الدكتور محمد يوسف موسى

By :

الدكتور محمد يوسف موسى
(1317 – 1383هـ = 1899 – 1963م)
الدكتور محمد يوسف موسى أستاذ الفلسفة والأخلاق في كلية أصول الدين، من مواليد مدينة الزقازيق بمحافظة الشرقية، وبدأ في طلب العلم في رحاب الأزهر حتى نال العالمية، وعُيِّنَ مدرِّسًا بمعهد الزقازيق لثلاث سنوات، فصل بعدها لضعف بصره، الذي سبب له مشاكل كثيرة، جعلته يتجه إلى تعلُّم اللغة الفرنسية، لتكون وسيلته لدراسة الحقوق والاشتغال بالمحاماة فيما بعد.
أكبَّ على دراسة الفرنسية، وتفرغ لها، حتى أتقنها، ثم اشتغل بالمحاماة الشرعية متدرِّبًا ثم متمرِّسًا ولامعًا، وعندما انتهت مشيخة الأزهر إلى الشيخ محمد مصطفى المراغي عُيِّنَ بالأزهر، تاركًا المحاماة وبريقها وشهرتها، مؤثِرًا التدريس والتعليم، استجابة لميله الفطري، وإيمانه بمكانة الأزهر الدينية والعلمية.
ظل بالأزهر ومعاهده حتى رُقِّي مدرسًا بكلية أصول الدين، التي درس فيها الفلسفة والأخلاق، بمنهج جديد لم يكن معروفًا ولا مألوفًا في الأزهر من قبل، وأخذ يكتب في المجالات العلمية، كما بدأ يترجم عن الفرنسية بعض الدراسات الخاصة بتاريخ الفلسفة في الشرق والغرب.
ومما أذكره من قصص الدكتور محمد يوسف موسى عن حياته في فرنسا، قصة لطيفة، قال: كنا في بيت، وكانت تخدمنا فيه فتاة يظهر على وجهها مخايل شرف الأصل، فهي متماسكة وعاقلة، ولا تتبذَّل، فسألوا عنها: فقالوا: إن عمها المليونير فلان الفلاني. فقال: لماذا لا ينفق عليها ألا تستطيع أن ترفع أمرها للمحكمة؟ فقيل له بأنه ليس لديهم قانون يلزم بمثل هذا. ثم سئل هل لديكم أيها المسلمون قانون ينص على ذلك؟ فقال: نعم، إن مثل هذا يجب أن ينفق على بنت أخيه، ولو رفعت دعوى إلى المحكمة لقضت لها أن تأخذ حقها منه، وألزمته بذلك إلزامًا، فقالت المرأة الفرنسية: لو كان لدينا قانون كهذا لما وجدت امرأة تخرج في الصباح الباكر لتجهد في العمل؛ لأنها لو لم تفعل هذا لماتت جوعًا.
وقد التقى أستاذنا العلامة الدكتور محمد يوسف موسى، الشيخ أبي الحسن الندوي في زيارته لمصر في يناير سنة 1951م، وقد كتب له مقدمة لكتابه (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟).
الدكتور محمد يوسف موسى يحسم الأمر:
كان للدكتور محمد يوسف فضل في أن أختار شعبة التفسير والحديث في كلية أصول الدين، فقد كان بكلية أصول الدين شعبتان، عليَّ أن أختار إحداهما لأقدم طلبي إليها: شعبة علوم القرآن والسنة (أو التفسير والحديث) وشعبة (العقيدة والفلسفة).
وكانت كل هذه الشروط في كلتا الشعبتين عندي موفورة بأكثر من المطلوب، ولكني توقفت كثيرًا في ترجيح اختيار إحدى الشعبتين: أأختار شعبة القرآن والسنة؛ لأنها تصلني مباشرة بمصادر الإسلام الأصلية، وتتيح لي فرصة التعمق في دراستهما، وتصحيح ما طرأ على فهمهما من أغلاط، والرد على ما يُثَار حولهما من شبهات وافتراءات؟ ولا يمكن للعالم المسلم أن يكون عالمًا حقًّا، إلا إذا أتقن علوم القرآن والحديث.
