كتاب . الحلقة [ 57 ] : الباب السادس : جيش الجهاد الإسلامي "واجباته وآدابه ودستوره" الفصل الأول : واجبات الجيش المسلم قبل المعركة ، أو : متطلبات النصر للجيش المسلم ( 4 من 5 )

By : أ.د وسف القرضاوي

 

• ( 7 ) استخدام الرأي والحيلة:

ومما يجب على أهل القتال وفرسانه وأبطاله استخدامه والانتفاع به: استعمال الرأي والمكيدة والحيلة في الحرب، فربَّ مكيدة، مدبَّرة بإحكام تكون أقتل من كتيبة، وأشدُّ أثرا من أفتك الأسلحة، ولهذا قيل:

الرأي قبل شجاعة الشجعان هو أولٌ وهي المحلُّ الثاني[1[

وجاء في الحديث: "الحرب خدعة"[2] . كما سنفصِّل ذلك بعد.

وفي مثل هذا يقال: ربَّ حيلة أنفع من قبيلة! ومن كلام الحكماء: إذا طلبتَ عدوك بالقوة، فلا تعدمنَّ طلبه حتى تعلم أنه أضعف منك، وإذا طلبتَه بالمكيدة، فلا تعظمنَّ أمره عندك وإن كان عظيما.

وفي غزوة بدر نزل النبي صلى الله عليه وسلم منزلا، فقال له الحُبَاب بن المنذر الأنصاري: يا رسول الله، أهذا منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدَّم ولا أن نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: "بل هو الرأي والحرب والمكيدة". قال: فإن هذا المنزل لا يصلح وأشار عليه أن ينزل منزلا آخر يشرب منه المسلمون، ويرتوون من ماء بدر، ولا ينال المشركون منها شيئا، ونزل الرسول الكريم على رأيه ومكيدته[3[

ومن المكيدة والحِيل: كتمان أمور الحرب، حتى لا تنتشر بين عامة الناس، ويُفشوا سرَّها، فيستفيد منه الخصوم. وفي القرآن الكريم: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء:83]، يشير إلى الأمور التي تتعلَّق بالسلم والحرب، وترجع إلى أمن الجماعة وسلامتها، لا يجوز أن تلوكها ألسن العامة، وإنما تدور في إطار خاص مع أولي الأمر وذوي الشأن بين الناس، الذين يحفظون السرَّ، ويرعون المصلحة العامة، بمعزل عن الثرثارين والحمقى، الذين يضرُّون بحماقتهم حيث يريدون أن ينفعوا. وقد قال الشاعر:

لكلِّ داء دواء يستطبُّ به ... إلا الحماقة أعيت مَن يداويها

ولهذا كان من عادة صفات الرسول القائد محمد صلى الله عليه وسلم: أنه لم يكن يريد غزوة إلا ورَّى بغيرها، بحيث لا يعرف مقصده بالضبط إلا مَن أراد من الصفوة المقربين منه، إلا إن دعت إلى ذلك الضرورة، كما فعل في غزوة تبوك، حيث جلَّى للناس أمرها، ولم يورِّ بغيرها، ليأخذوا الأُهبَة التي تليق بها، وببعدها، وبخاصة أنها كانت في ساعة عُسرة وشدَّة حرٍّ، وجني ثمار.

وقد ذكر العلاَّمة ابن النحاس في كتابه عن الجهاد الذي سمَّاه (مشارع الأشواق إلى مصارع العشاق، ومثير الغرام إلى دار السلام): قسما من كتابه أورد فيه نُبذا مختصرة من المكايد والآداب والحيل الحربية.

