كتاب : فقه الجهاد - . الحلقة [ 46 ] : الباب الخامس : منزلة الجهاد ،وخطر القعود عنه، وإعداد الأمة له الفصل الأول : منزلة الجهاد في القرآن والسنة

By :

 

• ذروة سنام الإسلام :

أيًّا كان حكم الجهاد في الإسلام: فرض كفاية، أم فرض عين، أم تطوُّعا، فلا ريب أن منزلة الجهاد في دين الله لا تعدلها منزلة، لأن الجهاد هو الذي يحمي الأمَّة في دينها ودنياها، ويحرسها من أعدائها المتربِّصين بها: يحمي دينها وعقيدتها، ويحمي أرضها وحرمتها، ويحمي استقلالها وسيادتها، فهو حصن الأمة الحصين، وهو ركنها الركين، وهو الذي يصنع الأبطال، ويعدُّ الرجال، الذين يبذلون النفس والنفيس في سبيل الله. فلا غرو أن يعدَّ فهو ذروة سنام الإسلام، كما جاء في حديث أبي هريرة: "الجهاد سنام العمل" [1]، وفي حديث معاذ: "ألا أنبئكم برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله" [2[.

وتكاثرت آيات القرآن العظيم، وأحاديث الرسول الكريم، تحثُّ على الجهاد في سبيل الله، وتبيِّن فضله، ومكانة أصحابه عند الله، وأن المجاهد بمنزلة الذي يصوم فلا يفطر، ويقوم فلا يفتُر أبدا.

وسنذكر جملة من ذلك في بيان (الإعداد الثقافي) عند حديثنا عن إعداد الأمة للجهاد في سبيل الله.

• الجهاد أفضل ما يتطوع به:

وحسبنا أن نذكر هنا ما قرَّره العلماء: أن الجهاد في سبيل الله هو أفضل ما يتقرَّب به المسلم إلى ربه، بعد أداء الفرائض العينية عليه.

وهنا نذكر ما قاله العلاَّمة الخِرَقي الحنبلي في مختصره الشهير:

قال أبو عبد الله (أحمد بن حنبل): (لا أعلم شيئا من العمل بعد الفرائض أفضل من الجهاد) قال ابن قدامة في (المغني) في شرح هذه الجملة:

روى هذه المسألة عن أحمد جماعة، قال الأثرم: قال أحمد: لا نعلم شيئا من أبواب البرِّ أفضل من السبيل. وقال الفضل بن زياد: سمعت أبا عبد الله، وذُكر له أمر الغزو، فجعل يبكي، ويقول: ما من أعمال البرِّ أفضل منه. وقال عنه مرة: ليس يعدل لقاء العدو شيء. ومباشرة القتال بنفسه أفضل الأعمال، والذين يقاتلون العدو، هم الذين يدفعون عن الإسلام وعن حريمهم، فأي عمل أفضل منه! الناس آمنون وهم خائفون، قد بذلوا مُهَج أنفسهم.

وقد روى ابن مسعود قال: سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: "الصلاة لمواقيتها". قلتُ: ثم أي؟ قال: "ثم برُّ الوالدين". قلتُ: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل الله". قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح [3[.

وروى أبو هريرة رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيُّ الأعمال أفضل؟ أو أيُّ الأعمال خير؟ قال: "إيمان بالله ورسوله". قيل: ثم أيُّ شيء؟ قال: "الجهاد سنام العمل". قيل: ثم أيُّ شيء؟ قال: "حجٌّ مبرور". أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح [4[.

وروى أبو سعيد الخُدْرِي قال: قيل: يا رسول الله، أيُّ الناس أفضل؟ قال: "مؤمن مجاهد في سبيل الله بنفسه وماله" متفق عليه [5[.

وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ألا أخبركم بخير الناس؟ رجل ممسك بعِنان فرسه في سبيل الله". قال الترمذي: هذا حديث حسن [6[.

