قصة الحياء في القرآن

By :

قصة الحياء في القرآن/

أ. د. ليلى محمد بلخير

قصة الحياء في  القرآن            

 من أحسن القصص، تختصر التفاصيل وتستجمع القيم، وتوضح الخط الأصيل للذوق السليم المتناسق مع الفطرة الصافية، هي  لطيفة من اللطائف متعلقة بقصة موسى عليه السلام في سورة القصص، قال تعالى:{وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ * وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ۖ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ * فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ۚ فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} تكون البداية مع  خروج موسى عليه السلام من البلد هربا من بطش فرعون وبأمر من الله . وحين وصل ماء مدين، وجد الرعاة مع قطعانهم في زحام شديد طلبا للسقاية، وامرأتان هناك ترقبان من بعيد انصراف الجميع حتى تسمحا لغنمهما بالتقدم جهة النبع، انشغل عليه السلام بأمرهما، ولم يجد حرجا في الإعراب عن  انشغاله، بكل جدية ووضوح، وجاءه الجواب مباشرا وصريحا متناسبا مع طابع الجدية والالتزام، والجميل في اللطيفة، هو عرض شخصية المرأة عرضا واقعيا مقنعا، ليس فيه التشدد ولا الميوعة، ولهذا يمكن مناقشة الموضوع من وجهة جديدة متحررة من تضارب الأقوال حول ضرورة خروج المرأة، أو بقائها في بيتها، المهم  في الأمر أن نتدبر الموقف القرآني الشاخص وكيف  أستدر حياء المرأة الفطري، مروءة الرجل وهمته لمعالجة الوضع الصعب، وكانت النهاية متسقة مع البداية في تظافر عجيب بين جملة (تذودان)، وجملة (تمشي على استحياء) يتجسد الإعجاز البياني في تصوير سمت الأنثى البديعة وتاج الحياء يسير بها ويتحد بخطواتها، ليكون الاطمئنان والهناء مفازة وظفرا لكليهما، وبصورة مقنعة وبهية، بينما في حياتنا المعاصرة نجد افتقارا كبيرا لمثل هذه الصورة المضيئة، نحن نعيش محنة كبيرة وفسادا عريضا، من جراء المبالغة في تفخيم المرأة والاهتمام بفخامتها على حساب طبيعتها مما أدى إلى تراجع أبهى سمة في فطرتها (الحياء)، ومما أدى بخلخلة في النظام الطبيعي، تخلي معظم الرجال عن  سمت الرجولة وقيم النجدة والشهامة والغيرة على المحارم والحرمات، بسبب تخلي معظم النساء عن زينة الحياء، والتمادي في استعراض القوة والسيطرة، وأيضا يمكن تفسير ظاهرة عزوف الرجال الميسورين عن الزواج يعود إلى طغيان الابتذال والميوعة والتنمر لدى معظم النساء للأسف الشديد، والواقع يصدق قولي في الشوارع والحافلات والجامعة والأسواق والمحلات وفي كل مكان، أهل الصفاقة يجدن التصفيق والتكريم، ونماذج العفاف والتقوى تبتعد وتنزوي في زوايا مظلمة وخفية.  واللافت للنظر في  شخصية المرأة في القصة القرآنية أنها منسجمة مع طبيعتها ومع وظيفتها تؤدي أدوارا حقيقية وواقعية، بعيدا عن ما نجده في المسلسلات والروايات التي تعرض صورتها لتزيين المشاهد، مشوهة الملامح والغايات، وأهم هدف قامت بتحقيقه هو تسويغ الميوعة والابتذال ومحاربة (الحياء) بحيث تظهر الفتاة الملتزمة بمظهر غير سوي وغير لائق وكأنها متخلفة بليدة معقدة نفسيا لا تحسن إبراز أنوثتها لجذب الرجال وتعيش وضعا صعبا لأنها منبوذة، وتعرض الفتاة اللعوب المنحرفة، نموذجا للجمال والأناقة واللباقة والشطارة والنجاح في الدراسة والزواج والعمل، وتصورها في معترك المغامرات العاطفية ضحية رقة مشاعرها وإخلاصها للحبيب، وأكبر جريمة أن يمجد الانحراف وتمجد الجريمة، يوجه المتلقي وخاصة المراهقات للولوع بالنماذج المنحرفة والاقتداء بها في اللباس الفاضح والسلوك المشين، وهذا الذي نراه في حياتنا اليومية من تداعيات وانعكاسات، والأمر الذي أفسد مروءة الرجال، وجعل(الحياء) غريبا في بلاد المسلمين .


اترك تعليق