الإمام أبو الأعلى المودودي

By :

الإمام أبو الأعلى المودودي

أمير الجماعة الإسلامية في باكستان

(1321 - 1399هـ = 1903 - 1979م)

أبو الأعلى بن أحمد حسن مودودي، أمير (الجماعة الإسلامية) في باكستان والهند، ومؤسسها، وصاحب الكتب والرسائل التي قرأها المسلمون بلغات شتى، ولد في الثالث من رجب سنة 1321هـ = 1903م في أورنج آباد في حيدر آباد، وتلقى تعليمه على يد والده، الذي كان تفرغ أواخر حياته للعبادة والتنسك، فتعلم القرآن والعربية والحديث والفقه والفارسية، وترأس جريدة (مسلم) الأسبوعية التي كانت تصدر في العاصمة، وفي عام 1932 بدأ إصدار مجلة (ترجمان القرآن) الشهرية، التي أصبحت الوسيلة الرئيسية، لتوجيه مسلمي شبه القارة الهندية، في عام 1399هـ، منح جائزة الملك فيصل تقديرًا لجهوده وتضحياته في خدمة الإسلام.

لقائي الأول بالعلامة المودودي: 

في سنة (1960م) زار مصر الأستاذ الكبير العلامة أبو الأعلى المودودي، وكان يكتب تفسيره الشهير (تفهيم القرآن)، وكان يجتهد أن يتعرف على الأماكن التي ذكرت في القرآن في مواقعها، ومنها (مصر)، التي ذكرت في القرآن خمس مرات، ومنها: الطور أو طور سيناء، أو طور سينين، وهل يمكن معرفة أين فلق البحر بعصا موسى؟ وأين مجمع البحرين؟ وأين أرض التيه؟ إلى غير ذلك من الأماكن التي ذكرت في القرآن، ولها علاقة بمصر، وقد سافر الشيخ إلى سيناء وغيرها من بلاد مصر.

وكان من برنامج الإمام المودودي: زيارة الشيخ شلتوت شيخ الأزهر، والعالم المجدد في فتاواه وبحوثه، والدكتور محمد البهي، المعروف بوقوفه في وجه الملاحدة والماديين والعلمانيين والمستشرقين.

وأذكر أني صحبت المودودي، بأمر أستاذنا محمد البهي؛ لأمرّ به على إدارات الأزهر المختلفة، وكان ممن مررنا بهم: مدير مجلة الأزهر الأستاذ أحمد حسن الزيات، الأديب المعروف، ومؤسس مجلة (الرسالة) التي كانت المجلة الأدبية الأولى في العالم العربي. وكان مما فاجأني به: أني لما قدمت الأستاذ المودودي إلى الأستاذ الزيات، وجدته لا يعرف عنه أي شيء! فوقفت أشرح له مكانة الأستاذ المودودي مؤسس (الجماعة الإسلامية) في باكستان والهند، وصاحب الكتب والرسائل التي شرَّقت وغرَّبت، وتُرْجِمَت إلى لغات شتى في أنحاء العالم، ومنها إلى اللغة العربية، وأن له مواقفَ كذا وكذا.. وأنا في خجل أن يكون مثقف كبير في مصر مثل الزيات لا يعرف عن المودودي وجماعته شيئًا. وكان مع المودودي الأستاذ عاصم حداد، مترجم كتبه إلى العربية.

وقد قابل المودودي في زيارته تلك الشيخ شلتوت في مكتبه بالأزهر، ورحَّب به الشيخ شلتوت كثيرًا، وأشاد بفضله ومنزلته في تجديد الفكر الإسلامي، وكان الشيخ شلتوت قد علق في إحدى مقالاته على رسالة (نظرية الإسلام السياسية) للأستاذ المودودي، وقد أودعناها كتابه (من توجيهات الإسلام)- الذي قمت بجمعه من مقالاته المتفرقة هنا وهناك، أنا وأخي أحمد العسال- ودعاه الشيخ شلتوت إلى زيارته في بيته، ومن الجميل أن الشيخ شلتوت عند زيارته له طلب منه أن يفسر له سورة الفاتحة، وحاول المودودي أن يعتذر فأصر الشيخ، وفسرها الضيف تفسيرًا مختصرًا جميلًا. وهذا من أدب العلماء الكبار بعضهم مع بعض.

