كتاب : فقه الجهاد . الحلقة [ 55 ] : الباب السادس : جيش الجهاد الإسلامي "واجباته وآدابه ودستوره" الفصل الأول : واجبات الجيش المسلم قبل المعركة ، أو : متطلبات النصر للجيش المسلم ( 2 من 5 )

By :

 

• أسلحة الدمار الشامل:

ويبقى هنا سؤال مهم، يلزمنا الإجابة عنه، وهو: ما حكم امتلاك الأسلحة الكيماوية والنووية ونحوها؟

ونقول: إن الأسلحة الكيماوية، والأسلحة الجُرثومية أو البيولوجية، والأسلحة النووية، وغيرها مما يطلق عليه اليوم (أسلحة الدمار الشامل)، التي تقتل الألوف والملايين دفعة واحدة، وتأخذ المسيء والبريء، والمحارب والمسالم، وتدمِّر الحياة والأحياء، والإنسان والبيئة: هذه الأسلحة يحرُم استخدامها شرعا في نظر الإسلام، لأن الأصل في القانون الإسلامي: أنه لا يُجَوِّز قتل مَن لا يقاتل، ومَن لا عَلاقة له بالحرب، وقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم قتل امرأة في إحدى المعارك، ونهى عن قتل النساء والصبيان، ونهى خلفاؤه عن قتل الرهبان والفلاحين والتجار. فكيف يجيز هذا الدين قتل الجماهير الغفيرة من الناس، ولا ذنب لها، وليس لها في العير ولا في النفير، وليس لها في الحرب ناقة ولا بعير؟

كما نهى الإسلام عن الإفساد في الأرض، وقطع الأشجار، وهدم الأبنية، وتخريب العمران من غير ضرورة، لأن هذا من الإفساد الذي حرَّمه الله تعالى، وكره أصحابه، كما قال تعالى: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة:205[.

ومع هذا أرى: أن الإسلام يوجب على الأمة المسلمة: أن تمتلك هذه الأسلحة الرادعة، ما دام غيرها يملكها، ويمكن أن يهدِّدها بها.

فان الأمة إذا لم تمتلك هذه الأسلحة تصبح مهيضة الجناح، مهددة ممَّن يملكها، ولا سيما أن العدو الصهيوني الذي اغتصب أرضها - أرض المقدسات والإسراء والمعراج – وشرد أهلها منها، وفصل بين مشرق العروبة ومغربها: أمسى من ملاكها والقادرين عليها، والمخوِّفين بها. لا سيما أن في سفر التثنية من التوراة ما يجيز لهم في البلاد القربية منهم: ألا يبقوا فيها نَسَمَة حية [1[

ومن عجب أن تملك أمريكا والدول الكبرى هذه الأسلحة، ثم تحظر على الآخرين أن يملكوها. وتمنع الدول العربية مجتمعة أن تملك قنبلة نووية، وإسرائيل وحدها تملك أكثر من مائتين منها!

• حكم استخدام الأسلحة الكيماوية والجرثومية والنووية:

وقد ذهب عدد من الفقهاء، إلى جواز قتال العدو بكلِّ ما يمكن من الأسلحة، التي تعجِّل بهزيمة العدو، وإن كانت تقتل البشر، والحيوان والنبات وغيرها، أو تدمِّر المباني والمنشآت، ولو كان مثل إلقاء النيران المشتعلة على المقاتلين من الأعداء ... إذا كان من شأن العدو أن يستعمل مثل هذه الأسلحة ضدَّ المسلمين، وإذا كان لا يُستطاع كسب المعارك ضدَّه إلا باستخدامها.

وبعض المذاهب الفقهية أجاز استخدام تلك الأسلحة ضدَّ العدو، وإن كان من الممكن التغلُّب عليه بالأسلحة التقليدية.

