فضائل شهر شعبان

By : تيسير رجب التميمي

اللهم بلغنا رمضان

الشيخ الدكتور تيسير رجب التميمي - عضو الاتحاد - قاضي قضاة فلسطين - رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي سابقاً -  أمين سر الهيئة الإسلامية العليا بالقدس

الحلقة الأولى : فضائل شهر شعبان

     سيعود إلينا غائب بعد طول انتظار ، إنه شهر رمضان المبارك الذي تفصلنا عنه أيام معدودات ، فما أحرانا أن نشمر لاستقبال هذا الموسم العظيم للعبادة والعمل الصالح ، وأن نبدأ مسيرة التقرب إلى ربنا عز وجلَّ في شعبان مقدمة لشهر رمضان ، فبذلك يحصل التأهّب والاستعداد الحقيقي لاستقباله ، والتدرب على طاعة الرحمن ، وتخفيف المشقة عند بدء الصيام ، فالصائم روَّض نفسه على الصبر والإرادة ووطَّنها وعوَّدها عليه ، ووجد له في روحه وقلبه لذة وحلاوة ، سئل صلى الله عليه وسلم أي الصوم أفضل بعد رمضان فقال {شعبان لتعظيم رمضان } رواه الترمذي .

     وأعظم العبادات في شهر شعبان الصيام ، وأفضل الصيام ما كان قريباً من رمضان قبله أو بعده ، فمنزلته منه بمنزلة السنن الرواتب من الفرائض قبلها وبعدها ؛حيث إنها تكملة لنقص الفرائض ، وهي أفضل من التطوع المطلق بالصلاة فصيام ما قبل رمضان وبعده أفضل من صيام ما بَعُد عنه ، برهان ذلك ما ورد أنَّ { أحب الشهور إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصومه كان شعبان ثم يصله برمضان } رواه أبو داود ، لذا كان يكثر الصيام فيه ، قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول لا يفطر ويفطر حتى نقول لا يصوم ، وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط إلا شهر رمضان ، وما رأيته في شهر أكثر صياماً منه في شعبان " رواه البخاري .

     في الحديث إشارةٍ من فعله صلى الله عليه وسلم تدفعُنا إلى حسن الاقتداء ، ويحتمل أن يكون لهذا الحديث تفسيران :

الأول : أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل شعبان وعليه بقية من صيام تطوع لم يصمه قضاه في شعبان ، حتى يستكمل نوافله بالصوم قبل دخول رمضان .

الثاني : أن شعبان شهر توبة ومغفرة ، ومِنْ تكريم الله له أن الأعمال تُرفَعُ فيه إلى الله عز وجل ، قال أسامة رضي الله عنه : يا رسول الله لم أرك تصوم من شهرٍ من الشهور ما تصوم من شعبان ، فقال { ذاك شهر تغفل الناس فيه عنه بين رجب ورمضان ، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم } رواه النسائي .

     يدل الحديث على أن صيام شعبان أفضل من صيام الأشهر الحرم ، وفيه إشارة إلى فضيلة التطوع بالعبادة والتقرب إلى الله تعالى عند استيلاء الغفلة على الناس ، ففي قيام الليل مثلاً يتوجه المؤمن إلى الله تعالى بالقيام والذكر والدعاء والناس نيام ، فالعمل الصالح في أوقات الغفلة أشق على النفوس ، لانفرادها عن غيرها بالطاعة ، ولصدق إقبالها على ربها سبحانه وتعالى ، ولأنها في هذه الساعات أبعد ما تكون عن الرياء . يضاف إلى ذلك أن الصوم من أكثر العبادات بعداً عن الرياء لأنه سر بين العبد وربه فلا اطِّلاع لأحد عليه إلا الله ، قال صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي { كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به } رواه البخاري .

     والأفضل ترك الصيام في آخر شعبان لقوله صلى الله عليه وسلم { لا تقدموا رمضان بيوم أو يومين إلاَّ من كان يصوم صوماً فليصمه }رواه البخاري . ولقوله صلى الله عليه وسلم { إذا بقي نصف من شعبان فلا تصوموا } رواه الترمذي. والنهي إنما هو لمن يتعمد الصيام في آخره ، فالسنة المقررة صيام شهر شعبان أو أكثره من مبتدئه إلى منتهاه ، أما من لم يصمه من أوله ثم أراد الصيام بعد منتصفه فهذا هو الذي يتناوله النهي .