وقد بقي الأستاذ المودودي مدة في مصر، ثم عاد إلى باكستان.

كتاب الحلال والحرام: 

كان أخونا الشيخ مصطفى جبر- وهو أحد المصريين الذي وصلوا إلى قطر قديما- قد قرأ كتابي الأول (الحلال والحرام)، بعد أن طبعه على نفقته الشيخ فهد بن علي آل ثاني، ليوزعه في قطر، وأعجب به إعجابًا شديدًا، فاستأذنني أن يرسل مجموعة من النسخ مع أحد الإخوة المسافرين إلى باكستان، فأرسل نسخة إلى العلامة أبي الأعلى المودودي، وعليها إهداء مني، ونسخة إلى جامعة البنجاب بلاهور، وأخرى إلى جامعة كراتشي.

وقد أرسل إلي الأستاذ المودودي يشكرني على إهداء الكتاب له، ويقول في رسالته: إني أعتز بهذا الكتاب، وأعتبره إضافة جليلة إلى مكتبتي.

رسالتي إلى المودودي:

كان سبب هذه الرسالة أن بعض الإخوة اقترح عليَّ أن أراسل جامعة (البنجاب) في لاهور بجمهورية باكستان الإسلامية، لأستكمل الدراسات العليا هناك، بعد أن انسد الأمر في مصر، بسبب التضييق الأمني، وجامعة (البنجاب) جامعة عريقة، وفيها قسم للدراسات الإسلامية، ورئيس الجامعة العلامة علاء الدين الصديقي، الذي كان رئيسا لقسم الدراسات الإسلامية من قبل، حين حصلت إحدى طالبات القسم (جميلة شوكت) على درجة الماجستير عن بحثها حول كتابي (الحلال والحرام في الإسلام) فقال المحبذون: فالجامعة تعرفك ولا تجهلك، ورئيسها يعرفك ولا ينكرك، وهو على صلة طيبة بالأستاذ العلامة أبي الأعلى المودودي، أمير الجماعة الإسلامية، ويكن له كل مودة وتقدير. ورأى هؤلاء الإخوة أن من الخير أن أكتب للأستاذ أبي الأعلى المودودي، وأعرض عليه الأمر، طالبًا مشورته بعد أن يكلم العلامة الصديقي. وبادرت بكتابة رسالة إلى الإمام المودودي، شرحت له فيها الموقف، وانسداد الطرق في وجهي بالنسبة للدراسات العليا في مصر، ما دام الوضع الحالي باقيًا، وانفتاح فرجة أمامي في جامعة البنجاب، إلى آخر ما جاء في الرسالة. وسرعان ما أجابني الأستاذ المودودي: أنه كلم صديقه البروفسور الصديقي، وأنه يرحب كل الترحيب بكم، وهو يعرفكم جيدًا، وكذلك أساتذة القسم الإسلامي في الجامعة، كلهم مرحِّبون ومتعاونون، ونصحني أن أسارع بالمجيء إلى لاهور، للتفاهم مع المختصين حول الخطوات التي يجب اتخاذها للوصول إلى الهدف. وحمدت الله تعالى أن فُتِح لي هذا الباب، وعقدت النية على الذهاب إلى لاهور بمجرد انتهاء العام الدراسي.

لقاء المودودي في لاهور:

في مطار لاهور استقبلني بعض الإخوة أعضاء الجماعة الإسلامية، ومنهم الأستاذ رحمة إلهي، الأمين العام للجماعة، مندوبًا عن الأستاذ المودودي، ومعه الأخ الداعية الفاضل الشيخ خليل أحمد الحامدي، مدير القسم العربي في الجماعة، الذي يتحدث العربية بطلاقة.

أبى إخواننا في الجماعة الإسلامية إلا أن ينزلوني ضيفا عليهم، فاشترطت عليهم أن تكون الضيافة لمدة ثلاثة أيام، ثم يدَعوني وشأني.