يقول الإمام النووي في (المنهاج): يجوز حصار الكفار في البلاد والقلاع، وإرسال الماء عليهم، ورميهم بنار ومنجنيق، وتبيتهم في غفلة [2[

ويعلِّق الخطيب الشربيني من شرَّاح (المنهاج) في (مغني المحتاج) على ما قاله النووي، فيزيد عليه بقوله: وما في معنى ذلك، من هدم بيوتهم، وقطع الماء عنهم، وإلقاء حيات أو عقارب عليهم! ولو كان فيهم نساء وصبيان، لقوله تعالى: {وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ} [التوبة:5]، وفي الصحيحين: أنه صلى الله عليه وسلم حاصر الطائف [3]. وروى البيهقي: أنه نصب عليهم المنجنيق [4]. وقيس به ما في معناه مما يعمُّ الإهلاك به. إلى أن يقول: وظاهر كلامهم: أنه يجوز إتلافهم بما ذُكر، وإن قدرنا عليهم بدونه [5[

• الاستدلال بكلام الشافعي في (الأُم(:

وأصل هذا: ما ذكره الإمام الشافعي في (الأم) بقوله: (وإذا تحصَّن العدو في جبل أو حصن أو خندق أو بحَسَك [6]، أو بما يُتحصَّن به، فلا بأس أن يرمَوا بالمجانيق والعرَّادات [7] والنيران والعقارب والحيَّات، وكلِّ ما يكرهونه، وأن يبثقوا عليهم الماء ليُغرقوهم أو يوحلوهم فيه، وسواء كان معهم الأطفال والنساء والرهبان أو لم يكونوا، لأن الدار غير ممنوعة بإسلام ولا عهد، وكذلك لا بأس أن يحرقوا شجرهم المثمر وغير المثمر، ويخرِّبوا عامرهم، وكلَّ ما لا روح فيه من أموالهم.

فإن قال قائل: ما الحجَّة فيما وصفتَ، وفيهم الولدان والنساء المنهي عن قتلهم؟

قيل: الحجَّة فيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نصب على أهل الطائف منجنيقا أو عرَّادة، ونحن نعلم أن فيهم النساء والولدان، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع أموال بني النضير وحرقها ...

قال الشافعي رحمه الله تعالى:

فإن قال قائل: فقد نهى بعد التحريق في أموال بني النضير؟

قيل له: إن شاء الله تعالى - إنما نُهى عنه، أن الله عزَّ وجلَّ وعده بها، فكان تحريقه إذهابا منه لعين ماله، وذلك في بعض الأحاديث معروف عند أهل المغازي.

فإن قال قائل: فهل حرق أو قطع بعد ذلك؟

قيل: نعم قطع بخيبر وهي بعد بني النضير، وبالطائف [8] وهي آخر غزوة غزاها لقي فيها قتالا) [9[

• مناقشة كلام الشافعي :

ومع احترامي وإجلالي لإمامنا الكبير (الشافعي) أراني مضطَّرا إلى أن أخالفه فيما ذهب إليه، وأتَّفق مع الأئمة الذي يضيِّقون في استعمال هذا النوع من الأسلحة، إلا ما أوجبته الضرورات الحربية.

وما استدلَّ به إمامنا الشافعي، لم يُسلِّم به الآخرون له، كما في (بداية المجتهد). فالإمام مالك لم يجِز قتل المواشي، ولا تحريق النخل، مع أنه يعلم أن النبي حرق نخل بني النضير [10]. والإمام الأوزاعي كره قطع الشجر المثمر، وتخريب العامر، كنيسة كان أو غير ذلك. والشافعي يرى تحريق النخل إذا اتخذوه معقِلا لهم، ولا يجيزه إذا لم يكن معقِلا لهم.

ولذا أورد ابن رشد في (بداية المجتهد) رأي مالك والأوزاعي، والشافعي وما بينهم من خلاف، ثم قال: (والسبب في اختلافهم: مخالفة فعل أبي بكر في ذلك لفعله عليه الصلاة والسلام، وذلك أنه ثبت أنه عليه الصلاة والسلام حرق نخل بني النضير، وثبت عن أبي بكر أنه قال: لا تقطعنَّ شجرا، ولا تخربنَّ عامرا" [11]، فمَن ظنَّ أن فعل أبي بكر هذا إنما كان لمكان علمه بنسخ ذلك الفعل منه صلى الله عليه وسلم، إذ لا يجوز على أبي بكر أن يخالفه مع علمه بفعله، أو رأى أن ذلك كان خاصًّا ببني النضير لغزوهم، قال بقول أبي بكر.

