كتاب : فقه الجهاد .. الحلقة [ 59 ] : الباب السادس : جيش الجهاد الإسلامي "واجباته وآدابه ودستوره" الفصل الثاني : واجبات الجيش المسلم عند خوض المعركة (1 من 3)

By : أ.د وسف القرضاوي

 

• توجيهات ربانية تضمنت ستة واجبات :

عندما تدور رحا الحرب، ويتأهَّب الفريقان للمواجهة الساخنة: فريق المسلمين، وفريق الأعداء: هنا يوجِّه القرآن جماعة المؤمنين بعدَّة توجيهات ربانية عليهم أن يلتزموا بها، ويرعوها حقَّ رعايتها إذا لقوا عدوهم. يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [الأنفال:45-47[

هذه الآيات الكريمات الثلاث من سورة الأنفال، وهي السورة التي عقَّب بها القرآن على غزوة بدر: تضمَّنت واجبات ستة، على المؤمنين رعايتها عند لقاء الأعداء، منها أربعة في صورة أوامر إلهية، واثنان في صورة نهي من الله تعالى.

هذه الستة المذكورة هي:

.1  الثبات.

 .2 ذكر الله.

. 3  طاعة الله ورسوله.

 .4 عدم التنازع.

.5 الصبر.

.6 إخلاص القصد لله وترك البطر والرياء ، حتى لا يكونوا كالمشركين.

قال بعض الحكماء: إن الله تعالى قد جمع لنا آداب الحرب في هذه الأمور المذكورة.

قال العلاَّمة ابن النحاس: (ولقد صدق هذا القائل، فإن الله تعالى أمر المقاتلين فيها بخمسة أمور، ما اجتمعت في فئة قط إلا نُصرت، وإن قلَّت وكثُر عدوها)[1] اهـ. ولكنه غفل عن العنصر السادس الذي يتضمنه قوله تعالى: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ} ولهذا جعلناها ستة لا خمسة.

وسنتحدَّث عن هذه الستة واحدة واحدة.

• ( 1 ) الثبات في المعركة:

أول هذه الواجبات هو : الثبات في المعركة، والتصميم على المواجهة بقلب أبيٍّ، وأنف حميٍّ، وعزم فتيٍّ، لا يبالي أسقط على الموت أم سقط الموت عليه. ولا يفكر في الفرار أو التولِّي عند الزحف مهما يصبْه ما يصيبه.

ومما يعينه على هذا الثبات: إيمانه بأن الله تعالى معه، يؤيِّده وينصره، {وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم:47]، وأن الحقَّ معه، والحقُّ لا بد أن ينتصر: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً} [الإسراء:81]، وأن الإنسان لا يموت قبل أجله، وأن الإقدام لا يقدِّم أجله، والإحجام لا يؤخِّره، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وهذا معنى الإيمان بالقدر. ولهذا كان علي رضي الله عنه ينشد في المعارك التي يخوضها:

أيَّ يوميَّّ من الموت أفرّْ؟ ... يوم لا يُقدر أم يوم قُــدرْ

يوم لا يُقدر لا أحــذره ... ومن المقدور لا يُغني الحذرْ

ولهذا أوجب الإسلام على المؤمنين أن يثبتوا في حروبهم إذا حاربوا، وحرَّم عليهم أن يفرُّوا ويولُّوا الأدبار، إلا في حالتين ذكرهما القرآن، واعتبر النبي صلى الله عليه وسلم (التولِّي يوم الزحف) من الموبقات السبع، أي من الكبائر السبع المهلكة للفرد والجماعة.

وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [الأنفال:15،16]. وهذا الوعيد الشديد يدلُّ على أن الفرار يوم الزحف من الكبائر، حيث يبوء بغضب الله ودخول جهنم.

فلم يُرخِّص القرآن في الفرار أو تولية الأدبار إلا في حالتين استثناهما ونصَّ عليهما، وهما: التحرُّف لقتال ... والتحيُّز إلى فئة. فما معنى كل منهما؟

يقول القرطبي في تفسيره: (قوله تعالى: {إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ}، التحرُّف: الزوال عن جهة الاستواء. فالمتحرِّف من جانب إلى جانب لمكايد الحرب: غير منهزم؛ وكذلك المتحيِّز إذا نوى التحيُّز إلى فئة من المسلمين، ليستعين بهم، فيرجع إلى القتال: غير منهزم أيضا.