أم يا ترى أختار شعبة العقيدة والفلسفة، بما فيها من إغراء بدراسة الفكر الإنساني، وتتبع المذاهب الفكرية، والمدارس الفلسفية، ودراسة أغوارها، والإحاطة بتناقضاتها، وكيف ينقض بعضها بعضًا، وتوظيف هذه المعرفة في خدمة الدعوة الإسلامية، والثقافة الإسلامية، ومخاطبة الإنسان المعاصر باللغة التي يفهمها؟
كان الاختيار بين الشعبتين صعبًا، وكان الأمر محيرًا لي، ولم يحسم هذا الأمر عندي، إلا باستشارة أهل الذكر والخبرة، كما قال تعالى: {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} [الفرقان: 59]، وقال: {وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِير} [فاطر: 14].
لهذا توكلت على الله، وعزمت على زيارة أستاذنا الدكتور محمد يوسف موسى، وكان بيني وبينه مودة، رغم أني لم أدركه في كلية أصول الدين، ولم أسعد بتدريسه لي، وإن كنا سعدنا بتدريس كتبه، درسها لنا غيره، وقد زُرْتُه قبل ذلك في منزله بالروضة، ورحَّب بي، مع أنه لم يكن يقبل زيارةَ مَن لم يأخذ موعدًا منه.
كان الدكتور موسى راهبًا من رهبان العلم والفكر، لم يتزوج غير العلم والمكتبة، وكان ضليعًا متمكنًا في علوم الفقه والشريعة، وعلوم الفلسفة والعقيدة، وقد حصل على الدكتوراة من فرنسا، ومن ثَم كان أهلًا لأن يستشار في قضيتي.
ذهبت إليه، وطرقت عليه الباب، ففتح لي، ورحّب بي. قلت له: سامحني أن جئتك بغير موعد سابق.
قال: ومتى جئت بموعد يا قرضاوي؟ بيتي بالنسبة لك مفتوح دائمًا.
قلت: جئت لأستشيرك في قضية في غاية الأهمية بالنسبة لمستقبلي، ولم أجد غيرك يفتيني فيها!
قال: خير.. ما هي؟
قلت: أمامي اختياران في الدراسة العليا بكلية أصول الدين: علوم القرآن والسنة أو علوم العقيدة والفلسفة. وأنا مستوفي الشروطِ للدراسة في كلتا الشعبتين، وربما كانت درجاتي أعلى في شعبة الفلسفة، وقد احترتُ بينهما حيرة شديدة؛ فأيهما تختار لي يا أستاذ؟
فقال: اسمع يا يوسف، لقد عرفتَ أني عشت أكثر عمري في كلية أصول الدين أدرس الفلسفة ونظريات الأخلاق، وتاريخ الفلسفات.. وما إلى ذلك، وألَّفت في ذلك ما ألفت من كتب، لعلك درست بعضها في الكلية.
قلت: نعم درسنا أكثر من كتاب، منها (حول فلسفة الأخلاق وتاريخها).
قال: ثم انتهى بي المطاف الآن إلى تدريس الشريعة الإسلامية في كليات الحقوق، وأحمد الله قد ألَّفْتُ فيها عددًا من الكتب تلقاها أهل العلم والاختصاص بالقبول.
قلت: نعم، وقرأنا الكثير منها، وانتفعنا به.
قال: والآن أجد أن ما درسته من قبل في الفلسفة ومذاهبها ومدارسها الفكرية، كأنما كان تمهيدًا أو مقدمة لدراسة الشريعة؛ فالشريعة هي الغاية، وهي اللُّبُّ والجوهر، وكل ما عداها يجب أن يكون وسائل إليها.
وأعتقد أنَّك قد درستَ في كلية أصول الدين من مذاهب واتجاهات الفلسفة الشرقية واليونانية والإسلامية والحديثة، ما أطلعك على أصول الفكر الإنساني والمذاهب الفلسفية الكبرى، والنظريات الأخلاقية المختلفة، وأن لديك الآن من الإمكانات المعرفية ما تستطيع أن تتابع به حركة الفكر الإنساني في تطورها. وإنما الذي يحتاج إلى خدمة حقًّا هو: الشريعة وفقهها وأصولها، ومصدر الشريعة القرآن والسنة، إذا تضلَّعت في علوم القرآن والسنة أمكنك أن تخدم رسالة الإسلام حقًّا، وأحسب أن لك دورا إن شاء الله في الاجتهاد والتجديد لهذا الدين، أرجو ألا يخِيب ظني فيك… إلى آخر ما قال رحمه الله رحمة واسعة.
وكانت كلمات الدكتور موسى أشعة من نور أزالت غياهب الشك والتردد والحيرة من ذهني ونفسي تمامًا، وأقنعتني ألا أبتغي بالقرآن والسنة بدلًا، ولا أبغي عنهما حِوَلًا.