ومَن اعتمد فعله عليه الصلاة والسلام، ولم يرَ قول أحد ولا فعله حجَّة عليه، قال بتحريق الشجر.

وإنما فرَّق مالك بين الحيوان والشجر؛ لأن قتل الحيوان مُثلة، وقد نُهى عن المثلة، ولم يأتِ عنه عليه الصلاة والسلام أنه قتل حيوانا) [12[

هذا وأودُّ أن أبيِّن هنا: أن كلام الشافعي في (الأم) لا يشمل كلَّ حالات الحرب، ولا كلَّ بلاد الحربيين ومدنهم وقراهم، بل نراه مقيَّدا بحالة حصار العدو إذا ما تحصَّن في جبل أو حصن أو خندق ونحو ذلك. فهو يجيز ضرب هؤلاء بكلِّ ما يجبرهم على التسليم، وعدم إطالة الحرب، وما وراءها من معاناة للطرفين.

ولا يُفهم من عبارة الشافعي: جواز استخدام الأشياء التي ذكرها في مطلق الحرب، ومع أهل المدن والبلدان التي فيها الأعداء، الذين ليسوا في حصن ولا قلعة ونحو ذلك.

• موقف الشوكاني :

وخالف الإمام الشوكاني في استخدام النار ضدَّ العدو، مستدلاًّ بما جاء في الحديث عن أبي هريرة قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعث، فقال: "إن وجدتم فلانا وفلانا - لرجلين - فأحرقوهما بالنار". ثم قال حين أردنا الخروج: "إني كنتُ أمرتُكم أن تحْرقوا فلانا، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموهما فاقتلوهما" [13[

والرجلان هما: هَبَّار بن الأسود، ورفيقه [14]، اللذان آذيا زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، أثناء هجرتها إلى المدينة، وكان زوج زينب أبو العاص بن الربيع، لما أسره الصحابة في بدر، وكان مشركا، ثم أطلقه النبي صلى الله عليه وسلم: شرط عليه أن يجهز إليه ابنته، فجهزها، فتبعها هبَّار ورفيقه، فنخسا بعيرها، فأسقطت (أي جنينها) ومرضت من ذلك [15]. فأمر عليه الصلاة والسلام أولا بإحراقهما، ثم نهى عن ذلك، واكتفى بالقتل.

قال الشوكاني: وظاهر النهي في حديث الباب: التحريم، وهو نسخ الأمر المتقدِّم، سواء كان بوحي إليه أو باجتهاد. وهو محمول على مَن قصد ذلك في شخص بعينه [16[

• تعليق الشوكاني على كلام صاحب الأزهار في فقه الزيدية :

وقد علَّق الإمام الشوكاني على قول صاحب (الأزهار) في فقه الزيدية: (ويُغرِق ويُحرِق ويخنُق (أي في الحرب) إن تعذَّر السيف، وخلَوا عمَّن لا يُقتل، وإلا فلا، إلا للضرورة) اهـ.

فقال الشوكاني: قد أمر الله بقتل المشركين، ولم يعيِّن لنا الصفة التي يكون عليها، ولا أخذ علينا: ألا نفعل إلا كذا دون كذا، فلا مانع من قتلهم بكلِّ سبب للقتل، من رمي، أو طعن، أو تغريق، أو هدم، أو دفع من شاهق، أو نحو ذلك، ولم يرد المنع إلا من التحريق.

وبما ذكرناه تعرف أنه لا وجه لقول المصنف إن تعذر السيف ومن جملة ما لا يجوز أن يكون القتل به المثلة لثبوت النهي عنها في الأحاديث الكثيرة فيكون ذلك مخصصا لأدلة قتل المشركين على كل حال وبكل سبب من أسباب القتل [17] اهـ.

• مناقشة الشوكاني فيما ذهب إليه من جواز الإغراق والإحراق والخنق في الحرب :

وأنا من المعجبين بالعلامة الشوكاني وتحقيقاته في علم الفقه والأصول، وترجيحاته في الاستنباط من أحاديث الأحكام، كما في (نيل الأوطار)، ومن أعظم كتبه التي أعجبت بها: كتابه (السيل الجرار) الذي أفرغ فيه ثمار نضجه، ومنتهى اجتهاده.