روى أبو داود، عن عبد الله بن عمر: أنه كان في سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فحاص[2] الناس حيصة، فكنتُ فيمن حاص. قال: فلما برزنا قلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزحف، وبؤنا بالغضب؟ فقلنا: ندخل المدينة فنتثبت فيها، ونذهب ولا يرانا أحد. قال: فدخلنا، فقلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن كانت لنا توبة أقمنا، وإن كان غير ذلك ذهبنا. قال: فجلسنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل صلاة الفجر، فلما خرج قمنا إليه، فقلنا: نحن الفرَّارون! فأقبل إلينا فقال" "لا بل أنتم العكارون". قال: فدنونا فقبَّلنا يده. فقال: "أنا فئة المسلمين"[3[

قال ثعلب: العكَّارون هم العطَّافون. وقال غيره: يقال للرجل الذي يولِّي عند الحرب ثم يكُرُّ راجعا: عَكَر واعتكر.

وروى جرير، عن منصور، عن إبراهيم قال: انهزم رجل من القادسية، فأتى المدينة إلى عمر فقال: يا أمير المؤمنين، هلكتُ! فررتُ من الزحف. فقال عمر: أنا فئتك[4[

وقال محمد بن سيرين: لما قتل أبو عبيد[5] جاء الخبر إلى عمر فقال: لو انحاز إليَّ فكنتُ له فئة، فأنا فئة كل مسلم[6].[

وعلى هذه الأحاديث لا يكون الفرار كبيرة، لأن الفئة هنا: المدينة والإمام وجماعة المسلمين حيث كانوا. وعلى القول الآخر يكون كبيرة، لأن الفئة هناك الجماعة من الناس الحاضرة للحرب. هذا على قول الجمهور: أن الفرار من الزحف كبيرة. قالوا: وإنما كان ذلك القول من النبي صلى الله عليه وسلم وعمر على جهة الحيْطة على المؤمنين، إذ كانوا في ذلك الزمان يثبتون لأضعافهم مرارا. والله أعلم. وفي قوله: "والتولِّي يوم الزحف" ما يكفي)[7] انتهى.

وهناك شرط آخر اشترطه فقهاء المسلمين لتحريم الفرار أو التولِّي يوم الزحف، وهو: ألا يبلغ عدوهم من المشركين أكثر من ضعف المسلمين (مثليهم). وقد أخذوا هذا استنباطا من آيات سورة الأنفال، حيث قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلَى القِتَالِ إن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ * الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال:66،65[

دلَّت الآيتان على أن المؤمن في حالة القوة يملك من الطاقة ما يفوق عشرة أمثال غيره، فالعشرون يغلبون مائتين، والمائة تغلب ألفا، وهو في حالة الضعف يملك من الطاقة ما يفوق ضعف خصومه، فالمائة تغلب مائتين، والألف تغلب ألفين بإذن الله. وقد أخذ الفقهاء من هذه الآية الثانية: أن المسلم يجب أن يثبت لمثليه، فقد وعد القرآن بغلب المثلين. فإذا زاد العدو عن المثلين لم يجب عليه الثبات، وإن استحبَّ له.

ومن الفقهاء: مَن لم يجعل المعيار في وجوب الثبات وعدمه: عدد الأعداء، بل أدخل في ذلك قوة السلاح والعُدَّة والخيل وغيرها من المركبات، وقدرة المقاتلين وبسالتهم وحسن تدريبهم. وهو متَّجه.

قال الإمام القرطبي في تفسيره: (أمر الله عزَّ وجلَّ في هذه الآية ألا يولِّي المؤمنون أمام الكفار. وهذا الأمر مقيَّد بالشريطة المنصوصة في مِثْلَي المؤمنين، فإذا لقيت فئة من المؤمنين فئة هي ضعف المؤمنين من المشركين فالفرض ألاَّ يفرُّوا أمامهم. فمَن فرَّ من اثنين فهو فارٌّ من الزحف. ومَن فرَّ من ثلاثة فليس بفارٍ من الزحف، ولا يتوجَّه عليه الوعيد.

والفرار كبيرة موبقة، بظاهر القرآن وإجماع الأكثر من الأئمة.

وقالت فرقة منهم ابن الماجشون في الواضحة (اسم كتاب): إنه يراعى الضعف والقوة والعُدَّة؛ فيجوز على قولهم: أن يفرَّ مائة فارس من مائة فارس، إذا علموا أن ما عند المشركين من النجدة والبسالة ضعف ما عندهم.

