الجمال في القرآن

By :

الجمال في القرآن
 أ د ليلى محمد بلخير

 إن الحديث عن الجمال في القرآن الكريم، يأخذ منعرجا حاسما في حسن انسجامه بين الظاهر والباطن، بالفعل البراعة والإعجاز اللغوي لا يصنع الفارق بمعزل عن الأثر الذي يتركه في القارئ، وتظهر الخاصية الفريدة في الجمال القرآني كونه ليس جمالا شكليا فقط بل يتجاوز ذلك لتأطير المعاني والقيم كظاهرة عامة يحكمها تصور شامل للكون والحياة، قال الله تعالى:{إِنّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ}[البقرة:69] الجمال هو ما يسر أي ما يبهج القلب، معناه عدم التركيز على هيئات أو مواصفات ثابتة بل التركيز على وقعه في النفوس، وما أحوجنا ونحن في شهر الأنوار أن نتذكر هذه القيمة الرفيعة حتى نقبل على قراءة القرآن بقلب متدبر شغوف لأثره المتجدد والخالد. وبالتالي لو تتبعنا الاستعمال القرآني للفظ (جمال)، لوجدناه لم يتجاوز الثماني مرات، وعلى الأغلب في مجال القيم الأخلاقية مثل:{فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ}[الحجر:85]. وذكر في سورة يوسف:{فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ}[يوسف:18]. وأيضا قوله تعالى :{وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً}[المزمل:10]. وفي سورة الأحزاب:{فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً} [الأحزاب:49] ودلالة الجمال في كل هذه المواقف واحدة هي ضرورة التمسك بالذوق واللياقة والرقة الإنسانية في الظروف الصعبة، أي الإحسان في الشدائد والملمات. حقا كيف يكون الهجر جميلا؟ بسلامة الصدر والتخلص من الضغينة، وكيف يكون الصفح جميلا؟ بالسماحة الصافية من الداخل، لا تكون شكلية باللسان والقلب يحمل حقدا دفينا ويضمر شرا مستطيرا، وكيف يكون الصبر جميلا؟ بحسن الظن بالله دائما والحرص على مرضاته بالقدرة على إدارة المشكلات والمحن.
وكيف يكون الطلاق جميلا؟ في هذا الموضع يخص الفراق قبل الدخول ويوجه النص القرآني الرجال للاحسان المادي والمعنوي وتقدير مشاعر المرأة، والتلطف معها وهي في حالة انكسار، بما يجبر كسرها ويرحم ضعفها ويحترم شخصيتها. هل محدودية استعمال القرآن لفظ (الجمال)، معناه تضييق مجالاته وصرفها على المجال الأخلاقي؟ لا أبدا، لأن الظاهرة الجمالية في القرآن كلية وشاملة، ولا يمكن أن تفسر من وجهة شكلية والدليل على ذلك إفساح المجال لتلقي الأثر الذي يخلفه الإحساس بالجمال وهو السرور والسعادة، بدلا من التركيز على ظاهرية الجمال المادي، يقول الله تعالى:{وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ}[النحل:6] ويمكن أن نربط بين الجمال والمنفعة في الحديث عن الماشية التي تفرح قلب صاحبها بالغدو والرواح، أيضا بين المنافع المادية والمعنوية التي يحققها الجمال في موضع واحد قابل للتعميم وهذا الأمر ليس له دلالة سطحية بل عميقة، أكبر من مجرد تلبية ضرورات الطعام الطيب واللباس الأنيق والمركب الجميل والمنزل الفخم، بل هناك أشواق زائدة على الضرورات البيولوجية، إنها في مقدار الفرح والبهجة التي تحدثها في نفسه لا بالفخامة ولا بكثرة المصاريف وشكل البهارج، وبالتالي يمكن جعل الصور الجمالية متغيرة ومتطورة من بيئة إلى أخرى ومن زمن إلى آخر حتى نصل إلى تأكيد فعالية الأثر النفسي الذي يوجه حركة المجتمع نحو الكمال والرقي في الربط بين الجمال والحياة، أي التخلص من كل جواذب الطين المادية وصيحات التوحش والحيوانية، إلى أشواق الروح ونداء الصفاء والسلام والسعادة.


اترك تعليق