ومع هذا أخالفه فيما ذهب إليه هنا، وكل عالم يؤخذ منه ويرد عليه، وأرى أن ما قاله صاحب الأزهار هو الأقوم قيلا، والأهدى سبيلا. فقد قيد جواز الإغراق والإحراق والخنق بثلاثة قيود:

1. أن يكون القتل بالسيف (ومثله القتل بالرصاص) متعذرا.

2. ألا يكون في القوم من لا يحل قتله.

3. ألا يكون هناك ضرورة لاستخدام هذه الأنواع من القتل.

وقد اعترض الشوكاني على نفسه، بحديث: "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة" [18]، وأجاب بأن المراد بالإحسان في الحديث: ترك التعذيب، وتعجيل ما يحصل به الموت، وليس ذلك مختصا بقتل السيف اهـ.

وهنا أخالف الإمام الشوكاني في اعتباره التغريق والتحريق والرمي من شاهق، (ومثل ذلك: إلقاء الحيات والعقارب كما قال الشافعي)، ونحوها: من (إحسان القتلة) التي أمر بها الحديث، بل هما من أسوأ أنواع الموت، ولذا تحرم القوانين الدولية تنفيذ الإعدام فيمن يستحقه بأي وسيلة من هذه الوسائل. وهو ما يوجبه معظم فقهاء المسلمين: ألا قصاص إلا بالسيف. ومثله ما كان أرفق منه.

ثم هو لم يرد على ما ذكره في (الأزهار) من خلو الأعداء ممن يجوز قتله، فكيف يمنع الشارع قتلهم، وينكر ذلك أشد الإنكار، ثم نسلِّط عليهم من الأدوات ما يقتلهم بالجملة؟

والذي ينبغي لنا - نحن المسلمين - اليوم أن نتبني من الآراء ما ما يعكس صورة الإسلام في دعوته إلى السلم، ونبذ العنف والقسوة، والاقتصار في استخدام القوة على موضع الضرورة.

• مناقشة الدكتور محمد خير هيكل في جواز قتال العدو بكل سلاح :

ومما أعجب له أن يتبنَّى بعض الباحثين المعاصرين [19]: أشدَّ هذه الآراء مبالغة في القسوة التي لم تُعهَد عند المسلمين. وكان مما قاله هنا في كتابه:

(الأصل هو جواز قتال العدو، وقتله بكلِّ سلاح، ما دام ذلك في حالة الحرب قبل استسلامه، أو إلقاء القبض عليه. وذلك لأن النصوص الشرعية لم تحدِّد آلة أو وسيلة حربية معينة، لاستخدامها ضدَّ العدو فيما نحن فيه، كما في قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ...} [البقرة:190]، {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} [البقرة:191]. ومن مقتضى هذا الإطلاق في القتال والقتل: أن يدلَّ على إباحة كلِّ الأسلحة والوسائل الحربية المؤدية إليهما، ما لم يرد دليل خاصٌّ بتحريم وسيلة معينة منها، كما أن من مقتضى هذا الإطلاق في النصوص الشرعية: أنه يجوز استخدام كل الأسلحة والوسائل الحربية بدون أيِّ قيد. أعني: ولو لم يستعمل العدو مثل تلك الأسلحة المستخدمة في الحرب معه، حتى ولو كان من الممكن التغلُّب عليه بأسلحة أو وسائل أقل خطرا من تلك التي تُستعمَل ضدَّه) انتهى.

ونقل صاحب هذا الكتاب في هذا في هذا الصدد عن الشيخ تقي الدين النبهاني مؤسس حزب التحرير: ما يؤيِّد دعواه، وذلك قوله: إن الأسلحة النووية يجوز للمسلمين أن يستعملوها في حربهم مع العدو، ولو كان ذلك قبل أن يستعملها العدو معهم، لأن الدول كلَّها تستبيح استعمال الأسلحة النووية في الحرب، فيجوز استعمالها. مع أن الأسلحة النووية يحرم استعمالها (أي دوليا من الناحية النظرية)، لأنها تُهلك البشر، والجهاد لإحياء البشر بالإسلام، لا لإفناء الإنسانية [20] انتهى.

