كتاب : الحق المر الحلقة [ 46 ] : الذين يخونون الأمانات

By :

رأيت رجلا يلى منصبا كبيرا ترتبط به مصالح مهمة، ومع خطورة ما أسند إليه كان لا يفعل خيرا ولا يحجز شرا ولا يفهم من وظيفته إلا أن ينظر إلى الناس من فوق! فبسطت لسانى فيه بالقدح وحكمت عليه بقسوة..

لكن أحد السامعين قال: إننى أراه يتردد على المسجد أحيانا! فسارعت إلى توكيد حكمى وذكرت الحديث المعروف " لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له " فقال لى السامع: ما علاقة الحديث بتقصير الرجل فى منصبه؟

قلت: إننا معشر المسلمين لا نعرف معنى العقد أو العهد ولا نعرف معنى الأمانة! ويتبع ذلك أننا لا نرعى ما جعله الله من حقيقة الإيمان، ولوازمه اللاصقة به، ولا ننزل عند قوله جل شأنه "والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ".

إن الوظيفة عقد بين الدولة ـ أو أية مؤسسة ـ وبين شخص ما ليقوم بعمل محدد، لقاء مرتب مقدور يصرف له. فهو لا يستحق راتبه شرعا إلا إذا قام بالعمل المنوط بعنقه! فبم يستبيح أخذه إذا كان لا يؤدى واجبه؟

وإذا كان الشخص متكاسلا، ضائقا بالناس، كارها لخدمتهم، مفرطا فى حقوقهم، كل ما يعرفه من وظيفته الاستطالة على الجمهور والتجهم فى وجهه، فهو امرؤ غادر، ناقض للعقد يأكل سحتا، وكل لحم ينبت على سحت فالنار أولى به!.

إن ما يسمى " بالبيروقراطية " القاتلة للمشروعات الكبيرة المضيعة للمصالح الحساسة ليس إلا هذه السيرة الخائنة لبعض الموظفين المفرطين البلداء.

وقد سمى نبينا ـ عليه الصلاة والسلام ـ الوظائف أمانات وطلب من الأقوياء التيقظ لها، وطلب من الضعفاء ألا يطلبوها أو يتعرضوا لها.. ونبه إلى المسئوليات الجسام التى تترتب عليها فى الدنيا والآخرة، وأبعد عنها عمه حمزة بن عبد المطلب، وصاحبه أبا ذر رضى الله عنهما، وقال: " ليوشكن رجل أن يتمنى أنه خر من الثريا ولم يل من أمر الناس شيئا "!!

إن المناصب كبيرها وصغيرها ليست وسيلة ترفع أو ترفيه لبعض الناس! إنها كيان دولة، وحاضر أمة ومستقبلها، فمن ولى عملا وخان فيه، فهو من السراق والنهابين، وهو نكبة للدنيا والدين.

 


اترك تعليق