الأستاذ محمد المبارك

By :

الأستاذ محمد المبارك

(1331 – 1402هـ = 1912 – 1981م)

 

في شهر ديسمبر من عام 1981م, الموافق صفر 1402 هـ، توفي العالم والوزير والكاتب والمفكر والداعية والمربي والسياسي الإسلامي المعروف الأستاذ محمد بن عبد القادر بن محمد المبارك الشريف الحسني، في المدينة المنورة، والده عبد القادر المبارك وجده محمد المبارك، وكلاهما من علماء اللغة والأدب.

ولد الأستاذ محمد المبارك في دمشق سنة 1331ه الموافق 1912م.

جمع الأستاذ محمد المبارك في دراسته بين الدراسة النظامية وطلب العلم على المشايخ، فدرس الابتدائية ثم الثانوية في مدارس دمشق، ثم أكمل دراسته الجامعية في جامعة دمشق فدرس في آن واحد في كليتي الحقوق والآداب، وأنهى الدراستين معًا في سنة 1935م، وكان في المساء يدرس على الشيخ محمد بدر الدين الحسيني، وقد استفاد المبارك من علمه، وقرأ عليه النحو والصرف والتفسير والمصطلح والفرائض وأصول الفقه والكلام والبلاغة والحساب والجبر والهندسة، ودرس كذلك على الشيخ سليم الجندي وعلى والده العلامة اللغوي الشيخ عبد القادر علوم اللغة العربية.

وبعد تخرجه في الجامعة السورية، أوفدته الدولة إلى جامعة السوربون في باريس ليدرس في كلية الآداب وفي معهد الدراسات الإسلامية التابع لها ثلاث سنوات، والتقى هناك الأمير شكيب أرسلان، ودرس بالإضافة إلى الأدب العربي والثقافة الإسلامية، الأدب الفرنسي وعصوره وفنونه وأعلامه، ودرس- أيضًا- علم الاجتماع.

تعرف في باريس إلى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وكان يتردد على نواديهم ويتعاون معهم في مجال الدعوة الإسلامية التي كانت أشمل من محاربة الاستعمار والتحرر والاستقلال.

بعد عودته من فرنسا عمل بتدريس الأدب للمرحلة الثانوية بمدينة حلب، ثم دمشق، ودرَّس كذلك في دار المعلمين العليا.

بعد جلاء القوات الأجنبية عن سورية، عين الأستاذ محمد المبارك عضوًا في اللجنة الفنية للتربية ومفتشًا اختصاصيًا لسورية لمادتي اللغة العربية والدين،

 وكثيرًا ما كان يكلف بتفتيش مواد اللغة الفرنسية والفلسفة لعدم وجود مفتشين لهذه المواد يومئذ.

وفي تلك الفترة كُلف بوضع مناهج اللغة العربية والدين للمدارس الثانوية منفردًا، وعمل في ذلك عملًا جادًا استغرق نحو شهرين، أنجز خلالهما وضع مناهج المادتين لجميع سنوات التعليم الثانوي الست.

في عام 1947 رشح نفسه للانتخابات النيابية عن مدينة دمشق تلبية لرغبة رابطة العلماء والجمعيات الإسلامية، وقد انتخب ثلاث مرات عن مدينة دمشق خلال الفترة من 1947 إلى 1958.

كما عين المبارك خلال الفترة من 1949 إلى 1952 وزيرًا للأشغال العامة، ثم وزيرًا للمواصلات ثم وزيرًا للزراعة.

بعد الوحدة بين مصر وسورية، انصرف عن العمل السياسي إلى العمل الجامعي العلمي، وفضَّل التدريس والكتابة وإلقاء المحاضرات، ليرفع مستوى الوعي الإسلامي العام عند الجماهير الإسلامية.

تولى عمادة كلية الشريعة في جامعة دمشق وذلك بعد عميدها الأول الأستاذ الدكتور مصطفى السباعي.