• تقرير هذا الحكم ينافي مبادئ الإسلام وقيمه في القتال :

وأنا أتوقَّف طويلا عند هذا الكلام، وأرى أنه لا يعبِّر عن رُوح الإسلام، ولا أخلاقياته التي تميَّز بها سلوكه في السلم والحرب، وهو يضع المسلمين في موضع الاتهام بالعنف، في حين يتنادى العالم بالسلام. وهو ينافي قِيَما ومبادئ وتوجيهات أساسية قرَّرها الإسلام في معاملاته مع الناس، مسلمين أو غير مسلمين، مسالمين أو محاربين. من هذه المبادئ والقِيَم:

أ- أنه لا يُقتَل في الحرب إلا مَن يقاتل، ولهذا نهى عن قتل النساء والصبيان والشيوخ الهرمين، والرهبان في الصوامع، والحرَّاث في المزارع، وغيرهم.

فكيف نجيز استخدام أسلحة تدميرية، لا تفرِّق بين صغير وكبير، أو بين رجل وامرأة، أو مشارك في القتال وغير مشارك فيه؟

ب- أن الأصل في الإسلام: أنه يدعو إلى الإصلاح والعمران، وينهى عن الإفساد والتخريب، كما قال الله تعالى: {وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا} [الأعراف:56]، وذمَّ الذين يسعَون في الأرض فسادا، وكرَّر القرآن على لسان الأنبياء: {وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [البقرة:60، الأعراف:74، هود:85، الشعراء:183، العنكبوت:36]، وقال تعالى: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة:205[

وفي ضوء هذه النصوص يجب أن يُمنع كلُّ ما هو من قبيل الإفساد في الأرض.

جـ- روى مالك في (الموطأ)، عن يحيى بن سعيد: أن أبا بكر رضي الله عنه بعث جيوشا إلى الشام، فخرج يمشي مع يزيد بن أبي سفيان، وكان يزيد أميرا ربع من تلك الأرباع، فقال: إني موصيك بعشر خلال: لا تقتل امرأة، ولا صبيًّا، ولا كبيرا هرما، ولا تقطع شجرا مثمرا، ولا تخرب عامرا، ولا تعقرنَّ شاة إلا لمأكلة، ولا تعقرنَّ نخلا ولا تحرقه، ولا تغلنَّ، ولا تجبن [21[.

وأبو بكر أحد الخلفاء الراشدين المهديين الذين أُمرنا أن نتبع سنَّتهم [22]، وهو ينهى هنا بصراحة عن قطع الشجر المثمر، وعن تخريب العامر، وعقر الشاة والبعير (ذبحها) إلا لحاجة الأكل، وعن عقر النخل (أي اقتلاعه) أو تحريقه ... ومنه تتضح الأخلاقية الإسلامية.

وأما ما حدث في غزوة بني النضير، من تحريق نخيلهم [23]، فهو رخصة من الله لرسوله أذن له بها، فلا يقاس غيرها عليها، كما قال تعالى: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ - أي نخلة - أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ} [الحشر:5[

ولو كان سيدنا أبو بكر يعرف أن تحريق النخيل وقطع الأشجار: حكم عام وأمر دائم، ما كان له أن يخالف رسول الله، وينهى عن قطع النخيل وتخريب العامر. وقد كان أحرص الناس على اتباع هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

د- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله كتب الإحسان على كلِّ شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحة" [24]. ونحن هنا لم نراعِ فريضة (الإحسان) ولم نحسن القتل، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم، بل أجزنا أن نحرقهم بالنار، وأن نغرقهم بالمياه، وأن نسلِّط عليهم الحيَّات والعقارب على الناس في بيوتهم، تلدغ وتلسع وتميت مَن تجده من النساء والصبيان والشيوخ والمرضى، ممَّن لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا.

بل أجزنا أن نضرب المدن المكتظَّة بالسكان بالقنابل الذرية، وبالأسلحة الكيماوية والبيولوجية، التي تقتل الملايين من الإنسان والحيوان، وتدمِّر الحياة في دقائق معدودات.

هـ- أن النبي صلى الله عليه وسلم: نهى عن التحريق بالنار، أو التعذيب بالنار، وقال: "لا يعذِّب بالنار إلا ربُّ النار" أو "إلا الله" [25] جلَّ شأنه. وبهذا قيَّد الإمام الشوكاني الأسلحة والوسائل التي تُستخدَم في الحرب بألا يكون منها: النار.