ولأن الجهاد بذل المهجة والمال، ونفعه يعمُّ المسلمين كلَّهم، صغيرهم وكبيرهم، قويهم وضعيفهم، ذكرهم وأنثاهم، وغيره لا يساويه في نفعه وخطره، فلا يساويه في فضله وأجره) [7] اهـ.

من أجل هذا كان الجهاد أفضل الأعمال، لما فيه من بذل المهجة والرُّوح، كما قال:

يجود بالنفس إن ضنَّ الجبان بها والجود بالنفس أقصى غاية الجود [8[

ثم إن المجاهد يغترب عن أهله وموطنه الأصلي ليدافع عن الدين والأمة، ويعيش حياة متقشِّفة، وكما قال الإمام أحمد عن الذين يقاتلون العدو: الناس آمنون، وهم خائفون [9[.

ثم إن نفع الجهاد للأمة جميعا، كما قال ابن قدامة: نفعه يعمُّ المسلمين كلَّهم [10[.

قال ابن تيمية بعد أن ذكر جملة وافرة من الآيات والأحاديث في فضل الجهاد:

وهذا باب واسع، لم يَرِد في ثواب الأعمال وفضلها مثل ما ورد فيه.

وهو ظاهر عند الاعتبار؛ فإن نفع الجهاد عامٌّ لفاعله ولغيره في الدين والدنيا، ومشتمل على جميع أنواع العبادات الباطنة والظاهرة، فإنه مشتمل من محبَّة الله تعالى، والإخلاص له، والتوكُّل عليه، وتسليم النفس والمال له، والصبر والزهد، وذكر الله، وسائر أنواع الأعمال على ما لا يشتمل عليه عمل آخر.

والقائم به من الشخص والأمة بين إحدى الحسنيين دائما: إما النصر والظفر؛ وإما الشهادة والجنة.

فإن الخَلق لا بد لهم من محيا وممات، ففيه استعمال محياهم ومماتهم في غاية سعادتهم في الدنيا والآخرة، وفي تركه ذهاب السعادتين أو نقصهما؛ فإن من الناس مَن يرغب في الأعمال الشديدة في الدين أو الدنيا مع قِلَّة منفعتها، فالجهاد أنفع فيهما من كل عمل شديد، وقد يرغب في ترفيه نفسه حتى يصادفه الموت، فموت الشهيد أيسر من كل ميتة، وهي أفضل الميتات) [11[.

• جهاد البحر أفضل من جهاد البر:

وإذا كان الجهاد كله ذروة سنام الإسلام، وأفضل ما يتطوَّع به المسلم من أعمال الخير كما قال الإمام أحمد، فإن الجهاد نفسه يتفاوت ويتفاضل، فبعضه أفضل من بعض. ولذا قال العلاَّمة الخِرَقي الحنبلي: (وغزو البحر أفضل من غزو البر) وشرحه ابن قدامة فقال: (وجملته أن الغزو في البحر مشروع، وفضله كثير. قال أنس بن مالك: نام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم استيقظ وهو يضحك، قالت أم حَرَام: فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: "ناس من أمتي عُرضوا عليَّ، غُزاة في سبيل الله، يركبون ثَبَج هذا البحر (أي وسطه ومعظمه)، ملوكا على الأسِرَّة، أو مثل الملوك على الأسرة". متفق عليه [12[.

وروى أبو داود بإسناده، عن أم حَرَام عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "المائد في البحر، الذي يصيبه القيء، له أجر شهيد، والغَرِق له أجر شهيدين" [13]. (المائد الذي يصيبه دوار البحر)، ولأن البحر أعظم خطرا ومشقَّة، فإنه بين خطر العدو وخطر الغرق، ولا يتمكَّن من الفرار إلا مع أصحابه، فكان أفضل من غيره) [14[.

وهذا بيِّن بحمد الله، فإن الأجر على قدر النَّصَب والمشقَّة، ولا نزاع في أن خطر القتال في البحر ومشقَّته أعظم من القتال في البرِّ.