عمل الأستاذ المبارك بعدة جامعات عربية منها جامعة أم درمان الإسلامية في السودان أستاذًا ومشاركًا في التخطيط ورئيسًا لقسم الدراسات الإسلامية، ودرس كذلك في كلية الحقوق بجامعة الخرطوم مادة السياسة الشرعية.

وعُين أستاذًا ورئيسًا لقسم الشريعة والدراسات الإسلامية في كلية الشريعة بمكة المكرمة، وكان قد اشترك في وضع خطتها وبعض مناهجها، ثم عُين أستاذًا باحثًا ومستشارًا في جامعة الملك عبد العزيز بجدة، وفي أثناء تلك الفترة عمل أستاذًا زائرًا في الجامعة الأردنية.

وبقي يمارس التدريس في الجامعات حتى وفاته.

كان الأستاذ المبارك عضوًا في مجمع اللغة العربية (المجمع العلمي) بدمشق، وعضوًا في المجلس الأعلى الاستشاري في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.

كان للأستاذ المبارك نشاطه الدعوى ومحاضراته في مدن سوريا وقراها، شارك في عدد من الجمعيات الإسلامية، فكان أول رئيس لجمعية الشبان المسلمين في دمشق، ولما أسس الدكتور مصطفى السباعي مدرسة الدعوة في دمشق كان المبارك يحاضر فيها هو والسباعي وثلة من الأساتذة المرموقين.

والأستاذ المبارك من مؤسسي جماعة الإخوان المسلمين في سورية، وكان يمثلهم في البرلمان السوري، وكان الساعد الأيمن للسباعي ومستشاره السياسي والتنظيمي والاجتماعي.

وبعد أن غادر سورية بقي المبارك على صلات طيبة مع الإخوان فكان مع الإخوان السوريين حيث يوجد إخوان سوريون، وكان مع الإخوان في سائر الأقطار التي يزورها أو يقيم فيها، يقدم لهم إرشاداته ونصائحه، ويعطيهم تجاربه العلمية التي اكتسبها طوال عمره السياسي والتنظيمي. وكان له دور في ترشيد الحركة الإسلامية، وتقديم النصح والمساعدة المادية والمعنوية من خلال عمله.

الأستاذ المبارك أحد كبار العلماء السوريين, المجدّدين المعتدلين, الذين تتجلَّى في إنتاجهم الأصالة التي تُعبِّر عن ذاتيَّة الأمة, ورسالتها الإسلامية, والمعاصرة التي تعرف الغرب وثقافته ومدارسه المختلفة, نظرًا لمعرفته بالفرنسية.

تعرُّفي على الأستاذ المبارك:

عرفت الأستاذ محمد المبارك صورة واسْمًا (صورة شمسية طبعًا) في سنة 1948م, في سجل التعارف الإسلامي, في صفحة من صفحات مجلةٍ عزيزة علينا, كانت تصدر في مصر اسمها (الشهاب), صدر منها خمسة أعداد فقط, ثم ذهب صاحبها ومؤسِّسها بيد الغدر, مؤسسها هو الإمام الشهيد (حسن البنا), مؤسس كبرى الحركات الإسلامية الحديثة في هذا الشرق العربي.

في مجلة الشهاب كان (سجل التعارف الإسلامي), وكانت صورة، وكان اسم, بل كانت صور وأسماء لعدد من الرجال العاملين في الحقل الإسلامي, وفي الفكر الإسلامي, في العالم الإسلامي, كان منهم اسم محمد المبارك ورسمه.

ثم ظهرت بعض مؤلفات وبحوث للأستاذ محمد المبارك, فازددنا تعرفًا عليه وإعجابًا به وحبًّا له, ثم جمعتنا به الظروف فيما بعد في مصر, فازددنا إعجابًا به وتقديرًا له, وعرفنا أنه من خيرة الرجال.. نقول ذلك ولا نزكّي على الله أحدًا.