وودَّعتُ الأستاذ الكبير وشكرتُ له، ودعوتُ له من كل قلبي، وخرجت من عنده منشرح الصدر، مطمئن الضمير، مسدَّد الوِجْهة، مستبين الغاية والطريق.
رأيه في عبد الناصر:
قال الدكتور محمد يوسف موسى لي مرة: إن هذا البلد سجنٌ كبير، له باب واحد، وقفل واحد، ومفتاح واحد، في يد سجان واحد، هو عبد الناصر! وإن كان هذا (السجان) قد غدا في فترة من الفترات (سجينا) لدى بعض مرؤوسيه، كما هو معروف في سيرة عبد الناصر: أن عبد الحكيم عامر صديقه، قد أصبح هو الذي يحكم مصر حقيقة، سواء ما يتعلق بالجيش، أم ما يتعلق بالشعب، وصار عبد الناصر (طرطورا) أو (ديكورا) صار كما قيل: يملك ولا يحكم!.
إهدائي له كتابي الحلال والحرام:
بعد أن ألفت كتابي الأول (الحلال والحرام في الإسلام) وطبعت منه الطبعة الأولى في مطبعة الحلبي، وقد زرت شيخنا في منزلة، وسلمتُ إليه نسخةً منه، وسألني عن سبب تأليف هذا الكتاب، فأخبرته بقصة تكليفي به من الأزهر، فقال: عجيب! هذا الموضوع كُلِّف به زميلنا الشيخ فلان عضو جماعة كبار العلماء، وقد كان محتارًا: ماذا يكتب في هذا الموضوع المبعثر المشتت، واقترحت عليه بعض الأشياء، ولكن ما أحسبه يهتدي إلى ما هداك الله إليه، بورك فيك يا يوسف.
مؤلفاته:
تنوعت كتابات موسى ومؤلفاته ومقالاته ما بين الأخلاق والشريعة وعلم الكلام والترجمة والتحقيق، ثم المؤلفات الإسلامية العامة. بعض هذه المؤلفات تُرْجِم عن الفرنسية في الفلسفة والشريعة، ومنها بحث في الفرنسية نشره عام 1415هـ = 1995م بمجلة (لا ريفي دي كير) بالقاهرة، في عدد خاص عن ابن سينا في ذكراه، بالإضافة إلى رسالة الدكتوراه التي كتبت بالفرنسية ثم ترجمها بعد ذلك إلى العربية. في الأخلاق له أربعة مؤلفات وهي: (مباحث في فلسفة الأخلاق)، و(الأخلاق في الإسلام)، و(فلسفة الأخلاق في الإسلام وصلاتها بالفلسفة الإغريقية)، و(تاريخ الأخلاق). وفي الفلسفة: (القرآن والفلسفة)، و(بين الدين والفلسفة في رأي ابن رشد)، و(فلاسفة العصور الوسطى)، و(ابن رشد الفيلسوف)، و(الدين والفلسفة معناهما ونشأتهما وعوامل التفرقة بينهما)، و(بين رجال الدين والفلسفة)، و(ابن سينا والأزهر).. وغيرها، وفي الشريعة: (مدخل لدراسة الفقه الإسلامي)، و(أحكام الأحوال الشخصية في الفقه الإسلامي) و(نظام الحكم في الإسلام).
والأستاذ الدكتور موسى له مقالات متنوعة وكثيرة في مجلات وصحف لها وزنها الثقافي والعلمي كالأزهر والرسالة والمسلمون والمجلة، وتنوعت هذه المقالات من حيث الموضوعات، لكن كثيرًا منها دار حول المخاطر التي تهدد الأمة، وكان بعضها نقدًا لمؤلفات تاريخية أو أدبية أو في الدراسات الفقهية بوجه عام. وقد جمع هذه المقالات في كتابه (الإسلام والحياة).
وفاته:
لقد وهب الرجل نفسه للعلم فلم يتزوج، أو تشغله المناصب عن مشروعه الإصلاحي التجديدي، وقضى حياته كلها في سبيل أمنية غالية عزيزة على قلبه، ألا وهي: الإصلاح والتجديد. ولاقى في سبيل ذلك الكثير من العنت، كما كان حظ الكثير من المصلحين السابقين واللاحقين على السواء.
وافته المنيَّة صباح يوم توفي في 18 ربيع الأول 1383ه = ثامن أغسطس 1963م، عن أربعة وستين عامًا، أمضاها في العلم والتعليم والتأليف والدعوة إلى الوسطية والتجديد. رحمه الله وغفر له.


اترك تعليق