في قاعة المحكمة ...

By :

 

   في قاعة المحكمة ...

توفيق محمد

   يوم الأربعاء الأخير انتهت جلسة إضافية من جلسات ملف الشيخ رائد صلاح في محكمة الصلح في مدينة حيفا، والذي دخل منذ مدة مرحلة التحقيق المضاد من قبل النيابة مع الشيخ رائد صلاح، وفي هذه المرحلة، والتي سبقتها، وهي تحقيق الدفاع مع الشيخ رائد صلاح، وضع الشيخ لأول مرة رواية دينية وتاريخية وثقافية ورؤيوية للصراع في مسائل الدين العقيدة والمفاهيم والثوابت التي تسعى النيابة الإسرائيلية الى تجريم بعضها وتحريمه عبر محاكمة الشيخ رائد صلاح، لكنه صدع بها واضحة قوية في قاعة المحكمة قائلا أنا لم آت الى هنا للدفاع عن نفسي إنما جئت للدفاع عن الثوابت والمبادئ الإسلامية التي تسعى نيابة إسرائيل الى تشويهها وطمسها ومنعها.ا

   ورغم أنها كمن يطحن الماء لم تكتف النيابة الإسرائيلية بجلسة أو اثنتين أو ثلاث أو أربع للتحقيق المضاد، إنما على وشك أن تبدأ الجلسة الخامسة في 14.7.2019 لإطالة أمد المحكمة أكثر فأكثر، والإبقاء على الشيخ مغيبا عن جمهوره وعن شعبه وعن قضاياه أطول فترة ممكنة عبر سجنه الفعلي في المرحلة الأولى التي بلغت 11 شهرا، ثم عبر سجنه البيتي المتواصل الى الآن لتصل فترة تغييبه حتى الآن الى 21 شهرا، وواضح منذ البداية أن النيابة تبحث عن مسوغات قانونية لقرارها بإدانة الشيخ رائد صلاح بتهمة أو تهم تغيبه عبرها في السجن وتبعده عن مواقع التأثير السياسي والدعوي والقيادي في أوساط مجتمعه وشعبه.

    قال القاضي للنيابة التي تسعى للإطالة والإطناب أن المحكمة العليا حددت مدة ثلاثة أشهر للانتهاء من الملف، وأنه سيعمل للالتزام بذلك.

  يتحلى الشيخ بثقافة عالية جدا سواء كانت ثقافة دينية أو عربية (اللغة العربية) أو سياسية أو ثقافات عامة، ولذلك كان يُطَّعِمُ شهادته في غالب الأحيان بأدلة وقرائن مفحمة ومدعمة بالإثبات العلمي الموثوق، وهو ما كان يجعل شهود النيابة في كثير من الأحيان يقرون بما يقوله، وكان وما يزال يدعم شهادته التي تعتبر وثيقة تاريخية بالقصص والروايات من القضاء الإسلامي، ومن قضاء الرسول صلى الله عليه وسلم، الأمر الذي كان يسترعي اهتماما وانتباها خاصا من القاضي، فالقضاة غالبا ما يكونون هم أيضا من أصحاب الثقافات العالية ، ولذلك كان القاضي أحيانا يسأل الشيخ في هذه المفاصل، وكنت تشعر أنك تخرج من دائرة الملف المتداول، وهو اتهام الشيخ الباطل بالتحريض على العنف، الى فضاء فكري يتحدى القضاء الاسرائيلي، ويتعمد الشيخ، وفق حدسي، إقراره وإثباته في سجلات القضاء الإسرائيلي الذي لم يكن منصفا معه في كل الملفات التي لوحق بها منذ سنوات الثمانينيات وحتى الملف الأخير الذي أدين به وسجن بسببه تسعة أشهر (8.5.2016- 18.1.2017) وهو الملف المشهور بملف وادي الجوز، وللتذكير فقط في هذا الملف والذي أدانته فيه عليا القضاء الإسرائيلي بالتحريض على العنف والكراهية وحكمت عليه بالسجن تسعة أشهر، كان نفس الطاقم الذي أدانه قد برأ كتبة كتاب "شريعة الملك" الحاخام يتسحاق شابيرا والحاخام يوسيف اليتسيور في جلسة سابقة لجلسة إدانة الشيخ وللتذكير مرة أخرى فإن  كتاب "شريعة الملك" يتطرق الى طبيعة علاقات اليهود مع الأغيار، وفيه يجيز الكاتبان قتل الطفل الفلسطيني لأنه سيكبر ويصبح "مخربا" وغير ذلك الكثير من التحريض الصريح والواضح.