فهناك من الأشخاص من تسمع عنهم, فإذا لقيتهم زهدتَ فيهم, لكن الأستاذ المبارك كان معنا كما قال الشاعر قديمًا:

كانت مُحَـادَثـةُ الرُّكْبان تُنْبِئُنا عن جابر بن ربَـاح أطيبَ الخَبر

حتى التقينا فلا والله ما سمعتْ أُذني بأحسَنَ ممَّا قد رأى بَصَري

تقريره عن كتابي (الحلال والحرام)

ثم عرفته أكثر حين أحال إليه أستاذنا الدكتور محمد البهي المدير العام للثقافة الإسلامية بالأزهر الشريف مسودة كتابي (الحلال والحرام في الإسلام) ليكتب تقريرًا عنه يتضمن رأيه فيه: هل يصلح أن يتبنَّاه الأزهر ليترجم إلى اللغة الإنجليزية أم لا؟ وإنما اختاره الدكتور البهي لمعرفته بالثقافة الغربية والعقلية الغربية، بجوار ثقافته الإسلامية, وبهذا يملك القدرة على معرفة مدى صلاحيَّة الكتاب لمخاطبة الغرب.

وقد كتب تقريرًا متميِّزًا عن الكتاب, قال فيه: إنَّ المؤلف توخَّى فيه الاعتدال في أحكامه.

وقال: إنَّ الكتاب جيد في بابه, ضروري في موضوعه, وإذا استدركت فيه بعض الملاحظات، كان خير كتاب في هذا الموضوع فيما أعلم.

وقد كان له بعض أسئلة واستفسارات سألني عنها, وأجبته عنها, وبعض أشياء ناقشني فيها, سلَّمت له ببعضها وعدَّلته, وبعضها سلَّم لي بها.

اجتماعي به مع الدكتور السباعي

ثم شاء الله أن يزور مصر, وأن يجمعني به الدكتور البهي, ويعرِّفني عليه, ويعرِّفه عليَّ, وكان هو مع علَّامةِ سوريةَ الأستاذ الشيخ الدكتور مصطفى السباعي, وقد صنع لهما الدكتور البهي حفل شاي تكريمًا لهما, وأبى فضله إلا أن أحضر معهما, برغم حداثة سنِّي, ودنوِّ مرتبتي الوظيفيَّة, وقد أهداني السباعي كتابه (السنة ومكانتها في التشريع).

ومن اللطائف: أني حين لقيت الأستاذ المبارك بعد ذلك في إحدى زياراته للقاهرة في أيام الوحدة مع سوريا، أخبرني بقصته مع كتابي، قال لي: كنت أقرأ مسودة الكتاب، فيعجبني تناوله للموضوع، وبيان الحكم والحكمة، وربطه بتعاليم الإسلام العامة، فأقول في نفسي: هذا الشخص واعٍ فاهم لما يكتب، ولكن الغريب أنه غير معروف، وكان شقيقي مازن المبارك يحضّر الدكتوراه في جامعة القاهرة، فعاد يوما إلى دمشق، فسألته: هل تعرف شخصا اسمه يوسف القرضاوي؟

قال: كيف لا أعرفه، وكم صليت وراءه الجمعة في جامع الزمالك بالقاهرة؟ وهو كذا وكذا وكذا؟ وظل يعدد لي من مناقب القرضاوي ما لم أكن أعلمه.

قلت له: الآن زدتني اطمئنانا إلى هذا الشخص الذي قرأت له ما عرفت به أني قد تعرفت على عالم جديد له مستقبله إن شاء الله.

 

محاضرته في قاعة محمد عبده (نحو وعي إسلامي رشيد)

وبعد ذلك توثَّقت علاقتي بالأستاذ المبارك, بمناسبات شتى, وأول ما لقيته بعد ذلك بمناسبة محاضرته التي ألقاها في قاعة الشيخ محمد عبده, وكانت بعنوان: (نحو وعي إسلامي رشيد).