وأما على قول الجمهور، فلا يحلُّ فرار مائة إلا ما زاد على المائتين؛ فمهما كان في مقابلة مسلم أكثر من اثنين فيجوز الانهزام، والصبر أحسن. وقد وقف جيش مؤتة - وهم ثلاثة آلاف - في مقابلة مائتي ألف، منهم مائة ألف من الروم، ومائة ألف من المستعربة من لَخم وجُذَام.

قلت (والقائل القرطبي): ووقع في تاريخ فتح الأندلس، أن طارقا مولى موسى بن نصير سار في ألف وسبعمائة رجل إلى الأندلس، وذلك في رجب سنة ثلاث وتسعين من الهجرة؛ فالتقى وملك الأندلس لذريق، وكان في سبعين ألف عِنان، فزحف إليه طارق وصبر له، فهزم الله الطاغية لذريق، وكان الفتح.

قال ابن وهب: سمعتُ مالكا يُسأل عن القوم يلقَون العدو، ويكونون في محرس يحرسون، فيأتيهم العدو، وهم يسير، أيقاتلون أو ينصرفون، فيؤذنون أصحابهم؟ قال: إن كانوا يقوون على قتالهم قاتلوهم، وإلا انصرفوا إلى أصحابهم فآذنوهم.

• مَن قال: تحريم الفرار خاص بيوم بدر:

قال القرطبي: واختلف الناس: هل الفرار يوم الزحف مخصوص بيوم بدر أم عام في الزحوف كلِّها إلى يوم القيامة؟

فرُوي عن أبي سعيد الخُدْرِي: أن ذلك مخصوص بيوم بدر. وبه قال نافع والحسن وقتادة ويزيد بن أبي حبيب والضحاك، وبه قال أبو حنيفة. وأن ذلك خاصٌّ بأهل بدر، فلم يكن لهم أن ينحازوا، ولو انحازوا لانحازوزا للمشركين، ولم يكن في الأرض يومئذ مسلمون غيرهم، ولا للمسلمين فئة إلا النبي صلى الله عليه وسلم؛ فأما بعد ذلك فإن بعضهم فئة بعض.

قال الكِيَا: وهذا فيه نظر؛ لأنه كان بالمدينة خلق كثير من الأنصار، لم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج، ولم يكونوا يرون أنه قتال، وإنما ظنُّوا أنها العير؛ فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمَن خفَّ معه.

• رأي الجمهور أن التحريم عام ودائم:

ويُروى عن ابن عباس وسائر العلماء: أن الآية باقية إلى يوم القيامة. احتجَّ الأولون بما ذكرنا، وبقوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ}، فقالوا: هو إشارة إلى يوم بدر، وأنه نسخ حكم الآية بآية الضِّعف. وبقي حكم الفرار من الزحف ليس بكبيرة. وقد فرَّ الناس يوم أُحد فعفا الله عنهم[8] ، وقال الله فيهم يوم حنين: {ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} [التوبة:25]، ولم يقع على ذلك تعنيف.

وقال الجمهور من العلماء: إنما ذلك إشارة إلى يوم الزحف الذي يتضمَّنه قوله تعالى: {إِذَا لَقِيتُمُ} [الأنفال:15]. وحكم الآية باقٍ إلى يوم القيامة بشرط الضعف الذي بيَّنه الله تعالى في آية أخرى، وليس في الآية نسخ.

والدليل عليه: أن الآية نزلت بعد القتال وانقضاء الحرب وذهاب اليوم بما فيه.

وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وأكثر العلماء. وفي صحيح مسلم[9] ، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اجتنبوا السبع الموبقات - وفيه - والتولِّي يوم الزحف". وهذا نصٌّ في المسألة.

وأما يوم أُحد فإنما فرَّ الناس من أكثر من ضعفهم، ومع ذلك عُنِّفوا. وأما يوم حنين فكذلك مَن فرَّ إنما انكشف عن الكثرة؛ على ما يأتي بيانه)[10] انتهى من القرطبي.

• متى يكون الفرار محرما؟

والفرار المحرَّم - كما يُفهم من الآية والحديث - هو الفرار من الصفِّ بعد ملاقاة العدو.

وهذا بخلاف ما لو لقي مسلم كافرين فطلبهما أو طلباه، فلا يحرم عليه الفرار، لأن فرض الثبات إنما هو في الجماعة[11] . حتى لا يُخَذِّلها ويوهنها بفراره.

