌ يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون. فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل».
وتعلمون جميعا أن نبينا محمدا هو خاتم الأنبياء والمرسلين، فلا نبي بعده ولا رسول بعده. ولذلك صار جميع المسلمين حواريين له وأنصارا لدعوته، كما قال الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ}، [سورة الصف: 14]. وكما قال أيضا {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108]. فكل من آمن به واتبع دينه، يجب أن يدعو بدعوته ويكون نصيرا لها.
والرسل والأنبياء يوصفون بأنهم مبعوثون، فهم لا يقعدون ينتظرون الناس أن يأتوا إليهم ويطرقوا أبوابهم لأخذ ما عندهم، بل هم الذين يذهبون إلى الناس، ويطرقون أبوابهم ويغْشون مجالسهم، ويخالطونهم في أسواقهم وأماكن عملهم، وذلك لأجل تبليغهم ودعوتهم وتعليمهم، والإجابة عن أسئلتهم. ولذلك قال الله عز وجل: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَاكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الاسْوَاقِ} [الفرقان: 20]. وهذا رد على المشركين في استغرابهم كونَ محمد يأكل الطعام ويمشي في الأسواق كعامة الناس، ثم يقول إنه نبي مرسل: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَاكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الاسوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا} [الفرقان: 7[
لقد كان المشركون — من باب المشاكسة والمعاكسة والتهرب — يريدون أو يتصورون ألا يكون الأنبياء والمرسلون إلا ملائكة لا يأكلون الطعام، أو ملوكا لا يمشون في الأسواق. ولذلك قالوا: {مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَاكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الاسوَاقِ }، فجاءهم الجواب من مرسل الرسل سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَاكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الاسْوَاقِ{
والأسواق من أكثر البقاع تجسيدا لواقع المجتمعات وحقيقتها. فالمشي في الأسواق هو مشي في المجتمع وفي واقع المجتمع وفي هموم المجتمع.
ومشيُ الأنبياء في الأسواق — من جهة أخرى — هو تعبير بليغ، جامع لصفات الأنبياء ومنهجهم ومنهج أتباعهم من الدعاة والمصلحين:
– ففيه التواضع العملي،
– وفيه المخالطة والاندماج في الحياة،
– وفيه نبذ الانعزال والانغلاق والترفع،
– وفيه الدخول والمشي في المرافق والشؤون العامة للمجتمع،
– وفيه الاطلاع المباشر على الأحوال، بدون وسائط ولا تقارير،
– وفيه ممارسة أفضل أشكال الدعوة وأنجحها، وهي الدعوة في الميدان،
– وفيه حصول التعارف والتآلف والثقة، وفي الحديث: “… والأرواح جنود مجندة، مَا تعارف مِنْهَا ائتلف، وَمَا تناكر مِنْهَا اخْتلف”.
– وفيه فرصة لتحصيل كثير من الفضائل والحسنات المخصصة للعلاقات والآداب الاجتماعية؛ كتبادل السلام، والمصافحة، والصلة، والتبسم في وجه أخيك، والتناصح، والعفو، والسماحة…
– وفيه تحمّل مساوئ الأسواق، ومجاهدتُـها بالتي هي أحسن؛ فالأسواق عادة هي مرتع للصخب والضجيج والتزاحم والتخاصم والمشاحَّة والأنانية والغش والتدليس والكذب والغفلة عن الله…
وفي الحديث: عن عائشة، وقد سئلت عن أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: “لم يكن فاحشا ولا متفحشا ولا صخابا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويصفح”.
وجاء في بعض الأحاديث: “أن خير البقاع المساجد، وأن شر البقاع الأسواق”.
ومع هذا كله، فإن سيد المرسلين، وسيد الخلق أجمعين، كان يمشي في الأسواق. وكذلك جميع إخوانه الأنبياء والمرسلون.
فإذا كان أشرف الناس، وهم الأنبياء والرسل، يدخلون ويخالطون الناس في أسوأ أماكنهم، فكيف بمن دونهم من العلماء والدعاة؟ وكيف بما هو أحسن حالا من الأسواق؟.
وكأني بالقرآن الكريم قد عبر بالمشي في الأسواق، مع ما هو معلوم من آفاتها وسلبياتها، لينبهنا على أن الدخول والمشي فيما هو أفضل حالا منها، هو أولى وأحرى، وأن المخالطة والمناصحة في البيوت والمجالس والزيارات والمنتديات والإدارات، هي ألزم للدعاة وحـمَلة الرسالات.
وهذا مثل التنبيه الموجود في قوله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن الذي يخالط الناس، ويصبر على أذاهم، أعظم أجرا من المؤمن الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم».
فهذا الحديث يعني بفحواه ومفهومه أن المؤمن يجب أن يكون مخالطا في جميع أحواله، حتى لو كان في ذلك بعض الأذى عليه، فكيف حين تكون المخالطة بفوائدها ومصالحها، ليس فيها أذى؟
ونحن أيها الإخوة والأخوات أمامنا فرص كثيرة لمخالطات وعلاقات طبيعية تلقائية، ليس فيها ضرر ولا أذى يذكر. فكيف نتحاشاها ونفوت اغتنام فضلها وخيرها، وهي لا تتطلب منا سوى كلمة طيبة، أو مناصحة رقيقة، أو مذاكرة هادئة، أم مساعدة ميسورة، أو هدية رمزية، مادية أو معنوية…
ولو قُدّر وحصل لنا، في بعض مخالطاتنا ومشاركاتنا، شيء من الضرر والخسارة والأذى، فنحن مأجورون في ذلك، ومُعَوَّضون عليه من مؤسسة التأمين الشرعي القطعي، التي وعدتنا بالتأمين على جميع المخاطر والأضرار، صغيرها وكبيرها، ظاهرها وباطنها.
بعض الناس — كما تعلمون — ينفرون ويتطيرون إذا فعلوا معروفا وخيرا فأصابهم بسببه ما لا يروقهم. ولربما قرروا ألا يعودوا لمثله أبدا. ولهم في ذلك أمثال وأقوال… وهذا غلط وجهل بسنن الله أولا، وبفضله وحسن جزائه ثانيا.
أيها الإخوة والأخوات حفظكم الله وأيدكم بتوفيقه:
لا دعوة ولا إصلاح بدون مخالطة ومشاركة، وبدون صبر ومصابرة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200[


اترك تعليق