وفي المساء لقيت الإمام المودودي في دار الجماعة، ورحب بي هو وإخوانه جميعًا، ولا سيما نائبه الأستاذ طفيل محمد، ورتَّبوا لي عددًا من اللقاءات بأعضاء الجماعة، وخصوصًا جمعية الطلبة المسلمين، التي توجهها الجماعة، وزيارة بعض البلاد حول مدينة لاهور، وعقد بعض المؤتمرات الصحفية. ورحبتُ بهذا كله، ولكني طلبت أن يرتبوا لي زيارة لجامعة البنجاب، ومقابلة رئيسها وأساتذتها، حتى لا نُضيع الأمرَ الذي جئت من أجله، وقالوا: هذا طبيعي ومنطقي بلا ريب.

والحقيقة أن الإخوة في الجماعة الإسلامية أكرموني غاية الإكرام، وفي كل يوم كان يدعونا أحدهم إلى وليمة، يدعى إليها مولانا المودودي وكبار الجماعة، وكان بعض الإخوة يريد أن يأخذ لنا صورة تذكارية بهذه المناسبة، ولكن المودودي- كعلماء باكستان والهند عمومًا- يشدِّدُون في أمر الصور؛ فكان الأستاذ المودودي يقول لهم: خذوا بمذهب القرضاوي الذي رجَّحه في "الحلال والحرام". والعجيب أني لم آخذ معي شيئًا من هذه الصور، فليت أحدًا من الإخوة الذين يقتنونها يتحفني بشيء منها، وله مني الشكر، ومن الله الأجر.

وكنت قد استأذنت الجماعة الإسلامية بعد ضيافة الأيام الثلاثة أن أنتقل إلى فندق مناسب، أقضي فيه ما بقي لي من أيام في لاهور، وقمت ببعض الأنشطة.

وقال مولانا المودودي لي: ليتك تذهب إلى دكَّا (عاصمة بنجلاديش)؛ فهي تحتاج إلى مثلك، في هذا الوقت الذي يعمل دعاة الانفصال، مؤيدين من أعداء باكستان وأعداء الإسلام.

قال المودودي: إنك ستجد باكستان الشرقية جنة الله في أرضه، وأنهارها أشبه بالبحار. 

كتاب فقه الزكاة:

وبعد أن فرغتُ من كتاب (فقه الزكاة)، وظهر إلى عالم النشر والتوزيع في مجلدين، وبدأت أبعث بنسخ منه إلى كبار الشخصيات العلمية، في العالمين العربي والإسلامي، أرسلت نسخة منه إلى العلامة المودودي رحمه الله، وقال عنه: إنه كتاب القرن (أي الرابع عشر الهجري) في الفقه الإسلامي. نقل ذلك عنه الأستاذ خليل أحمد الحامدي مدير القسم العربي بالجماعة الإسلامية بباكستان.

وفاة الأستاذ المودودي والصلاة عليه:

في 22/9/1979م، نشرت وكالات الأنباء العالمية والإقليمية، وعنها نقلت الصحف والإذاعات والتلفزيونات، نبأ وفاة الداعية الإسلامي المجدد الكبير: الشيخ أبي الأعلى المودودي، مؤسس الجماعة الإسلامية في الهند الكبرى، ثم في باكستان الغربية والشرقية، التي انفصلت فيما بعد، وسميت جمهورية (بنجلاديش)، وأحد المصلحين الإسلاميين، والمؤلفين الكبار في القضايا الفكرية الإسلامية، والذي تشكل كتبه ورسائله مدرسة متميزة في الفكر الإسلامي، والدعوة الإسلامية المعاصرة. فلا عجب أن تلقى العلماء والدعاة والمفكرون، وأبناء الحركة الإسلامية في العالم الإسلامي وخارجه: نبأ وفاته بالحزن والألم والاسترجاع، لفقد هذا العالم الفذ، الذي انتفع بعلمه المسلمون عربهم وعجمهم، فقد ترجمت مؤلفاته إلى لغات شتى إسلامية، وعالمية، وفي مقدمتها: اللغة العربية.