 

ولو ذهب سلاحه وأمكنه استعمال أي وسيلة أخرى للمقاومة - ولو كانت الرمي بالأحجار - لم يجُز له الفرار أيضا[12[

• متى يكون الفرار واجبا؟

وفي بعض الأحوال والأحيان يكون الفرار واجبا، إذا كان ذلك ضروريا للحفاظ على الأمة أن تباد، لقلتهم وكثرة عدوهم، أو لضعفهم وقوته، أو لتفوق أسلحته على أسلحة المسلمين، مما يرى أولو الأمر وأهل الرأي من المسلمين: ألا نجاة لهم إلا بالاستسلام. قال القرافي في (الذخيرة): قال إمام الحرمين من الشافعية: إذا تيقن المسلمون أنهم لا يؤثرون شيئا البتة، وأنهم يُقتلون من غير نكاية في العدو، ولا أثر: وجبت الهزيمة (أي الاستسلام)، من غير خلاف بين العلماء[13[

قال القرافي: وهو متَّجه. وعلى هذا يمكن انقسام الفرار إلى الواجب والمحرَّم والمندوب والمكروه والمباح، بحسب الأمارات الدالة على المصالح وتعارضها ورجحانها[14] انتهى.

• التحصن من الأعداء:

ويجوز لأهل بلدة قصدهم الأعداء: أن يتحصَّنوا منهم، ويلجأوا إلى الخنادق والحصون، إذا رأوا ذلك أحفظ لحوزتهم، وأمنع لهم من عدوهم، لأن الإثم الذي جاءت به النصوص منوط بمَن فرَّ منهم بعد لقائهم. ولا يدخل فيه التحصُّن قبل اللقاء[15[

وقد يكون التحصُّن واجبا إذا تعيَّن وسيلة للحفاظ على المسلمين.

وقد حفر النبي صلى الله عليه وسلم الخندق حول المدينة، لما أراد مشركو قريش ومن معهم غزوها، ولم يكن للمسلمين طاقة بمواجهة هذه الأعداد الكثيفة من المُغِيرين، فأُشير عليه بحفر الخندق، فاستحسنه ونفَّذه.

بل إن بناء الخنادق ونحوها أصبح في عصرنا ضرورة من ضرورات الحرب، لحماية المدنيين من أخطار القذائف والصواريخ وغيرها من وسائل وآليات الحرب الحديثة، فلم يعُد القتال مواجهة بين الفرسان والجنود بعضهم وبعض، بل اتَّسعت دائرة الحرب، وأصبحت تهدِّد النساء والأطفال والشيوخ وسائر المدنيين العزل، الذين لا يحملون السلاح، ويعملون في حقولهم أو مصانعهم أو مكاتبهم، أو يجلسون في بيوتهم.

ومن هذا يتَّجه القول إلى أن بناء الخنادق والحصون ونحوها مما يحمي الجماعات المدنية من آثار الحرب المدمِّرة لم يعُد الآن مجرَّد أمر جائز، بل أصبح الآن واجبا من الواجبات التي تُمليها الحرب بقدر ما تستطيع الأمة وفي حدود إمكاناتها وأولوياتها. ويجب على الأمة أن تستعدَّ ببناء هذه الخنادق ونحوها قبل الحرب، أخذا بالاحتياط والحذر، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ} [النساء:71[

قال ابن قدامة في (المغني): (فإن جاء العدو بلدا، فلأهله التحصُّن منهم، وإن كانوا أكثر من نصفهم، ليلحقهم مدد أو قوة، ولا يكون ذلك تولِّيا ولا فرارا، وإنما التولِّي بعد اللقاء.

وإن لقوهم خارج الحصن، فلهم التحيُّز إلى الحصن؛ لأنه بمنزلة التحرُّف للقتال، أو التحيُّز إلى فئة.

وإن غزوا فذهبت دوابهم، فليس ذلك عذرا في الفرار، لأن القتال ممكن للرجَّالة.

وإن تحيَّزوا إلى جبل ليقاتلوا فيه رجَّالة، فلا بأس، لأنه تحرُّف للقتال.

وإن ذهب سلاحهم فتحيَّزوا إلى مكان يمكنهم القتال فيه بالحجارة، والتستُّر بالشجر ونحوه؛ أو لهم في التحيُّز إليه فائدة: جاز.