• جهاد الجو أفضل من جهاد البر والبحر:

وإذا ثبت أن جهاد البحر أفضل من جهاد البر، لما فيه من مخاطر أكبر، فينبغي أن يكون الجهاد في الجو أفضل أنواع الجهاد في عصرنا، لأنه أشدُّ خطرا، وأكثر توقعا للهلاك، ولأنه غدا أشدَّ الأسلحة نكاية في الأعداء من غيره، ولهذا كانت خسارة طيَّار واحد مدرَّب تعدل خسارة أعداد من غيره.

وحين ضُرب الطيران المصري في حرب سنة 1967م - بضرب المطار والطائرات في مواقعها قبل أن تتحرَّك – تعطَّلت أسلحة المشاة والدبابات في سيناء؛ لأنها أصبحت مكشوفة للعدو، ولا تملك غطاء جويا يحميها.

من أجل هذا يعتبر الجهاد بالسلاح الجوي في زمننا أفضل أنواع الجهاد في سبيل الله تعالى.

• تفضيل الجهاد على حج النافلة:

عقد العلاَّمة ابن النحاس في كتابه (مشارع الأشواق) بابا فيما جاء في فضل الجهاد في سبيل الله على الحج.

ذكر فيه ما رواه الشيخان، عن أبي هريرة قال: سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أيُّ العمل أفضل؟ قال: "إيمان بالله ورسله" قيل: ثم ماذا؟ قال: "الجهاد في سبيل الله" قيل: ثم ماذا؟ قال: "حجٌّ مبرور" [15[

وكذلك حديث ماعز في معناه [16]، وفيهما التصريح بأن رتبة الجهاد مقدَّمة على رتبة الحج، والله أعلم.

وروى ابن المبارك في الجهاد، عن سفيان، عن آدم بن علي قال: سمعت ابن عمر رضي الله عنهما يقول: لسَفرة في سبيل الله أفضل من خمسين حَجَّة [17]. ورواه سعيد بن منصور في سننه، عن أبي الأحوص عنه، ورواه ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن سفيان عنه.

قال ابن النحاس: هذا حديث موقوف، وأسانيده صِحاح، وقد يقال: إن مثل هذا لا يقال من قِبَل الرأي والاجتهاد، فسبيله سبيل المرفوع، والله أعلم.

وعن عمرو بن الأسود قال: قال عمر رضي الله عنه: عليكم بالحج فإنه عمل صالح، أمر الله به، والجهاد أفضل منه. رواه ابن أبي شيبة [18]، وهو موقوف أيضا.

قال ابن النحاس: في هذه الأحاديث كلِّها: أن الجهاد مطلقا أفضل من الحج مطلقا. وقد جاء في أحاديث أُخَر: أن الجهاد دائما هو أفضل من حج النافلة، وأن حَجَّة الإسلام أفضل من الجهاد.

والظاهر: أن حَجَّة الإسلام إنما تكون أفضل من جهاد هو فرض كفاية، وأما الجهاد إذا صار فرض عين، فهو مقدَّم على حَجَّة الإسلام قطعا، لوجوب فعله على الفور، ولعل الأحاديث المتقدِّمة محمولة على ذلك، والله أعلم [19[

قلت: وما قاله العلاَّمة ابن النحاس من تقديم الجهاد إذا كان فرض عين على حجِّ الفريضة، هو الصواب بعينه، لما ذكره من وجوب فعله على الفور، ولأمر آخر هو: أن الجهاد يتعلَّق بالدفاع عن الأمة وكينونتها ورسالتها، فلو هلكت الأمة هلك الأفراد وضاع الحجُّ وغيره من العبادات والشعائر والأركان، التي لا يمكن إقامتها واستمرارها إلا بوجود الأمة. والجهاد هو الذي يصونها ويدفع عنها، ويحافظ عليها.