كلمته في كتابي (فقه الزكاة):

ومما لا أنساه للأستاذ المبارك ما كتبه عن كتابي (فقه الزكاة) في تقديمه كتابه عن (نظام الاقتصاد) الذي قال في تقدير منه:

(ومن الكتب الحديثة ما هو خاص بموضوع مُعيَّن, ومن هذا النوع كتاب (فقه الزكاة) للأستاذ يوسُف القَرَضاوي, وهو موسوعة فقهيَّة في الزكاة, استوعبت مسائلها القديمة والحديثة, وأحكامها النصيَّة والاجتهاديَّة، على جميع المذاهب المعروفة المدوَّنة, لم يقتصر فيها على المذاهب الأربعة, مع ذكر الأدلة ومناقشتها. وعرض لما حَدَث من قضايا ومسائل, ومع نظرات تحليليَّة عميقة.. وهو بالجملة عمل تنوء بمثله المجامع الفقهية, ويُعتبر حَدَثًا هامًّا في التأليف الفقهي.. جزى الله مؤلفه خيرًا).

استدعاؤه لجامعة قطر:

وبعد انتقاله إلى المملكة العربية السعوديَّة, ثم بعد أن أُسِّست جامعة قطر, استدعاه الأستاذ الدكتور محمد إبراهيم كاظم مدير جامعة قطر, ليلقي محاضرات في علم الاجتماع, من وجهة نظر إسلامية, فألقى محاضرات ضمَّها كتابه: (نحو مجتمع إسلامي معاصر).

تقديمي لمحاضرته عن (الإسلام والتنمية الصناعية):

وفي هذه الفترة ألقى محاضرته عن (الإسلام والتنمية الصناعية)، وقد وكَّل إليَّ الدكتور كاظم أن أتولّى تقديمه. وكان تقديمي المرتجل هو الذي قامت أسرة الأستاذ المبارك– رحمه الله تعالى- بتفريغه, وقدَّمت به كتابه : (الإسلام والتيَّارات الفكرة العالمية).

وفي هذا قلت:

(فيسعدني في هذه الليلة الطبية أن أقدِّم إليكم, بالنيابة عن هذه الكلية الفتية, وعن اللجنة الثقافية بها, عَلَمًا من أعلام الفكر الإسلامي المعاصر, ورجلًا من رجالات العلم والدعوة إلى الإسلام, ذلك هو الأستاذ الكبير: محمد المبارك.

والأستاذ محمد المبارك غنيٌّ عن التعريف, ولكن جَرَت العادة أن يقدِّم المقدِّم كل محاضر بنبذة عن حياته.

جمعه بين الثقافتين الدينية والمدنية

الأستاذ المبارك من الذين جمعوا بين الثقافتين, وهذا هو العنصر المفقود الذي نشكو من ندرته, بل من فقدانه في حياتنا.

هناك أناس درسوا دراسة مدنية, وهناك أناس درسوا دراسة دينية, وبين الطائفتين فَجْوة أو جَفْوة, ولكنْ قليل من الناس من جَمَع بين الدراسة الدينية وبين الدراسة المدنية, من جَمَع بين القديم والحديث, بين علم الشرق وثقافة الغرب.. أحد هؤلاء كان الأستاذ المبارك, فقد درس على الطريقة القديمة, درس تلقائيًا على الشيوخ, على الحلقة, درس على والده اللغوي الكبير العلامة الشيخ عبد القادر مبارك رحمه الله, فهو والحمد لله من أسرة علمية دينية, حيث كان والده وكان جدّه من علماء دمشق المعدودين.

دراسته ووظائفه:

ودرس على كبار الشيوخ في دمشق علوم الدين واللغة, ثم درس الدراسة النظامية في المدارس الابتدائية والثانوية, ثم درس في الجامعة, حيث تخرج في كلية العلوم ومدرسة الآداب العليا في سنة 1935م, ثم ذهب إلى باريس حيث بقي هناك ثلاث سنوات, فعاد منها بعد أن تخرَّج في جامعة السوربون في الأدب والاجتماع, وعاد من يومها يعمل في حقل التربية والتعليم في المدارس الثانوية, مفتِّشًا وعضوًا في اللجان الفنيّة المختصّة بالمناهج الخاصة بتدريس الدين واللغة العربية.