فإذا ألقى الكفار نارا في سفينة فيها مسلمون، فاشتعلت فيها، فما غلب على ظنِّهم السلامة فيه، من بقائهم في مركبهم، أو إلقاء نفوسهم في الماء، فالأولى لهم فعله، وإن استوى عندهم الأمران، فقال أحمد: كيف شاء يصنع. قال الأوزاعي: هما موتتان، فاختر أيسرهما! وقال أبو الخطاب: فيه رواية أخرى: أنهم يلزمهم المقام؛ لأنهم إذا رمَوا نفوسهم في الماء، كان موتهم بفعلهم، وإن أقاموا فموتهم بفعل غيرهم)[16] انتهى.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، أسوة الصحابة وإمامهم في الثبات في المعارك، قد يفرُّ بعض أصحابه من حوله لسبب أو لآخر، ولكنه ثابت كالطود الأشمِّ، تهبُّ عليه العواصف ولا يتزعزع.

انظر: موقفه في غزوة أُحد، وموقفه في غزوة حنين، حين حمي الوطيس، وانفضَّ الكثيرون من حوله، مع أن أصحابه كان يضرب بهم المثل في الشجاعة والفداء والثبات.

ففي غزوة أُحد ثبت صلى الله عليه وسلم، في قلب المعركة، حتى جرح وجهه، وكُسرت رَبَاعِيَتُه، وهُشِمَت البيضة على رأسه. فكانت فاطمة عليها السلام تغسل الدم، وعلي يمسك، فلما رأت أن الدم لا يزيد إلا كثرة، أخذت حصيرا فأحرقته حتى صار رمادا، ثم ألزقته، فاستمسك الدم". كما رواه سهل بن سعد[17[

وقد ثبت معه جماعة من أصحابه يتلقَّون عنه النبال، ويفدونه بأنفسهم. وقد كانت إشاعة موته صلى الله عليه وسلم، فتَّت في عضدهم، وأدخلت الوهن على عدد منهم، ففرُّوا، وقد لقي هؤلاء الفارِّين بعضُ الثابتين من الصحابة، فسألوهم، فقالوا: مات رسول الله صلى الله عليه وسلم! فقالوا: ولماذا لا تموتون على ما مات عليه رسول الله ؟[18[

وفي ذلك نزل قوله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران:144]، ثم ضرب لهم المثل بمَن كان قبلهم من المؤمنين، قال: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران:146-148].

فكان من دعائهم: أن يثبت الله أقدامهم حتى لا يتزلزلوا ولا يفرُّوا. وهو ما دعا به كذلك أصحاب طالوت حين برزوا لجالوت وجنوده، فقالوا: {وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة:251،250].

وإذا كان هناك بعض الذين فرُّوا في أُحد - لعوامل وقتية أثَّرت فيهم - فهناك مَن ضربوا أروع الأمثلة في الثبات والبطولة. من هؤلاء أنس بن النضر، الذي روى البخاري قصته، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: غاب عمِّي أنس بن النضر عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله! غبتُ عن أول قتال قاتلتَ المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرينَّ الله ما أصنع! فلما كان يوم أُحد وانكشف المسلمون قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء (يعني: أصحابه)، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء (يعني: المشركين). ثم تقدَّم فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: يا سعدَ بن معاذ، الجنةَ وربِّ النضر، إني أجد ريحها من دون أُحد! قال سعد: فما استطعتُ يا رسول الله، ما صنع! قال أنس: فوجدنا به بضعا وثمانين: ضربة بالسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، ووجدناه قد قُتل، وقد مثَّل به المشركون، فما عرَفه أحد إلا أخته ببنانه، قال أنس: كنا نُرى - أو نظنُّ - أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} إلى آخر الآية [الأحزاب:23] [19[

ومثل موقف النبي صلى الله عليه وسلم وثباته في أُحد: موقفه وثباته يوم حنين، وقد فرَّ من حوله مَن فرَّ.

وهو ما ذكره القرآن في قوله تعالى: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا} [التوبة:25،26].