من ذلك ما ذكره عن الخليفة الهادي، حين هجم عليه أحد الخوارج، وليس عنده أحد، ولا معه سلاح. فلم يتحرَّك من مكانه إلى أن قرب منه فصاح الخليفة: اضرب عنقه! كأنه يأمر أحدا من وراء الخارجي، فارتبك الخارجي، والتفت إلى خلفه، لينظر هذا المأمور، فوثب عليه الهادي وثبة صار على صدره وأخذ منه السيف وذبحه به[4[

على أن كلَّ عصر له مكايده وحِيَله، التي تتطوَّر ولا تقف عند حدٍّ، ولدى أهل الاختصاص في عصرنا من ذلك الكثير الكثير، ومنه ما لا يتقيَّد بخلق ولا دين.

قال: (ويجب أن يكون مقدم السرية عالما بالحروب ومكايدها، فإن كسر (مقدم) السرية: وهن عظيم للجيش، وخطب جسيم، وليكن مع عدوه، أسمع من فرس، وأبصر من عُقاب، وأحذر من عَقعَق)[5[

• ( 8 ) الاستعانة بالإحصاء ولغة الأرقام:

ومن الأسباب التي يجب أن يستعان بها في الحرب: استخدام الأرقام والإحصاء، حتى يعرف المسلمون مقدار ما لديهم من قوة ضاربة، ويرتِّبوا أمورهم على أساسها.

روى البخاري في الجهاد: (باب كتابة الإمام الناس)، أورد فيه حديثين:

أحدهما: حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إني كُتبت في غزوة كذا وكذا وامرأتي حاجَّة! قال: "ارجع فحجَّ مع امرأتك"[6[

والحديث يدلُّ على أن المسلمين كانوا يسجِّلون كل مَن يريد الاشتراك في غزوة من الغزوات، وكأن سؤال السائل يُفهِم أن مَن كُتب اسمه، فقد أصبح مُلزَما بالذهاب مع الغزاة.

والحديث الآخر: وهو أهمُّ هنا: حديث حذيفة بن اليَمَان رضي الله عنه - الذي رواه البخاري - قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اكتبوا لي عدد مَن تلفَّظ بالإسلام من الناس". فكتبنا له ألفا وخمسمائة رجل. فقلنا: تخاف، ونحن ألف وخمسمائة ؟![7[

وروى مسلم هذا الحديث بلفظ: "احصوا لي"[8] . فهو إحصاء كتابي، أُريد تدوينه وتثبيته. وهذا يدلُّ على تزكية الإسلام للاتجاه العلمي الاستقرائي، واتخاذ الخطوات العلمية، القائمة على رعاية السنن، وشبكة الأسباب والمسببات. وهذه خطوة مبكِّرة في الإسلام تشير إلى هذا التوجُّه وتزكيه.

وقد ورد في التوراة: أن أحد أنبياء بني إسرائيل – وهو داود عليه السلام - أراد أن يعمل إحصاء لبني إسرائيل، فنزل بهم عذاب من السماء، أُهلك منهم سبعين ألفا في يوم واحد. كما هو مصرَّح به في الباب الرابع والعشرين من سفر صموئيل الثاني، وهذا الإهلاك الجماعي القدري: عقوبة لهم على هذا التفكير، كأنه يحمل تحدِّيا للقدر، وكذا استنبط منه الفيلسوف الوضعي البريطاني الشهير (برتراند رسل): أن تعاليم التوراة لا تساعد على إنشاء مناخ علمي[9[

قال الحافظ في (الفتح): (في الحديث مشروعية كتابه دواوين الجيوش. وقد يتعيَّن ذلك عند الاحتياج الي تمييز مَن يصلح للمقاتلة ممَّن لا يصلح. ونقل الحافظ عن بعض العلماء: إنه لا ينبغي أن يُتخيَّل أن كتابة الجيش وإحصاء عدده يكون ذريعة لارتفاع البركة! بل الكتابة المأمور بها لمصلحة دينية)[10[

وفي عصرنا يعتبر (الإحصاء) من العلامات البارزة الدالَّة على (التوجُّه العلمي) للجماعة أو للدولة. وهو من لوازم التخطيط، إذ لا يتمُّ تخطيط سليم إلا ببيانات إحصائية صحيحة، تتحدَّث بلغة الأرقام، وهي لغة لا تكذب، إذا لم يحدث فيها تزييف، وتهويل.