  أعتقد أن استحضار القصص من القضاء الإسلامي، وبالذات من قضاء الرسول صلى الله عليه وسلم، لم يكن بهدف الترف الفكري بقدر ما كان يحمل رسالة هامة ومقارنة بين القضاء الإسلامي وبين غيره من القضاءات، بين العدل في القضاء الإسلامي وبين ما يتعرض له الشيخ في المحاكم الإسرائيلية من تعسف النيابة الإسرائيلية في ملفه، لا أعتقد أنه وَجِلٌ من إدانة مستنكرة في حال حدثت لأن كل وقائع الجلسات توحي بأننا أمام ملف تحاول فيه النيابة الإسرائيلية تلفيق وحياكة– نعم تلفيق وحياكة تهمة ليس أقل من ذلك- للشيخ، وتحاول أن تجد أسبابا قانونية لقرار اتخذته بإدانة الشيخ وتغييبه أطول فترة ممكنة عن فضائه المحلي والإقليمي والدولي، ولكن الشيخ كما قال هو بنفسه فإنه يدافع عن قيم وثوابت الدين التي تسعى النيابة الإسرائيلية الى تجريمها، ولذلك فهو يدافع عنها بكل ما أوتي من قوة .

   من يجمعهم سقف الغرفة التي يتم تداول الملف فيها يسعى كل منهم لإثبات موقفه، فالنيابة ورغم قناعتها بأنها تكثر من طحن المياه في هذا الملف، فإنها تنفذ قرارا اتخذ على مستويات أخرى في الدولة لتغييب الشيخ عن واقع مجتمعه وشعبه وأمته وهي تسعى جاهدة لتنفيذ ذلك بكل ما أوتيت من حيل وخدع وأدوات قانونية وفرها لها القانون الإسرائيلي الذي بات اضطهاديا بامتياز والقادم أسوأ من الحالي، فالمُشَرِّعُ الإسرائيلي القادم من اليمين المتطرف بات يهدد العليا الاسرائيلية وبات يهدد حتى أصحاب القناعات والرؤى الأخرى من المجتمع الإسرائيلي الذين لا يتوافقون مع قناعاته فما بالك بغيرهم.

   وطاقم الدفاع الذي يضم محامين متميزين ورائعين ويضم الشيخ نفسه وهم مجتمعون بارعون في دفع كل التهم والشبهات التي تحاول النيابة استحضارها لإدانة المفاهيم والقيم الإسلامية التي تسعى لإخراجها من الحيز العام في الدولة وتجريمها عبر إدانة الشيخ رائد بتهم باطلة تطال تلك المفاهيم والقيم.

  جلسة الأربعاء الأخير كما سابقاتها برزت فيها النيابة بـ "استماتتها" و "استلحامها" لانتزاع ما يمكن من خلاله إدانة مفاهيم الشهادة والرباط في الإسلام فخلال ثلاث ساعات عملت ممثلة النيابة جاهدة وبكل أسلوب ممكن وبكل طريقة متاحة تحصيل ما يمكن من خلاله نزع الشرعية عن مصطلحي الشهادة والرباط، وتحديد مفاهيمهما بالمعنى الذي تريد هي أن يسود الفضاء العام ولكن الشيخ برع في الذود عن ثوابت الدين والعقيدة في هذا المجال واستحضر المعاني الإسلامية الراقية من بطن التاريخ ومن أصول العقيدة، فكنت أمام معركة فكرية حامية الوطيس يدافع فيها الشيخ عن الثوابت معتبرا ان التنازل في ثابت من ثوابت الدين أيا كان هذا الثابت فانه تنازل في الدين كله، وكانت يد الشيخ فيها هي الأطول.

  "انتم من خلال ملاحقة المفاهيم الثقافية والفلكلورية والدينية للآخر تفرضون "غيتو" ثقافي، لا شك ستكونون انتم الخاسرين فيه" قال الشيخ في إحدى أهم الجمل التي قيلت في جلسة الأربعاء، ربما يكون لنا عودة إليها في مقال لاحق، لكن هذه الجملة تدلل على السياق الفكري العميق الذي من خلاله يدير الشيخ وطاقم دفاعه المتميز دفاعه في هذه المحاكمة.

  والقاضي في هذا الملف حقيقة أمام قرار تاريخي بالذات وهو يقف أمام تفنيد كل بنود الإتهام واحدا تلو الآخر وأمام انهيار لائحة الإتهام، وأمام الأمثلة الكثيرة التي استحضرها له الشيخ من القضاء الإسلامي المتميز، فالإدانة في حال حصلت ستضع القضاء الإسرائيلي في مواجهة القيم والثوابت الإسلامية، وستنقل الصراع الديني حقيقة وواقعا الى ساحة القضاء الإسرائيلي بعد اذ كان في مواقع السياسة والممارسات الحكومية.


اترك تعليق