في هذا اليوم العصيب كان ثباته صلى الله عليه وسلم، الذي بهر الأبصار، وخلب الألباب، روى البخاري ومسلم، عن أبي إسحاق، أن رجلا قال للبراء بن عازب رضي الله عنهما: أفررتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين؟ قال: لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفر. إن هوازن كانوا قوما رماة، وإنا لما لقيناهم حملنا عليهم فانهزموا، فأقبل المسلمون على الغنائم، فاستقبلونا بالسهام، فأما رسول الله، فلم يفر. فلقد رأيتُه وإنه لعلى بغلته البيضاء، وإن أبا سفيان (ابن الحارث بن عبد المطلب) آخذ بلجامها، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب"[20[

• هل يستأسر المقاتل المسلم؟

ومما بحثه الفقهاء من أحكام القتال في هذا المقام: حكم استئسار المسلم للأعداء في الميدان: أي هل يجوز للمسلم أن يستسلم ويرفع الراية البيضاء، ويقبل أن يوضع في قيد الأُسارى؟ وهذا معنى كلمة (يستأسر) أي يطلب الأسر أو يقبل الأسر، فالسين والتاء للطلب كما هو معروف.

ذكر البخاري في كتاب الجهاد: (باب هل يستأسر الرجل؟)، ساق فيه حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم: عشرةَ رهطٍ سريةً عَينًا (أي عيونا للتجسس على العدو) وأمَّر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري - جد عاصم بن عمر بن الخطاب لأمه - فانطلقوا، حتى إذا كان بالهدأة - وهو بين عُسفان ومكة - ذُكروا لحي من هُذيل يقال لهم: بنو لِحْيان، فنفروا لهم قريبا من مائتي رجل، كلهم رامٍ (أي مُجيد فن الرماية) فاقتفوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم: تمرا تزوَّدوه من المدينة، فقالوا: هذا تمر يثرب! فاقتفوا آثارهم، فلما رآهم عاصم وأصحابه لجأوا إلى فَدفَد، وأحاط به القوم، فقالوا لهم: انزلوا بأيديكم، ولكم العهد والميثاق، ولا نقتل منكم أحدا. فقال عاصم بن ثابت أمير السرية: أما أنا فوالله لا أنزل اليوم في ذمَّة كافر، اللهم أخبر عنا نبيك! فرموهم بالنبل، فقتلوا عاصما في سبعة. فنزل إليهم ثلاثة رهط بالعهد والميثاق، منهم: خُبَيب الأنصاري، وابن دَثِنَة[21] ، ورجل آخر. فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قِسيِّهم، فأوثقوهم، فقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر، والله لا أصحبكم. إن لي في هؤلاء لأسوة (يريد القتلى). وجرَّدوه وعالجوه على أن يصحبهم فأبى، فقتلوه. فانطلقوا بخُبَيب وابن دَثِنَة، حتى باعوهما بمكة بعد وقيعة بدر، فابتاع خُبَيبا: بنو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف. وكان خُبَيب هو قاتل الحارث بن عامر يوم بدر، فلبث خبيب عندهم أسيرا. فلما خرجوا من الحرم ليقتلوه في الحِلِّ، قال لهم خُبَيب: ذروني أركع ركعتين. فتركوه فركع ركعتين، ثم قال: لولا أن تظنُّوا أن ما بي جزع، لطوَّلتهما، اللهم أحصهم عددا!

ولستُ أبالي حين أُقتَل مسلما على أيِّ شقٍّ كان في الله مصرعي

وذلك في ذات الإله، وإن يشأْ يباركْ على أوصال شِلْو مُـمَـزَّع

فقتله ابن الحارث[22[

بيَّن هذا الحديث: أن من الصحابة من رفض الاستسلام وأبى الاستئسار، وقاتل حتى قُتل، رغم عدم تكافؤ أو تقارب القوتين، فالمسلمون كانوا عشرة، وهؤلاء كانوا مائتين من أمهر الرماة. ولكن من الصحابة مَن رأى أن المقاومة لا تُجدي، وصدَّق القوم حينما أعطوهم العهد الميثاق ألا يقتلوهم، ومن هؤلاء الصحابة: الصحابي الجليل خُبَيب بن عدي الأنصاري وصاحبه زيد بن الدَّثِنَة رضي الله عنهما.

قال الحافظ في (الفتح): (في الحديث: أن للأسير أن يمتنع من قَبول الأمان، ولا يمكِّن من نفسه، ولو قتل، أَنَفَة من أن يجري عليه حكم كافر، وهذا إذا أراد الأخذ بالشدة. فإن أراد الأخذ بالرُخصة، فله أن يستأمن.

قال الحسن البصري: لا بأس بذلك.

وقال سفيان الثوري: أكره ذلك)[23] اهـ.


اترك تعليق