وفي ظنِّي أن الحكمة في ذلك: أن القتل بالنار فيه شدَّة وعنف، وقد يترك الإنسان بعده فحمة، كما أن النار - إذا سُمح باستخدامها بإطلاق - من شأنها أن تنتشر وتتَّسع، وفي هذه الحالة تأكل الأخضر واليابس، وتؤدِّي إلى هلاك كبير، وشرٍّ مستطير.

و- أن الأصل في الإسلام: أنه "لَا تًزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىَ" (النجم:38)، وأن "كُلُّ نَفْسٍ بِمَاَ كَسَبَتْ رَهِينَةٌ"(المدثر :38). فلا يجوز قتل الشعوب بسبب حكَّامها الظلمة والمستبدِّين، ولا يجوز الانتقام من غير المقاتلين بسبب المقاتلين. وهذه الأسلحة التدميرية المعاصرة، تقتل البريء والمسيئ، بل تقتل الإنسان والحيوان والنبات، وتقضي على المدن العامرة في لحظات.

ز- أن الإسلام دين الرحمة لا القسوة، والرفق لا العنف، وقد قال الله تعالى مخاطبا لرسوله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107]، وقال الرسول الكريم عن نفسه: "إنما أنا رحمة مهداة" [26]، وقال أيضا: "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" [27]، وذمَّ بني إسرائيل بقوله: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} [البقرة:74]، وقوله: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} [المائدة:13]، ولا يليق بدين شعاره الرحمة: أن يجيز أعمالا طابعها القسوة والعنف، بغير ضرورة إليها.

حـ- أن الأصل في الدماء الحرمة، والأصل في النفوس هو العصمة، وقد ضيَّق الإسلام في الدماء بكلِّ الطرق، ولم يجِز منها: إلا ما تؤدِّي إليه الضرورة، والضرورة تقدَّر بقدرها.

ط- أن القانون الأخلاقي في الإسلام يتميَّز بشموله وتكامله، فهو يشمل السلم والحرب، والسياسة والاقتصاد، والغايات والوسائل، وهو لا يقبل المبدأ المعروف بمبدأ (ميكافللِّي) وهو: أن الغاية تبرِّر الوسيلة، بل لا بد من الغاية الشريفة، والوسيلة النظيفة، إن الله طيِّب لا يقبل إلا طيِّبا، ولهذا لا يقبل إعلاء كلمة الله باستعمال أسلحة التدمير الشامل التي تقتل الحياة والأحياء، فلا يُقبل ما يقوله بعض الفقهاء من إلقاء الحيَّات والعقارب على الأعداء، أو تسميم مياههم أو أغذيتهم، فهذا ينافي أخلاق الإسلام.

ي- أن قياس الأسلحة الكيماوية والجرثومية والنووية - مما يسمَّى أسلحة الدمار الشامل - على الرمي بالمنجنيق: هو قياس مع الفارق الكبير، فلا يجوز أن ننسب إلى الإمام الشافعي ولا أيِّ إمام آخر: أنه أجاز استخدام هذه الأسلحة، فهذا ما لم يخطر ببال أحد منهم: أن يجيز إبادة مدينة مثل هيروشيما أو ناجازاكي إبادة كاملة في لحظات!

ك- أن الإمام الشافعي الذي توسَّع في استخدام كلِّ أنواع الأسلحة ضدَّ العدو، إنما أجازها في حالة الحصار لحصن أو قلعة أو خندق ونحو ذلك، وغرضه إجبارهم على فكِّ الحصار. ومع هذا لم يجِز قتل حيواناتهم، بل كل ما لا رُوح فيه من أموالهم.