أثر فقد العلماء الأعلام:

 ولا ريب أن فقد العلماء الأعلام، يعدُّ من المصائب التي تنزل بالأمة، ولا سيما أولئك الأفذاذ الذين يجود بهم القدر بين الحين والآخر، ويتركون آثارهم في الحياة والأحياء، وقلما يعوضون. وقد جاء في الحديث المتفق عليه: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور الناس، وإنما يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبْقِ عالمًا: اتخذ الناس رؤوسًا جُهَّالًا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلُّوا وأضلُّوا"( ).

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: عليكم بالعلم قبل أن يرفع، ورفعه موت رجاله( ). ولذا قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: إذا مات العالم ثلمت في الإسلام ثلمة لا يسدها إلا خلف منه( ). وقال عمر رضي الله عنه: موت ألف عابد قائم الليل، صائم النهار: أهون من موت عالم بصير بحلال الله وحرامه( ). 

وقع وفاة المودودي:

ومن هنا كان وقع وفاة المودودي على كل مَن يعرفه من أبناء الأمة شديدًا، وقد تنادى كثير من الإخوة من العلماء والدعاة، من مصر وبلاد الشام، وبلاد الخليج، وغيرها للسفر إلى مدينة لاهور- محل إقامة المودودي- للمشاركة في صلاة الجنازة عليه. لم يبق في ذاكرتي منهم إلا الدكتور أحمد الملط من مصر، والشيخ سعيد حوى من سورية، والأستاذ عبد الله العقيل من السعودية. وكان المودودي قد وافاه أجله في أمريكا، حيث كان يعالج هناك من مدة، وقد قُدِّر لي أن أزوره هناك في مدينة (يفلو) حيث يقيم ابنه هناك، وذلك قبل وفاته بزمن غير بعيد.

وقد صُلِّي على جثمان المودودي في أكثر من بلد: صُلِّيَ عليه حيث توفي في (يفلو)، وصُلِّيَ عليه في مطار نيويورك، وفي مطار لندن، وفي مطار كراتشي، وهي المحطات التي مرَّ عليها جثمان الأستاذ.

سفري إلى لاهور:

وكانت الصلاة الأخيرة والأساسية عليه في مدينة لاهور، التي سافرت إليها مع مَن سافر من بلاد العرب، وقد تجمع جمٌّ غفير، قُدِّروا بأكثر من مليون في أكبر نادٍ رياضي (إستاد) في لاهور. وقد سُرَّ الإخوة من قادة (الجماعة الإسلامية) بحضوري، وقدَّموني لأقول كلمة في جموع الحاضرين، قبل الصلاة، ثم شرفوني بإمامة المصلين على الأستاذ، ولم أرَ في حياتي تجمُّعًا لصلاة أو لغيرها، مثل هذا التجمع، الذي كان على رأسه رئيس جمهورية باكستان الرئيس ضياء الحق رحمه الله.

وكان هذا التجمع الإسلامي الكبير دليلًا على مكانة هذا الرجل في قومه، وإن كان هناك مَن يخالفونه في بعض المسائل، ولكن جمهور علماء باكستان ودعاتها ومثقفيها، يعرفون منزلة الرجل، ويقدرون فكره وفقهه وجهاده، ووقوفه في وجه الحضارة الغربية الغازية. وقد قال بعض علمائنا السابقين لأهل البدع والمنحرفين: بيننا وبينكم الجنائز.

فالجنازة هي التي تعبر عن مكانة الفقيد عند الأمة، إذ لا يمكن أن يكون حرص الناس على الصلاة على الميت، ببواعث دنيوية من الخوف أو الطمع، وقد انتقل العالِم إلى رحمة الله، وغادر الدنيا إلى الآخرة؛ ولذا كان حرص أبناء المجتمع على تشييع جنازة العالم، والصلاة عليه: نوعا من الوفاء له، والتعبير عن مدى حبهم له، وحرصهم على المشاركة في الدعاء له مع الداعيين.

