كتاب : فقه الجهاد .. - الحلقة [ 58 ] : الباب السادس : جيش الجهاد الإسلامي "واجباته وآدابه ودستوره" الفصل الأول : واجبات الجيش المسلم قبل المعركة ، أو : متطلبات النصر للجيش المسلم ( 5 من 5) • ( 11 ) الحراسة في سبيل الله:

By : أ.د وسف القرضاوي

 

ومن أخذ الحذر الذي أمر به الإسلام: إعداد الحراسة والحُرَّاس، ليسهروا على حفظ حرمات المسلمين، وكلِّ ما يُخاف عليه من العدو أن يتسلَّل إليه في غفلة من المسلمين. فيجب أن تبقى في المسلمين أعين ساهرة، تتناوب الحراسة، بحيث لا تترك فرصة يثِب منها العدو.

من ذلك حراسة المواقع العسكرية، ومخازن المعدات والذخائر، وكلُّ المنشآت المهمة، وإن لم تكن عسكرية، ولكن لها خطورة معينه مثل المصارف (البنوك) والجسور ومحطات الكهرباء والماء، والمخابز والمستشفيات، ومؤسسات الدولة المؤثِّرة، مثل وزارة الدفاع ووزارة المالية ووزارة الداخلية ونحوها.

ومن ذلك: حراسة القادة الذين لهم شأن، والذين يُخشى عليهم من الأعداء.

وقد ذكر البخاري في الجهاد: (باب الحراسة في الغزو في سبيل الله)، وساق فيه حديث عائشة رضي الله عنها تقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم يسهر، فلما قدم المدنية قال: "ليت رجلا من أصحابي صالحا يحرسني الليلة". إذ سمعنا صوت سلاح، فقال: "مَن هذا؟". فقال: أنا سعد بن أبي وقاص، جئتُ أحرسك. فنام النبي صلى الله عليه وسلم [1]. زاد في رواية: حتى سمعنا غطيطه[2[

وفي رواية عند مسلم: أن سعدا قال: وقع في نفسي خوف على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجئتُ أحرسه، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم[3[

قال في (الفتح): وفي الحديث: (الأخذ بالحذر والاحتراس من العدو، وأن على الناس أن يحرسوا سلطانهم خشية القتل.

وفيه: الثناء على مَن تبرَّع بالخير، وتسميته صالحا، وإنما عانى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، مع قوة توكُّله، للاستنان به في ذلك، وقد ظاهر بين درعين، مع أنه إذا اشتدَّ البأس كان أمام الكل. وأيضا، فالتوكُّل لا ينافي تعاطي الأسباب، لأن التوكُّل عمل القلب، وهي عمل البدن، وقد قال إبراهيم عليه السلام: {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة:260]، وقال عليه السلام: "اعقلها وتوكَّل"[4[

قال ابن بطال: نُسخ ذلك (أي حراسة النبي عليه السلام) كما دلَّ عليه حديث عائشة، يعني: ما رواه الترمذي عنها قالت: كان النبي يُحرَس حتى نزلت هذه الآية {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة:67][5] ، وقال القرطبي: ليس في الآية ما ينافي الحراسة، كما أن إعلام الله نصر دينه وإظهاره: لا يمنع الأمر بالقتال وإعداد العدد، وعلى هذا فالمراد: العصمة من الفتنة والإضلال، أو إزهاق الروح، والله أعلم) [6] انتهى.

وساق البخاري في هذا الباب: حديث أبي هريرة، وفيه: "طوبى لعبد آخذٍ بعِنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مُغبرَّة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة"[7[

• أحاديث في فضل الحراسة في سبيل الله :

وقد ساق الحافظ المنذري في كتابه (الترغيب والترهيب) عددا من الأحاديث في فضل (الحراسة في سبيل الله)، نذكر منها هنا ما اخترناه في كتابنا (المنتقى) :

1 - عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "عينان لا تمسُّهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله". رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب[8[

2 - وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألا أنبِّئكم ليلة أفضل من ليلة القدر؟ حارس حرس في أرض خوف لعله ألا يرجع إلى أهله". رواه الحاكم وقال: صحيح على شرط البخاري[9[

3 - وعن عثمان رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حرس ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة يُقام ليلها، ويُصام نهارها". رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد[10[

4 - وعن أبي ريحانة رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة، فأتينا ذات يوم على شَرَف، فبتنا عليه، فأصابنا برد شديد حتى رأيتُ مَن يحفر في الأرض حفرة يدخل فيها، ويلقي عليه الحَجَفَة - يعني الترس - فلما رأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم من الناس قال: "مَن يحرسنا الليلة، وأدعو له بدعاء يكون فيه فضل؟".

فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله. قال: "اُدنُه". فدنا، فقال: "مَن أنت؟". فتَسمَّى له الأنصاري، ففتح رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدعاء فأكثر منه.

قال أبو ريحانة: فلما سمعتُ ما دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلتُ: أنا رجل آخر قال: "اُدنُه". فدنوتُ، فقال: "من أنت؟". فقلتُ: أبو ريحانة، فدعا لي بدعاء وهو دون ما دعا للأنصاري، ثم قال: "حرِّمت النار على عين دمعت - أو بكت - من خشية الله، وحرِّمت النار على عين سهرت في سبيل الله عز وجل". وقال: "حرِّمت النار على عين أخرى ثالثة"[11] . لم يسمعها محمد بن شُمَير. رواه أحمد واللفظ له، ورواته ثقات، وللنسائي ببعضه، والطبراني في (الكبير) و(الأوسط)، والحاكم وقال: صحيح الإسناد[12[

5 - وعن سهل بن الحَنظَلِية رضي الله عنه: أنهم ساروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، فأطنبوا السير حتى كان عشية، فحضرت صلاة الظهر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء فارس فقال: يا رسول الله، إني انطلقتُ بين أيديكم حتى طلعتُ على جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن على بكرة أبيهم، بظُعُنهم ونَعَمهم ونسائهم، اجتمعوا إلى حنين، فتبسَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "تلك غنيمة المسلمين غدا إن شاء الله تعالى"[13] . ثم قال: "مَن يحرسنا الليلة؟". قال أنس بن أبي مَرثَد الغَنَوي: أنا يا رسول الله، قال: "اركب". فركب فرسا له، وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "استقبل هذا الشِّعب حتى تكون في أعلاه، ولا نُغرَّنَّ من قِبَلك الليلة".

فلما أصبحنا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مصلاَّه فركع ركعتين، ثم قال: "هل أحسستم فارسكم؟". قالوا: يا رسول الله، ما أحسسناه، فوثب بالصلاة، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي، وهو يلتفت إلى الشِّعب، حتى إذا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته وسلم قال: "أبشروا، فقد جاء فارسكم".

فجعلنا ننظر إلى خلال الشجر في الشِّعب، فإذا هو قد جاء، حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إني انطلقتُ حتى كنتُ في أعلى هذا الشِّعب حيث أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أصبحتُ اطَّلعتُ الشِّعبين كليهما، فنظرتُ فلم أرَ أحدا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل نزلتَ الليلة؟". قال: لا، إلا مصليا أو قاضي حاجة. فقال رسول الله صلى الله عيه وسلم: "قد أوجَبتَ، فلا عليك ألا تعمل بعدها". رواه أبو داود - واللفظ له - والنسائي [14]. ومعنى "أوجَبتَ": أي أتيتَ بفعل أوجب لك الجنة.

• ( 12 ) تأمين الجبهة الداخلية:

ومن الواجبات المهمَّة في الجهاد الإسلامي، واللازمة لتحقيق النصر على الأعداء: العناية بما يُسمَّى الآن (الجبهة الداخلية)، التي تقف وراء المجاهدين تمدُّهم بما يحتاجون إليه من غذاء، ودواء، وكساء، وفراش وغطاء، وشتَّى حاجات المعيشة. ناهيك بالإمداد بالسلاح والذخيرة ومتطلَّبات الجانب العسكري.

ومن هنا: يجب أن نهتمَّ بالأرض وبالفلاح الذي يزرعها، وبالمصنع وبالمهندس الذي يديره، والعامل الذي يشغِّله، وبالمستشفيات وأطبائها وممرضيها وممرضاتها وصيدلياتها، وبمحطات المياه والكهرباء، والمطاحن والمخابز والعاملين فيها، وبالمدارس والجامعات، بحيث تظلُّ العجلة التعليمية والصناعية والزراعية والصحية وغيرها: دائرة، ولا تتوقف من أجل القتال الذي كُتب على المسلمين وهو كره لهم.

ولهذا وجدنا القرآن الكريم ينكر على المسلمين أن ينفروا كلُّهم للقتال: ويَدَعوا بعض الثغرات الضرورية للمجتمع المسلم دون أن يقوم علها عدد كافٍ يسدُّها، مثل التفقُّه في الدين، فكما أن الأمة تحتاج إلى المجاهدين ليدافعوا عن كِيانها ورسالتها: تحتاج إلى المتفقِّهين في الدين، ليعلِّموها ما يجب عليها نحو ربها ونفسها وغيرها، وهذا الفقه هو أساس وجودها ... وفي هذا جاء قوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً - أي إلى الجهاد والقتال - فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة:122[

• تغطية كل الفروض الكفائية المطلوبة :

ولهذا أجمع العلماء على أن التفقُّه في علوم الدين - على اختلاف أصنافها ومراميها - إلى حدِّ التعمُّق والتبحُّر والاجتهاد فيها: فرض كفاية على الأمة، أي أن الأمة مسؤولة عن القيام بهذا الفرض مسؤولية تضامنية، فإذا وجد عدد كافٍ يلبي حاجة الأمة: سقط الإثم والحرج عنها، وإلا أثمت الأمة عامة، وأولو الأمر فيها خاصة.