• ( 9 ) الاستعانة بالضعفاء والصالحين:

ومن موجبات النصر، وعناصر القوة للمقاتلين المسلمين: الاستعانة بالضعفاء والصالحين من الناس.

وليس المراد بالضعفاء: الضعفاء في الأجسام، أو في الإرادة أو في التفكير، أو في المهارة، فإن المؤمن القوي خير وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف.

وإنما المراد بالضعفاء: المغمورون في المجتمع، الذين تزدريهم الأعين، ولا يُشار إليهم بالبنان، وليسوا ممَّن إذا قال استُمع له، ولا ممَّن إذا شفع شُفِّع، ولا ممَّن إذا خطب زُوِّج , ولا ممَّن إذا استأذن أُذِن له. لأنه لا يملك من المال أو الجاه ما يثبِّت وجوده في الجماعة، رغم عطائه وبذله لمجتمعه. وهذا شأن كثير من الفئات الضعيفة والطبقات المسحوقة، من الفلاحين والعمال والحرفيين وأمثالهم، الذين يعطُون أكثر مما يأخذون، ويضحُّون أكثر مما يستفيدون.

روى البخاري، عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: مرَّ رجل على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لرجل عنده جالس: "ما رأيك في هذا؟". قال: رجل من أشراف الناس. هذا - والله - حريٌّ إن خطب أن يُنكح، وإن شفع أن يُشفَّع! فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم مرَّ رجل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما رأيك في هذا؟". فقال: يا رسول الله، هذا رجل من فقراء المسلمين! هذا حريٌّ إن خطب ألا يُنكح، وإن شفع ألا يُشفَّع، وإن قال ألا يُسمع لقوله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا خير من ملء الأرض مثل هذا!" [11[

وروى مسلم، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رُبَّ أشعث مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبرَّه"[12] ، ومعنى "مدفوع بالأبواب": أن الأبواب لا تُفتَح له، كما تُفتَح لغيره من ذوي الجاه، بل يُدفَع من باب إلى باب، لخموله وعدم شهرته.

وروى البخاري في الجهاد: (باب مَن استعان بالضعفاء والصالحين في الحرب)، حديث مصعب بن سعد بن أبي وقاص قال: رأى سعد رضي الله عنه أن له فضلا على مَن دونه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "هل تُنصرون وتُرزقون إلا بضعفائكم"[13[

وفي رواية النسائي: "إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها: بدعواتهم وصلاتهم وإخلاصهم"[14[

وقال ابن بطال: تأويل الحديث: أن الضعفاء أشد إخلاصا في الدعاء، وأكثر خشوعا في العبادة، لخلاء قلوبهم عن التعلُّق بزخرف الدنيا(

وفي رأيي: أن الحديث الشريف يشير إلى حقيقة اجتماعية مهمَّة كثيرا ما غفل عنها الناس، وهي: أن النصر في الحرب، والإنتاج في السلم، إنما يقوم على الفئات الضعيفة في المجتمع من الزُرَّاع والصُنَّاع والحِرفيين، فهذه الفئات الضعيفة المغمورة التي لا يهتمُّ بها الناس، ولا يُشار إليها بالأصابع، هم عُدَّة النصر في الحرب، وهم عمدة الإنتاج في السلم، فلا يجوز النظر إلى هؤلاء بازدراء، واحتقار، وقد قال عليه الصلاة والسلام: "بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم"[15[

وقد قال المُهلَّب في شرح الحديث: أراد الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث حضَّ سعد على التواضع، ونفي الزهو على غيره، وترك احتقار المسلم في كلِّ حالة [16[