• أعمال الحج وأعمال الجهاد:

وقال العلماء المحقِّقون: إن جنس أعمال الجهاد أفضل من جنس أعمال الحجِّ، لأن الجهاد عبادة متعدِّية النفع إلى الغير، والحجُّ عبادة مقصور نفعها على صاحبها، بل نفع الجهاد مقصود به الذود عن حرمة الأمة وكِيانها ودينها ورسالتها.

ومما يدلُّ لهذا قوله تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [التوبة:20،19[

• الحج أم إنقاذ البوسنة؟

وفي أيام سنوات حرب البوسنة والهرسك، واشتداد أزمة المسلمين هناك، وحاجتهم الماسَّة إلى الغذاء والكساء والغطاء والدواء والتدفئة، وأدنى ما يمكن من السلاح للدفاع عن حياتهم أمام التوحُّش الصربي، في هذه الأثناء اقترح الكاتب الإسلامي المعروف الأستاذ فهمي هويدي في إحدى مقالاته الأسبوعية: الامتناع عن أداء الحج هذا العام، وتحويل نفقاته كلها إلى إنقاذ البوسنة والهرسك.

وقد سُئلتُ عن رأيي فيما كتبه الأستاذ هويدي، وقلتُ لهم: أوافقه وأخالفه: أوافقه في حجِّ التطوع، وأخالفه في حجِّ الفريضة، فلسنا في حاجة إلى إيقاف حجِّ الفريضة، فقد أثبتت الإحصاءات أن نحو 15% من الحجَّاج هم الذين يحجُّون لأول مرَّة، وأن الأكثرية العظمى من الحجَّاج يحجُّون للمرة الثانية أو الثالثة، وربما العاشرة أو العشرين أو الأربعين. وأعرف أصدقاء من المصريين المتدينين يحجُّون سنويا منذ أربعين سنة أو أكثر.

فهؤلاء المتطوعون بالحجِّ هم الذين ندعوهم إلى التخلِّي عن الحجِّ هذا العام أو هذه الأعوام الكبيسة والشديدة على المسلمين، ليتبرَّعوا بنفقات حجِّهم إلى إخوانهم الذين يهدِّدهم الجوع والعري والمرض وبرد الشتاء القاسي الذي يصل إلى 20 تحت الصفر، والتدفئة في هذا الجو تعتبر ضرورة من الضرورات، لا مجرَّد حاجة من الحاجات، فضلا عن تهديد عدوهم الصربي لهم بالإبادة.

بل أقول: إن إنقاذ هؤلاء المسلمين وأمثالهم في عدد من أقطار الإسلام: فريضة على الأمة المسلمة بالتضامن، إذا لم يقُم بذلك بعضهم أَثِمَت الأمة كلُّها، وباءت بسخط الله، واستحقَّت نقمته وعقوبته.

إن المسلمين في حاجة إلى ما سمَّيته (فقه الأولويات)، ليعرفوا كيف يقدِّمون ما حقُّه أن يقدَّم من الأعمال، ويؤخِّرون ما حقُّه أن يؤخَّر، ولا يقدِّمون المفضول على الفاضل، ولا النافلة على الفريضة، ولا الفريضة المتعلِّقة بحقِّ الفرد، على الفريضة المتعلِّقة بحقِّ الجماعة [20[

ومن القواعد المقرَّرة: أن الله لا يقبل النافلة حتى تؤدَّى الفريضة [21]. ولذا قيل: مَن شغله الفرض عن النفل فهو معذور، ومَن شغله النفل عن الفرض فهو مغرور.

وإننا نرى بأعيننا ملايين المسلمين مشغولين - بل منهمكين - في النوافل، وأبرزها سنويا: حجُّ التطوع، وعمرة رمضان، وإخوانهم المسلمون في أوطان كثيرة في أمسِّ الحاجة، بل الضرورة، إلى ما يمسك رمقهم، ويحفظ عليهم أصل الحياة


اترك تعليق