ثم انتقل بعد ذلك سنة 1948م إلى الجامعة, حيث عمل مدرسًا بها, وعمل في كلية الشريعة من يوم تأسيسها برتبة أستاذ, ورئيسًا لقسم الأديان ومقارنة المذاهب ثم عميدًا لكلية الشريعة.

ثم انتقل من سورة إلى بلاد عديدة, حيث عمل في جامعة أم درمان الإسلامية في الدراسات الإسلامية, كما عمل في جامعة الملك عبد العزيز أستاذًا ومستشارًا, وعمل في كلية الشريعة بمكة أيضًا لقسم الشريعة.

مشاركته في التخطيط التربوي:

وأسهم بنصيب ملحوظ في التخطيط التربوي, وفي العمل في المناهج والخطط التربوية فيما يتعلق بالدين واللغة والأدب في الثانويات الشرعية في سورية, وفي الثانويات العامة, وفي كلية الشريعة, في الأزهر– في عهد التطوير- وفي جامعة أم درمان الإسلامية, وفي كلية الشرعية بمكة, وفي الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة, وفي المعهد العالي بالرياض, في كل هذه المواطِن: كان الأستاذ مبارك أحد الذين شاركوا في التخطيط والتوجيه والتأثير.

وقد اختير عضوًا في المجلس الأعلى للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة منذ إنشائها, كما أنه عضو بالمجتمع العلمي العربي بدمشق.

لا أريد أن أحدِّثكم عن الأستاذ المبارك نائبًا لدمشق، أو وزيرًا تولَّى الوزارات المختلفة, فالجانب السياسي لا يهمّنا كثيرًا في هذه الأمسية, إنما يهمّنا الجانب العلمي, ويهمّنا جانب النشاط الإسلامي..

عمله في حقل الدعوة الإسلامية:

الأستاذ المبارك منذ ريعان الشباب كان يعمل في حقل الدعوة الإسلامية, وحينما ذهب سنة 1935م إلى باريس كان مهتمًّا بالدعوة إلى الإسلام, وبالتيارات المعادية للإسلام, ويخاصة الشيوعية. كان يحضر مؤتمرات الشيوعيين, ويندسُّ فيهم على أنه واحد منهم, وقد يظهر الموافقة على مقرَّراتهم، حتى يعرف ما لديهم, فالإنسان لا يستطيع أن يحارب عدوًّا حتى يعرف ماذا عنده.

اشترك بنشاطه في رابطة علماء دمشق, واشترك في تأسيس عدد من الجمعيات الإسلامية, وكان له دور ملحوظ في العمل الإسلامي، وفي الدعوة الإسلامية في سورية.

هذا هو الأستاذ محمد المبارك كعالم وكداعية وسياسي.

وأحب أن أتحدّث عن الأستاذ المبارك كمفكّر. الحقيقة أنا قد نجد كثيرًا من الناس وعّاظًا أو دعاة, لكننا قلّما نجد الداعية العالم المتمكِّن, وقد تجد الداعية العالم, ولكنك قلّما تجد العالم المفكر الذي يفكر للإسلام ويفكر بالإسلام, أي يفكر بمنطق الإسلام, وبمنطق من أصوله ونصوصه وروحه العامة, لكنّنا نحمد الله تعالى أن كان الأستاذ المبارك أحدَ الذين يفكرون بالإسلام ويفكرون للإسلام, وهكذا عاش لهذا الدين وعاش بهذا الدين.

هو أحد العقول القلائل في هذا العالم الإسلامي التي تفكِّر بالإسلام وتفكر للإسلام, ولو أحببنا أن نعُدَّ عشرة عقول في العالم الإسلامي تفكر للإسلام وبالإسلام، لكان الأستاذ المبارك من ألمعها, ونحمد الله على ذلك.

نظرته الشمولية للإسلام:

إنَّ من خصائص تفكير الأستاذ المبارك النظرة الشمولية للإسلام. إنَّ عيبَ كثيرين أنهم يأخذون الإسلام مُجَزًَّا, يأخذون جانبًا وينْسون جانبًا، أو جوانب, ولكن الذين وفّقهم الله، هم الذين ينظرون إلى الإسلام من جميع جوانبه, لا يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض, إنما يؤمنون بالكتاب كلِّه, وبالإسلام كله, فالإسلام وحدة لا تتجزأ, الإسلام كلٌّ شامل.