والمقصود من هذا الحديث وأمثاله: أن النصر لا يكون بالقوة المادية أو العسكرية وحدها، ولا يتحقَّق بأناس ظاهرهم مزوَّق، وباطنهم خراب: إنما يتحقَّق النصر برجال أخلصهم الله لدينه، وأخلصوا دينهم لله، وإن لم يكونوا ممَّن تُسلَّط عليهم الأضواء، أو تشرئب إليهم الأعناق. وفي مثلهم جاء حديث معاذ بن جبل: "إن الله يحبُّ الأبرار الأتقياء الأخفياء، الذين إذا حضروا لم يُعرفوا، وإذا غابوا لم يُفتقدوا، قلوبهم مصابيح الهدى، يخرجون من كلِّ غبراء مظلمة"[17[

ومن أجل هذا كان النصر معقودا لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين فتحوا الفتوح، وورثوا ممالك كسرى وقيصر، وأقاموا في الأرض دولة العدل والإحسان، وأنشأ تلاميذهم حضارة العلم والإيمان.

ومن هنا أورد البخاري في باب الاستعانة بالضعفاء، والصالحين: حديث أبي سعيد الخُدْرِي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يأتي زمان يغزو فئام من الناس، فيقال: فيكم مَن صحب النبي صلى الله عليه وسلم؟ فيقال: نعم. فيفتح عليه. ثم يأتي زمان يقال: فيكم مَن صحب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ فيقال: نعم. فيفتح. ثم يأتي زمان، يقال: فيكم مَن صحب صاحب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ فيقال: نعم. فيفتح"[18[

وإنما كان الفتح والنصر لجيل الصحابة، ثم لجيل التابعين، ثم لجيل الأتباع، لأنهم كانوا أقرب الأجيال إلى الاهتداء بهدي النبوة، والالتزام بمنهج الإسلام. فقد كانوا أفقه الناس لروح الإسلام، وأحرصهم على تطبيقه، لهذا استحقُّوا نصر الله. فقد قال تعالى: {وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم:47[

ومن المعلوم: أن هذا التوجيه النبوي الكريم يصلح في الجيوش التي تقوم على التطوُّع والمتطوِّعين، فهي يمكن أن تبحث عن الفئات الضعيفة والصالحة المخلصة، لتزوِّد بها جيشها.

أما الجيوش التي تقوم على التجنيد الإجباري، فهي لا تملك الانتقاء، ولكنها تملك أن تزوِّد أفراد جيوشها بالتربية الإيمانية، والتوجيه الرباني، والعهد الأخلاقي، الذي يزكي أنفسها، ويقوي صلتها بربها، ويرقِّي سلوكها، ويمنحها (الروح المعنوية العالية) التي تسعى إليها كلُّ جيوش الدنيا، وهذه الروح لا ينشئها في ديارنا غير الإيمان، وجو الإيمان، ومنطق الإيمان.

وهذا يوجب على وزراء الدفاع، وقادة الجيوش، والمسؤولين في الأمة عامة: أن تؤسِّس للقوَّات المسلحة (مساجد) تؤدِّي فيها الصلوات في جماعة، وأن يعيَّن لها أئمة من العلماء الواعين المؤثِّرين، وأن يصلي الضباط مع الجنود، وأن توزَّع عليهم المصاحف والكتب الدينية الموثَّقة، البعيدة عن التهويل والخرافات.

كما يمكن للجيش المسلم: أن يفتح الباب لبعض المتطوِّعين الذين ينتقون من أبناء الأمة من الخيار الصالحين، الذين زكت نفوسهم، وسمت أرواحهم، وارتقى سلوكهم، وابتعدوا عن الغلوِّ، حتى يكونوا أسوة لغيرهم، وسيظلُّ الخير في هذه الأمة إلى يوم القيامة.