     وفي هذا الشهر المغفول عن فضله ومكانته يصعد الدعاء إلى الرحمن ، وتفتح له أبوابُ القبولِ في السماء ، في ليلة النصف منه وفي غيرها من الليالي والأيام ، قال صلى الله عليه وسلم { إذا كان ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها ، فإن الله ينزل فيها لغروب الشمس إلى سماء الدنيا فيقول ألا من مستغفر لي فأغفر له ، ألا مسترزق فأرزقه ، ألا مبتلى فأعافيه ، ألا كذا ألا كذا حتى يطلع الفجر } رواه البيهقي ، ويجيب رب العزة سبحانه دعوة الداعين في هذا الموقف الإيماني إلاَّ للمتدابرين والمتقاطعين ، فإنه صلى الله عليه وسلم قال { إن الله ليطَّلع في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن } رواه ابن ماجة .

     وشهر شعبان أيضاً شهر الذكريات العظيمة في تاريخ رسالة الإسلام الماجدة ودعوته الخالدة : ففيه تحققت أمنية الرسول صلى الله عليه وسلم بتحويل القبلة من المسجد الأقصى المبارك في بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة في مكة المكرمة ، قال تعالى { قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ } البقرة 144 ، جاء ذلك بعد أن تعمقت في قلوب المسلمين مكانة القدس والمسجد الأقصى المبارك وتعزز ارتباطه ببيت الله الحرام ،

     حدث عظيم في تاريخ الأمة المسلمة ؛ فهو عنوانها في الاختصاص والتميز ، اختصاصها بقبلة خاصة تتجه إليها في صلاتها ، وتميّزها بها ؛ فهي ليست مجرد مكان أو جهة تستقبل في الصلاة فقط ؛ فالتوجه إلى الله تعالى يكون في أي مكان ومن أي اتجاه فقد قال سبحانه { وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ } البقرة 115 ، بل هي رمزُ تميُّزِ هذه الأمة في عقيدتها وفكرها ؛ في شخصيتها وأهدافها وفي اهتماماتها أيضاً مما يجعلها بحق أهلاً لقيادة البشرية ؛ فهذه مكانتها بين الأمم فلأجل ذلك خلقت وأخرجت ؛ قال الله تعالى { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } آل عمران 110 ، وهذا ما جعلها أمة قوامة على الأمم كلها مسؤولة عنها في التوجيه والإرشاد وإقامة العدل ووضع الموازين ، وهي مهمة شاقة ضخمة ؛ لكن قد جعلها الله تعالى مؤهلة لذلك فقد قال سبحانه { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } البقرة 142 .

     كان التحول في القبلة درساً عميقاً وله حكمة عظيمة ، فهو امتحان لقلوب المؤمنين ، فالتنفيذ الفوري للأمر الإلهي هو الترجمان الصادق لإيمانهم ؛ فقد تحولوا إلى القبلة الجديدة أثناء الصلاة ، روى البراء بن عازب أن {رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً وكان يعجبه أن تكون قبلته قِبَل البيت ؛ وإنه صلى العصر وصلى معه قوم فخرج رجل ممن كان صلى معه فمر على أهل المسجد وهم راكعون قال أشهد بالله لقد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم قِبَلَ مكة فداروا كما هم قِبَلَ البيت } رواه البخاري ،

     أما اليهود فقد أنكروا التحوّل واتخذوه ذريعة للاستكبار عن الدخول في الإسلام ، وبدأوا بتشكيك المسلمين وأطلقوا ألسنتهم ببطلان عبادة من صلى إلى القبلة السابقة بعد أن كان قد أعجبهم في البداية تَوَجُّهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس متوقعين أن يفيء إلى دينهم كما اتجه إلى قبلتهم ، قال تعالى { وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ } البقرة 143 ، فطمأن الله فوراً قلوبهم إلى قبول صلاتهم { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ }البقرة 143 . إن موقفهم هذا متوقع ، فقد حذر الله رسوله والمؤمنين منه بقوله { سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا } البقرة 141 ، وسمع اليهود هذه الآية ومع ذلك قالوا ، واستهجنوا ...

* وفي شعبان من السنة الثانية للهجرة شرعت فريضة الصيام ، قال تعالى { يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } البقرة 183  ، وفي الشهر ذاته فرضت زكاة الفطر ، قال ابن عمر رضي الله عنهما { فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين ، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة } رواه البخاري .

* وفي شعبان ، كانت بطولاتٌ وانتصارات ، ومنها غزوة بدر الثالثة في شعبان من السنة الرابعة للهجرة ، وقصتها أن أبا سفيان في نهاية غزوة أُحد صاح على مسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا محمد موعدنا معكم العام القادم في بدر ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد الصحابة أن يجيبه : نعم موعدنا معكم العام القادم إن شاء الله ، وفعلاً جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر شعبان من السنة الرابعة للهجرة على رأس ألف وخمس مئةٍ من المسلمين المجاهدين ، يحمل لواءهم عليٌّ رضي الله عنه ، وجاء أبو سفيان ومعه ألفان من المشركين ، لكن دبَّ الرعب في قلوب المشركين فعادوا خائبين مدحورين بغير قتال .

 


اترك تعليق