ومثل ذلك: كل الفروض الكفائية، التي لا يقوم للأمة كِيان، ولا تتحقَّق لها سيادة إلا بها، مثل ما قاله الإمام النووي في المنهاج والإمام ابن قدامة في المغني: من ذلك: القيام بإقامة الحج، وحلُّ المشكلات في الدين، والقيام بعلوم الشرع كتفسير وحديث، وعلم الفروع أي الفقهية بحيث يصلح للقضاء، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإحياء الكعبة كل سنة بالزيارة ... ودفع ضرر المسلمين، ككسوة عارٍ، وإطعام جائع إذا لم يندفع بزكاة وبيت مال، والحِرَف والصنائع وما تتمُّ به المعايش ... إلخ[15[

ومن ذلك: كلُّ علم يحتاج إليه المسلمون كعلم الطب والهندسة والفلك والفيزياء والكيمياء والجيولوجيا (علم الأرض) والبيولوجيا (علم الأحياء)، والرياضيات وغيرها. مما أصبح في عصرنا ضرورة لامتلاك القوة، اللازمة للدفاع عن الحوزة، ولتحقيق الاكتفاء الذاتي للأمَّة في الناحية الاقتصادية والطبية والتكنولوجية وغيرها.

ومن ذلك كل حرفة أو صناعة أو تقنية يحتاج إليها المسلمون في سلمهم أو حربهم يعد توفرها والتفوق فيها فرض كفاية وهذا مما لا خلاف فيه .

وكان النبي صلى الله عيه وسلم حريصا على أن تكون الجبهة الداخلية - حين يخرج هو للقتال - قوية متراصَّة، وأن يكون عليها من الرجال القوي الأمين، الذي يحافظ عليها، ويقوم بحقِّ رعايتها على ما يحبُّ الله ورسوله.

ولهذا حينما خرج النبي صلى الله عليه وسلم لغزو تبوك، وهي غزوة بعيدة المسافة، وتأخذ مدَّة من الزمن: استخلف على الناس علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقال له علي: أتخلفني في الصبيان والنساء؟ قال: "ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ إلا إنه لا نبي بعدي"[16[

فبيَّن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: أنه لم يستخلفه على الناس استهانة به أو تقليلا من شأنه، وهو مَن هو، فارس الأمة، وبطل الحروب، ولكنه يخلِّفه في قومه كما قال موسى لأخيه هارون حين ذهب لميقات ربه، وقال لأخيه: {اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} [الأعراف:142]. وبهذا رضي عليٌّ رضي الله عنه.

• تحصين الجبهة الداخلية من تأثير الحرب النفسية والإعلامية :

ومن تأمين الجبهة الداخلية: تحصينها دينيا وفكريا من حملات الحرب الإعلامية، والحرب النفسية، التي يشنُّها الأعداء، ليفتُّوا في عضد المسلمين، ويوهنوا من رُوحهم المعنوية، ومن ثقتهم بالنصر، وثقتهم بقيادتهم، وثقتهم بعضهم ببعض، ويشيعوا البلبلة في صفوفهم، والأخبار الكاذبة، والإشاعات المضلِّلة بين رجالهم ونسائهم المثبِّطة لهممهم. فلا بد أن نحصِّن الأمة بثقافة قوية مضادَّة، حتى لا تتأثَّر بهذا الغزو المخطط الماكر، وأن نشيع ثقافة (المبشرات)[17] لا (المؤيسات)، وأن نقوم نحن بحملات مضادَّة، فخير وسائل الدفاع الهجوم. وعلى علمائنا ووعَّاظنا وخطبائنا وكتَّابنا وصحفيينا وإعلاميينا: أن ينوِّروا عقول الشعب بالوعي المضيء، وبالأفكار النيِّرة، وبالأخبار المشجِّعة، والتحذير من الاستماع إلى المرجفين والمخذِّلين الذين قال الله فيهم: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} [التوبة:47[

ولقد حذَّرت سورة التوبة من مكايد المنافقين وحبائلهم وأساليبهم الملتوية في تثبيط المؤمنين وخلخلة صفوفهم، والتشكيك في قيادتهم، كما قال الله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ} [التوبة:58]، {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ} [التوبة:61]، {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} إلى أن قال: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ} [التوبة:65-67[

• خلافة أسر المجاهدين بخير :

ومن أبرز معالم العناية بالجبهة الداخلية: العناية بأُسر المجاهدين، والقيام بحاجات نسائهم وأولادهم، وصيانة حرماتهم، فهم مشغولون بالذود عن حياض الأمة، ويعرِّضون أرواحهم للخطر في سبيلها، فلا أقل من أن ترعى الأمة أهليهم وعائلاتهم في غيبتهم، حتى إن رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ليعتبر هذه الرعاية ضربا من الجهاد في سبيل الله.