• ( 10 ) سلاح الدعاء:

ومن الأسلحة التي يملكها المسلمون، ولا يملكها غيرهم: سلاح رُوحي لا يُفَلُّ، وهو الدعاء.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثنتان لا تردَّان - أو ما تردَّان - الدعاء عند النداء، وعند البأس، حين يُلحِم بعضهم بعضا"[19[

والدعاء: استعانة بقوة لا تُقهر، هي قوة الله الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. صاحب المشيئة النافذة، والقدرة المطلقة التي تعمل بالأسباب وبغير الأسباب، فتعطِّل الأسباب، وتخرق العوائد إن أرادت، ولديها جند لا يعلمه إلا خالقه ومسخِّره، بعضه يُرى، وبعضه لا يُرى: {وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} [الفتح:4]، {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} [المدثر:31]، {فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا} [التوبة:40]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا} [الأحزاب:9[

وقد جرَّب المؤمنون هذا السلاح طوال العصور، فآتى أطيب الثمرات، كما في حرب طالوت لجالوت الجبَّار وجنوده، رغم قِلَّة عدد جنود طالوت، وكثرة عدد جنود جالوت: {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة:249-251[

وفي غزوات النبي صلى الله عليه وسلم كان للدعاء مكان فسيح، كما قصَّ علينا القرآن موقف المسلمين في غزوة بدر، حين واجهوا المشركين، وهم أكثر منهم عددا، وأقوى منهم عُدَّة، وأفضل منهم استعدادا، فقد خرجوا للنفير، على حين خرج المسلمون للعير، فلا غرو أن يلوذوا بجناب الله تعالي، ويستغيثوا به سبحانه، كما قال تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال:9،10[

وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه المعركة دعوات مأثورة في أكثر من موقف، فهو يدعو لأصحابه المؤمنين أن يغيِّر الله حالهم إلى ما هو أحسن: "اللهم إنهم جياع فأشبعهم، اللهم إنهم حفاة فاحملهم، اللهم إنهم عراة فاكسهم"[20]. ويستنجز ربه ما وعده من النصر بحرارة وإلحاح.

روى مسلم، عن ابن عباس قال: حدثني عمر: لما كان يوم بدر، نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه وهم ثلاثمائة وتسعة عشر، فاستقبل القبلة ثم مدَّ يديه، فلم يزل يهتف بربه، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم انتزعه من ورائه فقال: يا نبي الله، كفاك مناشدتك ربك، فإنه منجزك ما وعدك، فأنزل الله عزَّ وجلَّ: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ} [الأنفال:9]، فأيَّده الله بالملائكة[21[

وفي رواية البخاري، من حديث ابن عباس، قال صلى الله عليه وسلم، وهو في قبَّة (أي يوم بدر): "اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك. اللهم إن شئت لم تُعبد بعد اليوم!". فأخذ أبو بكر بيده، فقال: حسبك يا رسول الله، فقد ألححت على ربك. ‍وهو في الدرع، فخرج وهو يقول: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ * بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} [القمر:45،46][22] .

قال في الفتح: (وإنما قال ذلك لأنه علم أنه خاتم النبيين، فلو هلك هو ومن معه حينئذ، لم يبعث أحد ممَّن يدعو إلى الإسلام، ولاستمرَّ المشركون يعبدون غير الله. فالمعنى: لا يُعبد في الأرض بهذه الشريعة)[23[

وروى ابن إسحاق في سيرته: أنه صلى الله عليه وسلم قال: "اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادُّك وتكذب رسولك. اللهم نصرك الذي وعدتني"[24[

وروى النسائي والحاكم، من حديث علي قال: قاتلتُ يوم بدر شيئا من قتال، ثم جئتُ فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في سجوده: "يا حيُّ يا قيوم". فرجعتُ فقاتلتُ ثم جئتُ، فوجدتُه كذلك[25[

والدعاء كما يكون للمسلمين بالنصر والتثبيت: يكون على المشركين بالهزيمة والخذلان، وفي كتاب الجهاد من صحيح البخاري: باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة. وفي هذا الباب ذكر حديث عبد الله بن أبي أوفى قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب على المشركين، فقال: "اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اللهم اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم"[26] . وفي بعض رواياته: "اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب: اهزمهم وانصرنا عليهم"[27[

ولم نجد في أدعية الرسول الكريم على المشركين: أن يسأل الله أن ييتم أطفالهم، أو يرمِّل نساءهم، أو يخرِّب ديارهم، كما نسمعه من بعض خطباء المسلمين[28] .