• مشروعية استخدامها للضرورة:

ونستطيع أن نستثني من تحريم استخدام هذه الأسلحة مع الأعداء: حالة الضرورة، فإن للضرورات أحكامها، ومن القواعد المتَّفق عليها بين فقهاء الأمة كلِّها: أن الضرورات تبيح المحظورات. وهذا من واقعية الشريعة [28[

وهنا لا بد من قيود تجب رعايتها:

الأول: أن تتحقَّق الضرورة بالفعل، بأن يصبح المسلمون في خطر يهدِّد كيانهم ووجودهم، ولا سيما إذا كان العدو يملك هذه الأسلحة ويهدِّد المسلمين باستعمالها ضدَّهم. ولا يوجد لديه دين يردعه، ولا خلق يمنعه. فإذا بدت بوادر ذلك: أمكن للمسلمين أن يأخذوا بزمام المبادرة، ويبدؤوا بالضربة القاصمة دفاعا عن أنفسهم.

ويتحتَّم هنا: أن يكون ذلك في جهاد الدفع لا جهاد الطلب، وجهاد الدفع هو جهاد المقاومة لتحرير الأرض، وطرد العدو الغازي من ربوعها. فهذا الجهاد هو الذي تتحقَّق فيه الضرورة. أما جهاد الطلب: أن نتَّبعه نحن في عقر داره، ونحن آمنون في دارنا، فلا حاجة لنا إلى ضربه بهذه الأسلحة التدميرية.

الثاني: ألا نتمادى في رخصة الضرورة ونتوسَّع فيها، ولكن يجب النظر إليها دائما: أنها استثناء، خفَّف الشارع بها عن المسلمين، دفعا للحرج عنهم، وتحقيقا لمبدأ اليسر: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة:185[

ولهذا وجدنا العلماء قيَّدوا قاعدة: (الضرورات تبيح المحظورات) بقاعدة أخرى تضبطها وتكمِّلها، وهي قاعدة: (ما أبيح للضرورة يقدَّر بقدرها(.

فإذا كانت الضرورة تحتاج إلى الإباحة في بلد، فلا يجوز أن تتعدَّى إلى غيره، وإذا جازت أن تطبَّق في وقت معين، فلا يجوز أن تطبَّق وقت آخر، زائد على الوقت المطلوب.

وبمجرَّد إنهاء المهمة المنوطة بها، تعود الأمور إلى مجراها الطبيعي، ويحظر استعمال هذه الأسلحة.

وطبعا لا يمكن للمسلمين أن يستخدموا هذه الأسلحة - في حالة الضرورة كما ذكرنا - إلا أن يكونوا مالكين لها. وهو ما سبق لنا القول بجوازه: أن نملكها وإن لم نستعملها.

• ( 2 ) التدريب المستمر:

ومن مستلزمات الحرب، ومتطلَّبات القتال، التي يجب على المسلمين أن يهتمُّوا لها، ولا يُغفلوها: التدريب المستمر على استخدام الأسلحة حتى يكتسبوا فيها مهارة عالية، تفوق مهارة عدوهم، وذلك بإتقان التدريب واستمراره حتى لا يُنسى، وهذا فرض كفاية على الأمة، وفرض عين على مَن اشتغلوا بالقتال أو انضموا للجيش، وذلك لأن كسب الحرب، وتحقيق النصر لا يتمُّ إلا بهذا التدريب، وما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب.

ولقد فسَّر النبي صلى الله عليه وسلم (القوة) في قوله تعالى: {وأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ} فقال: "ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي" [29[.

والرمي كان يراد به قديما: رمي العدو بالسهام والنبال المعروفة في ذلك الزمن، ولكنها في عصرنا تشمل ما هو أهم وأعظم وأشد خطرا: مثل الرمي برصاص البنادق والمدافع الرشاشة، ويشمل كذلك: قذف القنابل بأنواعها وقدراتها المختلفة، حتى القنابل النووية. ومنها: إلقاء الصواريخ الموجَّهة، سواء كانت صواريخ (أرض أرض) أو (أرض جو) أو (جو جو) إلى آخره.

فكلُّ هذا يدخل في باب (الرمي) الذي فسَّر الرسول به القوة، ويعني به أنه أهم عناصر القوة.

وقال صلى الله عليه وسلم: "ارموا واركبوا، وأن ترموا أحبُّ إليَّ من أن تركبوا" [30]. والمراد بالركوب هنا: ركوب الخيل، وهو من أعمال الفروسية المطلوبة. وهو يُكسب الإنسان لياقة بدنية، ومهارة حربية معا.

