"بطولة الإنسان صيام جوارحه عن المعصية في رمضان وبعد رمضان"

By :

د.محمد راتب النابلسي

"بطولة الإنسان صيام جوارحه عن المعصية في رمضان وبعد رمضان"

 لقد كان الصيام من أجل انتصار الإنسان على نفسه ، كي يقودها نحو سعادتها الأبدية ، فقد ركب الملك من عقل بلا شهوة ، وركب الحيوان من شهوة بلا عقل ، وركب الإنسان من كليهما ، فإن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة ، وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان .
 أيها الأخوة ؛ ليست البطولة أن ننتصر على النفس في رمضان ، ثم ننخذل أمامها بقية العام ، ولكن البطولة أن نحافظ على هذا النصر ، على طول الدوران ، وتقلبات الزمان والمكان ، ليست البطولة أن نضبط ألسنتنا في رمضان فننزهها عن الغيبة والنميمة وقول الزور ثم نطلقها بعد رمضان إلى حيث الكذب والبهتان ، لكن البطولة أن تستقيم منا الألسنة ، وأن تصلح فينا القلوب ما دامت الأرواح في الأبدان ، ليست البطولة أيها الأخوة أن نغض أبصارنا عن محارم الله ، وأن نضبط شهواتنا غير المشروعة في رمضان ثم نعود إلى ما كنا عليه بعد رمضان ، إنا إذاً :
﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثاً﴾  [ سورة النحل : 92 ]

 لكن البطولة أن تصوم جوارحنا عن كل معصية ، في رمضان وبعد رمضان ، حتى تلقى الواحد الديان .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ ليست البطولة أن نتحرى الحلال في رمضان خوفاً من أن يرد علينا صيامنا ، ثم نتهاون في تحريه بعد رمضان على أنه عادة من عوائدنا ، ونمط شائع من سلوكنا ، ولكن البطولة أن يكون الورع مبدأ ثابتاً ، وسلوكاً مستمراً ، ليست البطولة أن نبتعد عن المجالس التي لا ترضي الله إكراماً لشهر رمضان ، ثم نعود إليها وكأن الله عز وجل ليس لنا بالمرصاد في بقية الشهور والأعوام ، ليست البطولة أن نراقب الله في أداء واجباتنا وأعمالنا ما دمنا صائمين ، فإذا ودعنا شهر الصيام آثرنا حظوظ أنفسنا على أمانة أعمالنا وواجباتنا .
 أيها الأخوة الأكارم : مثل هذا الإنسان لم يفقه حقيقة الصيام ، ولا جوهر الإسلام، إنه كالناقة عقلها أهلها ثم أطلقوها فلا تدري لم عقلت ولا لم أطلقت ؟ لا يدري لم صام ولا لم أفطر ؟.


اترك تعليق