وفي هذا جاء الحديث الصحيح المتفق عليه: "مَن جهَّز غازيا في سبيل الله فقد غزا، ومَن خلف غازيا في أهله بخير فقد غزا"[18[

فما أجمل هذا وما أروعه! أن تُعتبَر خلافة الغازي بخير في أهله وماله: ضربا من الغزو، ومشاركة في الجهاد، فهذا يقاتل العدو، وهذا يحفظ له أهله وولده.

وقريب من ذلك: رعاية ما خلَّفه وراءه من مال، من أرض وحرث، أو مصنع، أو محل تجارة، أو غير ذلك، فينبغي أن يتقرَّب المجتمع المدني إلى الله بحفظه، واعتباره كمال اليتيم، لا يُقرَب إلا بالتي هي أحسن، ولا يُعتبَر مالا (سائبا) حيث غاب عنه صاحبه، ويطبَّق عليه المثل القائل: (المال السايب يُعلِّم السرقة).

• التحذير من خيانة المجاهد في أهله :

أما مَن خان المجاهد في أهله، فقد ارتكب إثما عظيما، ويضاعَف الوزر عليه، فإن المعصية يتضاعف إثمها بما يصاحبها من ملابسات، فالزاني بامرأة المجاهد، أو بحليلة الجار: أعظم عقوبة عند الله من الزاني بامرأة عادية. وقد روى مسلم، عن بُرَيدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عيه وسلم: "حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم! ما من رجل من القاعدين يخلف رجلا من المجاهدين في أهله، فيخونه فيهم، إلا وقف له يوم القيامة، فيأخذ من عمله ما شاء، فما ظنكم؟". وفي رواية: "فخُذ من حسناته ما شئتَ". فالتفت إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "فما ظنكم؟[19]".

ومعنى: "فما ظنكم؟": أي ما تظنون في رغبته في أخذ حسناته والاستكثار منها في ذلك المقام، أي لا يُبقي منها شيئا إن أمكنه! وقد رواه النسائي، وزاد فيه: "أترون يَدَع له من حسناته شيئا؟"[20[.

قال ابن النحاس: (وقد روي هذا الحديث من وجوه لا تُحصَى، وعن عدد من الصحابة.

قال أبو عبد الله الحليمي معلِّقا على هذا الحديث: هذا - والله اعلم - لعظم حقِّ المجاهد على القاعد، فإنه ناب عنه، وأسقط بجهاده فرض الخروج عنه، ووقاه مع ذلك بنفسه، وجعل نفسه حصانا له، وجُنة دونه، فكانت خيانته له في أهله أعظم من خيانة الجار في أهله، كما يكون خيانة الجار أعظم من خيانة البعيد، والله اعلم)[21[

وقد جاء في حديث المقداد، عند أحمد والطبراني: "ولأن يزني الرجل بعشر نسوة: أيسر (أي أهون) من أن يزني بامرأة جاره"[22[

فانظر كيف جعل الحديث حرمة نساء المجاهدين كحرمة الأمهات، وهذا يتمثَّل في أمرين:

الأول: في برِّهن والإحسان إليهنَّ، وقضاء حوائجهنَّ.

والثاني: في تحريم التعرُّض لهنَّ برِيبة من خَلوة أو نظر بشهوة، أو حديث محظور، أو غير ذلك. ومعنى هذا: أن مَن زنى بامرأة المجاهد فكأنما زنى بأمه، والعياذ بالله.

وفي الحديث الذي رواه عبد الله بن عمرو مرفوعا: "مثل الذي يجلس على فراش المُغَيِّبَة، مثل الذي ينهشه أسود (أي حية) من أساود يوم القيامة"[23] . والمغيبة: التي غاب عنها زوجها لا سيما في الجهاد.

وبهذا يحيا المجاهد في جهاده بنفس مطمئنة، واثقا بأن من ورائه مجتمعا أمينا على مَن خلَّفه وما خلَّفه، وهذا له أثره وأهميته في بقاء (الرُّوح المعنوية) في الجيش المسلم قوية وثابتة، لا يعتريها وهن ولا خَوَر

 


اترك تعليق