وقال عمر: علموا أبناءكم السباحة والرماية وركوب الخيل [31[

وكان الصحابة رضي الله عنهم يجيدون ركوب الخيل، وفي مقدمتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر البخاري في الجهاد (باب ركوب الفرس العُرْي)، حديث أنس: إن أهل المدينة فزِعوا مرَّة، فركب النبي صلى الله عليه وسلم فركب الناس يركضون خلفه، فاستقبلهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقد سبقهم إلى الصوت. وقال: "لن تراعوا". ثم قال لأبي طلحة: "وجدتُ فرسكم هذا بحرا". فكان بعد ذلك لا يجارَى. وفي إحدى رواياته: أن النبي صلى الله عليه وسلم استقبلهم على فرس عُرْي ما عليه سَرج، في عنقه سيف [32[

وقد ذكر البخاري بعضا من هذا الحديث في (باب الشجاعة في الحرب)، لما دلَّ على شجاعته عليه الصلاة والسلام، حيث كان أسبق الناس إلى الصوت، وقد ذهب وحده. قال في الفتح: (وفيه ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من التواضع والفروسية البالغة، فإن الركوب المذكور لا يفعله إلا مَن أحكم الركوب وأدمن على الفروسية) [33[

• الأحاديث التي تحث على الرماية :

وقد صحَّت الأحاديث في الحثِّ على الرماية أو (التهديف) باعتبارها إحدى أدوات الاستعداد للقتال.

1 - ذكر البخاري في الجهاد (باب التحريض على الرمي)، حديث سلمة بن الأكوع قال: مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم على نفر من أسلم ينتبلون (يترامون بالسهام) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان راميا، ارموا وأنا مع بني فلان ". قال: فأمسك أحد الفريقين بأيديهم. (امتنعوا عن الرمي) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما لكم لا ترمون؟". قالوا: كيف نرمي وأنت معهم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ارموا وأنا معكم كلُّكم" [34[

استحيا الصحابة من قبيلة أسلم أن يرموا فريقا فيه رسول الله، فإذا غلبوهم، فكأنهم غلبوا الرسول معهم، أو لأن مَن كان معهم الرسول، يستشعرون القوة به فيغلبون وينتصرون. وقد طمأنهم الرسول أنه معهم كلِّهم.

2 - وروى أبو داود وابن حبان، عن عقبة بن عامر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله يُدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنة: صانعه يحتسب في صنعته الخير، والرامي به، ومُنبِلَه، فارموا واركبوا، وأن ترموا أحبُّ إليَّ من أن تركبوا، ومَن ترك الرمي بعد ما علمه، رغبة عنه، فإنها نعمة تركها، أو قال: كفرها" [35[

3 - وروي مسلم، عن عبد الرحمن بن شُمَاسَة، أن فُقَيمًا اللَّخمي قال لعُقبة بن عامر: تختلف بين الغَرَضين، وأنت كبير يشقُّ عليك! قال عُقبة: لولا كلام سمعتُه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم أُعانه! قال الحارث - أحد الرواة - فقلتُ لابن شُمَاسَة: وما ذاك؟ قال: إنه قال: "مَن علم الرمي ثم تركه، فليس منا، أو فقد عصى" [36[

وهذا التوجيه النبوي يعني: استمرار التدريب، حتى لا ينسى، ويخسر المسلم المهارة التي اكتسبها. ولهذا ينبغي أن يظلَّ يلهو بأسهمه ما بين الحين والحين، فهذا من أبرك اللهو وأفضله، كما جاء في الحديث، وإذا دخل فيه بنيَّة الاستعانة على الجهاد إذا طُلب له، فهو قُربة إلى الله، لأنه داخل في أعمال الجهاد التحضيرية والمعينة عليه.

4 - وروى مسلم في صحيحه، عن عُقبة قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ستفتح عليكم أَرَضون، ويكفيكم الله، فلا يعجِز أحدكم أن يلهوَ بأسهمه" [37[

5 - وروى البزار، عن سعد بن أبي وقاص مرفوعا: "عليكم بالرمي، فإنه خير - أو من خير - لهوكم". ورواه الطبراني في الأوسط، قال: "فإنه من خير لعبكم" [38]، قال المنذري في الترغيب: وإسنادهما قوي [39[


اترك تعليق