اقتراحه تدريس مادة (نظام الإسلام) في الجامعات:

وهذه هي نظرة الأستاذ المبارك, وعلى هذا الأساس كان يتبنّى في كل ما شارك فيه من مناهج التربية في الجامعات الإسلامية والعربية.. كان يتبنَّى فكرة تدريس مادة اقتراح أن تُسمّى (نظام الإسلام), مادة يدرَّسُ فيها الإسلام كله، كوحدة لا تتجزأ, اقترح ذلك في جامعة الأزهر, وفي جامعة أم درمان, وفي الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة, وفي جامعة الملك عبد العزيز, واقترح ذلك في كل جامعة شارك فيها.

مادة نظام الإسلام: أن يُنظر إلى الإسلام كلِّه شاملًا, ويُدرس على هذا الأساس.

وهو قد شارك في هذا، وألّف في هذا بالفعل, وقد نال تأليفه في هذا الموضوع إعجاب كثيرين من أهل الشرق والغرب, وحتى من المستشرقين أنفسِهم على قلَّة المنصفين منهم.. هذه النظرة الشاملة يتميَّز بها تفكير الأستاذ المبارك, ومؤلفات الأستاذ المبارك.

اعتداله وتوازنه:

كذلك يتميز الأستاذ المبارك بالاعتدال, والتوازن.. إنه يجتهد أن يحكم بين المختلفين بالقسط, ولا يقف مع طرف ضدَّ طرف آخر.. إنه يحاول أن يقف الموقف الذي وصف الله به أمة الإسلام: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة:143].

إنه في المواقف التي يقف الناس فيها عادة كلٌّ منهم في طرف يحارب الآخر, كمعارك الصوفية والسلفية, أو المذهبية واللامذهبية.. أو غير ذلك, نجده يقف الموقف المعتدل، الذي ينبع من روح الإسلام, ومن فلسفة الإسلام, فلسفة الوسطية في الإسلام, وفلسفة التوازن في الإسلام.

دعوته إلى تسليف الصوفيين وتصويف السلفيين:

ومن كلماته اللطيفة التي سمعها منه أخيرًا أن يقول مع جماعة الصوفيين وجماعة السلفيين: (إن منهجي هو تسليف الصوفيين، وتصويف السلفيين). أي: إن هناك بعض السلفيِّين فيهم نوع من الجفاف الروحي, وهناك كثير من الصوفية أيضًا فيهم من التخريف والبعد عن العقائد الصحيحة, فلا بدَّ من قَدْر مشترك, لا بدّ من أن تطعَّم الصوفية بالسلفية المعتدلة المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله, ولا بدَّ أن تطعّم السلفية بقَدْر من الروحانيَّة المُشرقة المعتدلة. وهكذا كان شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيّم, فهؤلاء لم يكونوا مجرَّد أناس مجادلين في العقائد, بل كانوا ربَّانيين, أهل روحانية وإشراق.

على هذا المنهج سار الأستاذ المبارك, وأصدر بضعة عشر مؤلفًا, وما زال والحمد لله مستمرًّا في تأليفه.

ونسأل الله تعالى أن يبارك في عمره, وأن يؤيده بروح من لدنه, حتى نرى منه الكثير الطيّب.

أيها الإخوة: إنها فرصة طيبة أن نستمتع ونسعد بالأستاذ المبارك أستاذًا زائرًا لهذه الكلية, ومحاضرًا في هذه الليلة الطيبة, ونافعًا دائمًا ومباركًا كاسمه.. نسأل الله أن ينفع به, وأن يعزّه ويعزّ به, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته).

كانت هذه كلمتي التي ارتجلتها في تقديم الأستاذ المبارك في محاضرته بكلية التربية في قطر. رحمة الله.


اترك تعليق