وسلاح الدعاء لا يطلب عند التحام الصفوف، واشتعال الحرب فقط، بل ينبغي أن يعتصم الجندي المسلم بذكر الله ودعائه في كل أحواله: عندما يأكل، وعندما يشرب، وعندما ينام، وعندما يستيقظ، وعندما يسافر، وعندما يؤوب من سفره، وعندما يركب دابته أو مصفحته أو طائرته.

ومَن قرأ كتاب الجهاد في سنن أبي داود: وجد فيه مثل هذه الأبواب: باب ما جاء في تضعيف الذكر في سبيل الله.. باب الدعاء عند اللقاء.. باب ما يقول الرجل إذا سافر.. باب في الدعاء عند الوداع.. باب ما يقول الرجل إذا ركب.. باب ما يقول الرجل إذا نزل المنزل. وفي كل هذا يظل لسان المجاهد المسلم رطبا بذكر الله، ويظل قلبه موصولا بمحبة الله تبارك وتعالى.

وهذا السلاح الروحي لا يملكه الجيش المسلم وحده، بل تملكه الأمة كلها، ولهذا ينبغي أن تشارك الأمة جيوشها بالدعاء لها بالنصر وتثبيت الأقدام، كما تدعو على أعدائهم، أن يردَّ الله كيدهم في نحورهم، ويعيد سهامهم المسمومة إلى صدورهم، وأن ينزل عليهم بأسه الذي لا يردُّ عن القوم المجرمين. وهذا مطلوب من الأمة عامة، ومن أئمة مساجدها، وخطبائها جُمَعها خاصة.

• قنوت النوازل :

ويمكن اللجوء هنا إلى تعميم ما قرَّره الفقهاء من استحباب (قنوت النوازل)، وهو التوجُّه بالدعاء إلى الله في أوقات الشدائد والأزمات، فهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء. وموضع ذلك في صلوات الفريضة، ولا سيما بعد القيام من الركعة الأخيرة. وخصوصًا في الصلوات الجهرية.

وقد دعا انبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين المستضعفين الذين حبسهم المشركون في مكة وضيقوا عليهم وآذوهم ولم يسمحوا لهم بالهجرة إلى المدينة ، فكان النبي يدعو لهم ويدعو على أعدائهم حتى فرج الله عنهم [29[

وروى عبد الرزاق عن أبي رافع قوله : صليت خلف عمر بن الخطاب الصبح فقنت بعد الركوع ، قال : فسمعته يقول : اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك ولا نكفرك ونؤمن بك ونخلع ونترك من يفجرك اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد ونرجو رحمتك ونخاف عذابك إن عذابك بالكفارين ملحق اللهم عذب الكفرة وألق في قلوبهم الرعب وخالف بين كلمتهم وأنزل عليهم رجزك وعذابك اللهم عذب الكفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك ويقاتلون أولياءك اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات وأصلح ذات بينهم وألف بين قلوبهم واجعل في قلوبهم الإيمان والحكمة وثبتهم على ملة نبيك وأوزعهم أن يوفو بالعهد الذي عاهدتهم عليه وانصرهم على عدوك وعدوهم إله الحق واجعلنا منهم قال عبد الرزاق ولو كنت إماما قلت هذا القول ثم قلت اللهم اهدنا فيمن هديت [30] وروى بن أبي شيبة عن الشعبي قال : لما قنت علي في صلاة الصبح أنكر الناس ذلك ، قال : فقال : إنما استنصرنا على عدونا [31[


اترك تعليق