ومن الجنائز التي يتحدث عنها المؤرخون: جنازة الإمام أحمد في بغداد سنة (241هـ). ومنها: جنازة ابن الجوزي سنة (597هـ) في بغداد. ومنها: جنازة شيخ الإسلام ابن تيمية في دمشق سنة (728هـ). وقد دفن الأستاذ المودودي في بيته حسب وصيته، وكنتُ أُوثِر أن يدفن في المقابر العامة كسائر المسلمين.

كان المودودي في كلِّ ما كتب الفارس المغوار، والصارم البتار، يقول ما يعتقد، ويعلن عما يقتنع به، ويؤمن بأنه الحقُّ، لا يخاف في الله لومة لائم، ولا صولة ظالم، من العلمانيين أو المقلدين أو المتغربين أو الطاغين.

ولا يرتاب مسلم دارس في إمامة المودودي وعبقريته، في فكره الإسلامي الرحب، الذي تناول فيه قضايا الإسلام، من تفسير ختم فيه القرآن الكريم، ومن دراسة للسنة، وردٍّ على الذين زعموا أنفسهم قرآنيين، بدعوى أنهم يهملون حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي روته الأمة وخدمته، وأقامت لخدمته تسعين عِلْمًا من علوم الحديث، وقامت مكتبة ضخمة لهذه العلوم، عكف عليها العلماء، ولكن سبحان من له الكمال، وكل يؤخذ منه ويرد عليه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد انتُقِد على الإمام المودودي عدة أمور، منها:

1- قضية الحاكمية:

مما انتقض على الأستاذ المودودي: أنه أول مَن نادى بفكرة (الحاكمية)، التي اقتبسها منه الشهيد سيد قطب، ويُحَمِّل المنتقدون هذه الفكرة وزر (التكفير) وجماعاته، كما أنها قديما كانت سبب فتنة الخوارج الذين قالوا: لا حكم إلا لله!

صحيح أن قضية (الحاكمية) قد ألحَّ عليها الأستاذ المودودي إلحاحا بيِّنا، حتى تكاد تُعتبر هي المحور المركزي الذي يدور حوله كثير من أفكاره ونظراته.

والفكرة في ذاتها إسلامية أصولية صحيحة، وقد سبق أن قرَّرها علماء أصول الفقه من قرون، فها نحن نجد إماما مثل أبي حامد الغزالي يتحدَّث في مقدِّمات كتابه الشهير (المستصفى من علم الأصول) عن (الحكم) الذي هو أول مباحث العلم، وهو عبارة عن خطاب الشرع، ولا حكم قبل ورود الشرع، وله تعلُّق بالحاكم وهو الشارع، وبالمحكوم عليه وهو المكلَّف، وبالمحكوم فيه وهو فعل المكلف، ثم يقول: (وفي البحث عن الحكم يتبيَّن أن (لا حكم إلا لله)، وأنه لا حكم للرسول، ولا للسيِّد على العبد، ولا لمخلوق على مخلوق، بل كل ذلك حكم الله تعالى ووضعه، لا حكم لغيره)( ).

إن إثبات (الحاكمية) لله أمر مقرَّر في الإسلام، وانفراد الله تعالى بالحاكمية لخلقه أحد عناصر التوحيد التي قرَّرها القرآن، وخصوصا في (سورة الأنعام)، وهي ثلاثة عناصر أساسية:

1ـ ألا يتخذ غير الله وليًّا، {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الأنعام:14].

2 - ألا يبتغي غير الله حَكَمًا، {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا} [الأنعام:114].

3 - ألا يبتغي غير الله ربًّا، {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام:164].

وعلى كلِّ حال، إذا كان المراد من الحاكمية: السيادة والهيمنة التشريعية العليا والمطلقة، التي تملك وحدها الأمر والنهي، والإذن والمنع، والتحليل والتحريم، والإلزام والإيجاب. فهذه لا َّشك أنها لله وحده، فهو الذي يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وله وحده أن يكلِّف خلقه بما يشاء، ويعفيهم مما شاء.

وأما إن كان المراد بهذه (الحاكمية): منع البشر من التقنين مطلقًا، ورفض أيِّ حاكمية بشريَّة مقيَّدة، كما كان رأي الخوارج الساذج قديمًا، حينما رفضوا التحكيم بين المسلمين فيما تنازعوا فيه، وقالوا: لا حكم إلا لله. إن كان هذا هو المراد بالحاكمية، كما قد يُفهم أحيانًا من بعض عبارات العلامة المودودي وسيد قطب، فهو أمر مرفوض.

وقد ردَّ حَبر الأمة ابن عباس على الخوارج، وحاجَّهم بكتاب الله، الذي شرع التحكيم بين الزوجين إذا خيف شقاق بينهما فقال: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} [النساء:35]. وفي قتل المحرم للصيد، قال: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [المائدة:95].

ويجب على الدراس المنصف هنا: أن يضمَّ كلام المودودي بعضه إلى بعض، ولا يكتفي بكتاب عن آخر، ولا بفترة عن أخرى، فربَّما صنَّف بعض الكتب والرسائل، وهو في سنِّ الشباب الدافق المتحمِّس، قبل تقسيم الهند وظهور دولة باكستان الإسلامية، وقبل اكتمال نضجه وتجربته، فقد كتب رسالة (موجز تاريخ تجديد الدين وإحيائه) في سنة 1940م، وهي في الأصل مقالة مطوَّلة نُشرت في مجلة (الفرقان)، في عددها الخاص بذكرى الإمام المجدِّد ولي الله الدهلوي (ت1176هـ).

وأحب أن أنبه هنا إلى أن (الحاكمية) التي قال بها المودودي، ونقلها عنه سيد قطب، وجعلاها لله وحده، لا تعني أن الله تعالى هو الذي يولي العلماء والأمراء، يحكمون باسمه، بل المقصود بها الحاكمية التشريعية فقط، أما سند السلطة السياسية، فمرجعه إلى الأمة، هي التي تختار حكامها، وهي التي تحاسبهم، وتراقبهم، بل تعزلهم. والتفريق بين الأمرين مهم، والخلط بينهما موهم ومضلِّل، كما أشار إلى ذلك الدكتور أحمد كمال أبو المجد في بحث له، فليس معنى الحاكمية الدعوة إلى دولة ثيوقراطية، بل هذا ما نفاه الأستاذ المودودي رحمه الله.

فقد أخذ بعض الناس جزءا من كلامه وفهموه على غير ما يريد، ورتبوا عليه أحكامًا ونتائج لم يقل بها، ولا تتفق مع سائر أفكاره، ومفاهيم دعوته، التي فصَّلها في عشرات الكتب والرسائل، والمقالات والمحاضرات.

وهذا ما يحدث مع كلام الله تعالى وكلام رسوله، إذا أُخِذَ جزء منه معزولًا عن سياقه وسباقه، وعن غيره مما يكمِّله أو يبيِّنه أو يقيِّده، فكيف بكلام غيرهما من البشر؟

فقد ذكر المودودي خصائص الديمقراطية الغربية ثم قال: (وأنت ترى أنها ليست من الإسلام في شيء. فلا يصح إطلاق كلمة (الديمقراطية) على نظام الدولة الإسلامية، بل أصدق منها تعبيرًا كلمة (الحكومة الإلهية أو الثيوقراطية))( ).

ثم استدرك فقال: (ولكن الثيوقراطية الأوروبية تختلف عنها الحكومة الإلهية (الثيوقراطية الإسلامية) اختلافا كليُّا، فإن أوروبا لم تعرف منها، إلا التي تقوم فيها طبقة من السدنة مخصوصة، يشرعون للناس قانونا من عند أنفسهم، حسب ما شاءت أهواؤهم وأغراضهم، ويسلطون ألوهيتهم على عامة أهل البلاد، متسترين وراء القانون الإلهي، فما أجدر مثل هذه الحكومة أن تسمى بالحكومة الشيطانية منها بالحكومة الإلهية!

وأما الثيوقراطية التي جاء بها الإسلام، فلا تستبد بأمرها طبقة من السدنة أو المشايخ، بل هي التي تكون في أيدي المسلمين عامة، وهم الذين يتولون أمرها، والقيام بشئونها، وفق ما ورد به كتاب الله وسنة رسوله.

ولئن سمحتم لي بابتداع مصطلح جديد لآثرت كلمة (الثيوقراطية الديمقراطية) أو (الحكومة الإلهية الديمقراطية) لهذا الطراز من نظم الحكم؛ لأنه قد خوَّل فيها للمسلمين حاكمية شعبية مقيدة. وذلك تحت سلطة الله القاهرة، وحكمه الذي لا يُغْلَب، ولا تتألف السلطة التنفيذية إلا بآراء المسلمين، وبيدهم يكون عزلها من منصبها، وكذلك جميع الشئون التي يوجد عنها في الشريعة حكم صريح، لا يقطع فيها بشيء إلا بإجماع المسلمين، وكلما مست الحاجة إلى إيضاح قانون أو شرح نص من نصوص الشرع، لا يقوم ببيانه طبقة أو أسرة مخصوصة فحسب، بل يتولى شرحه وبيانه كل مَن بلغ درجة الاجتهاد من عامة المسلمين. فمن هذه الوجهة يعد الحكم الإسلامي (ديمقراطيا))( ).

ومع أنه أشهر من نادى بالحاكمية، وتشدد فيها- قد بيَّن في كلامه أن للناس متسعًا في التشريع فيما وراء القطعيات والأحكام الثابتة والحدود المقرَّرة. وذلك عن طريق تأويل النصوص وتفسيرها، وعن طريق القياس، وطريق الاستحسان، وطريق الاجتهاد( ).

2- موقفه من التاريخ الإسلامي:

الأستاذ المودودي من العلماء الذين انتقدوا التاريخ الإسلامي بشدة، وكان هذا من النقاط التي أثارت عليه نقمة علماء الهند وباكستان، فقد تناول بعض الصحابة بما لا يليق بصحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، مثل الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه، دع عنك ما ذكره عن معاوية بن أبي سفيان، وبني أمية.

وقد أثبت رأيه هذا في أكثر من كتاب له، ولا سيما كتبه: (الخلافة والملك) و(موجز تاريخ تجديد الدين وإحيائه) و(الحكومة الإسلامية).

ووجه الأستاذ المودودي ضربة قاضية إلى الحضارة التي نسميها (إسلامية) في قرطبة وبغداد ودمشق ودلهي والقاهرة، وقطع أي صلة لها بالإسلام، لما كان في قصور حكامها من الترف والملذات الدنيوية.

واختصار الحضارة في الملذات الدنيوية، فيه ظلم كبير لهذه الحضارة، التي تركت علومًا وآدابًا وثقافة وفنونًا، كان للإسلام- بلا شك- بصماته على كثير منها. بجوار ما تركت من روحانيات وقيم وأخلاقيات، لا أحسب أن المودودي يجحدها.

ويرى المودوي: أن الإسلام لا دخل له، ولا صلة إطلاقا بهذه الحضارة، ويضرب مثلا لذلك بـ(تاج محل) بمدينة (أكرا) بالهند، الذي يعتبر من روائع الفن المعماري في تاريخ المسلمين، على حين ينظر إليه المودودي أن شاه جهان الإمبراطور المغولي أقطع رقعة كبيرة من الأرض، وأنفق عليه ملايين الروبيات أو الجنيهات، لكي يدفن فيه جثة ميتة!

ولكن هناك من ينظر إلى هذا الأمر من زاوية أخرى. فهذا الملك أراد أن يبين للناس، ويسجل للتاريخ مدى الرقي العمراني، ومبلغ الدقة الهندسية، ومقدار التقدم الفني في عهده، حتى لا يُتَّهم المسلمون بأنهم بدو متخلفون في ميدان التحضر والارتقاء الهندسي والعمراني.

وأود أن أسجل هنا: أن رأي المودودي في التاريخ الإسلامي- وإن انتقدناه وأنكرناه- لا ينال من إمامته ومكانته الفكرية والدعوية، فكفى المرء نبلًا أن تعد معايبه، وإذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث( ).


اترك تعليق