كتاب : فقه الجهاد الحلقة [ 44 ] : الباب الرابع : أهداف الجهاد (القتالي) في الإسلام الفصل الرابع : الجهاد بين شريعة التوراة وشريعة القرآن

By :

 

• نظرة سريعة إلى التوراة الحالية :

ومن أراد أن يعرف فضل ما جاء به الإسلام من إصلاح وتجديد وتهذيب في أحكام الجهاد والقتال، وإقرار السلام في الأرض، بالنسبة لما كان عليه الوضع في الشرائع القديمة، والأمم السابقة، فعليه أن ينظر - ولو نظرة سريعة عاجلة - إلى ما اشتملت عليه (التوراة) الحالية، التي يؤمن بها اليهود والنصارى جميعا، على أنها الكتاب الإلهي الذي أنزله الله على موسى عليه السلام، وأعلن المسيح عيسى بن مريم عليه السلام: أنه ما جاء لينقض الناموس (الذي جاء به موسى)، بل جاء ليتمِّمه [1[

ولا أدري أقرأ الغربيون [2] - المسيحيون في جملتهم - الذين يتَّهمون الإسلام بأنه (دين السيف)، والذين يزعمون أنهم يؤمنون بـ(الكتاب المقدس) ومنه التوراة: هذه النصوص التي سأوردها: أقرؤوها أم لم يقرؤوها؟ وإذا قرؤوها فهل وَعَوْها أو لم يعوها؟

والآن أود أن نقف قليلا عند ما تقوله التوراة - التي نعتقد نحن المسلمين: أنها حُرِّفت وبُدِّلت لفظيا ومعنويا - والتي يؤمن بقدسيتها وإلهيتها: اليهود والمسيحيون جميعا، ومنهم المبشرون والمستشرقون المتحاملون، الذين شنُّوا الغارة على شريعة الجهاد في القرآن، وفي سنة محمد عليه الصلاة والسلام، وبالمقارنة والموازنة تتبيَّن الحقائق، وبضدِّها تتميَّز الأشياء.

فأنصت أخي القارئ المنصف لما تقوله التوراة في أمر الحرب والقتال.

• شرائع حصار وفتح المدن البعيدة:

تقول التوراة في (سفر تثنية الاشتراع) في (الإصحاح العشرين) تحت عنوان (شرائع حصار وفتح المدن البعيدة) - وأعتقد أن هذا العنوان من وضع ناشري التوراة - في الفقرة العاشرة وما بعدها:

(وحين تتقدمون لمحاربة مدينة فادْعُوها للصلح أوَّلاً. فإن أجابتكم إلى الصلح واستسلمت لكم، فكلُّ الشعب الساكن فيها يصبح عبيدا لكم. وإن أبت الصلح وحاربتكم فحاصروها، فإذا أسقطها الربُّ إلهكم في أيديكم، فاقتلوا جميع ذكورها بحدِّ السيف. وأما النساء والأطفال والبهائم، وكلُّ ما في المدينة من أسلاب، فاغنموها لأنفسكم، وتمتَّعوا بغنائم أعدائكم التي وهبها الربُّ إلهكم لكم. هكذا تفعلون بكلِّ المدن النائية عنكم، التي ليست من مدن الأمم القاطنة هنا) انتهى.

هذا أمر التوراة الصارم لبني إسرائيل، أو لليهود المؤمنين بشريعة موسى في شأن حصار المدن البعيدة وفتحها: إذا أجابت دعوة السلم والصلح، فجميع أهلها عبيد لهم بلا استثناء! وإذا لم تُسلِّم لهم فليحاربوا، وإذا سقطت في أيديهم، فعليهم أن (يقتلوا جميع ذكورها بحدِّ السيف)، هكذا أمرهم (الربُّ الإله). ولم تقبل شريعة التوراة من هؤلاء بديلا لقتلهم بحدِّ السيف: أن يدخلوا في دين اليهودية مثلا، أو يدفعوا لهم جزية، أو غير ذلك. ولم يستثنِ أمر (الربِّ الإله) أحدا من الذكور: لا شيخا كبيرا، ولا طفلا صغيرا.

وقد قال القرآن هنا: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} [محمد:4]، فاكتفى القرآن في قتال الأعداء: أن يُثخِنوهم، أي يُضعِفوهم، ويكسروا شوكتهم، وفي هذه الحالة عليهم أن يشدُّوا الوَثَاق. أي: يأسروا بدل أن يقتلوا.

وقال القرآن أيضا: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة:29]، فجعل للأعداء المحاربين فرصة تُنجِّيهم من القتل، ومن الدخول في الإسلام جبرا، وهي إعطاء الجزية {عَنْ يَدٍ}: أي عن قدرة، وهي مبلغ زهيد في مقابل التكفُّل بحمايتهم والدفاع عنهم. وهذه الجزية يدفعها القادرون على القتال، والقادرون على الدفع، فلا تدفعها النساء ولا الصبيان ولا العَجَزة ولا العميان، ولا الرهبان، وأمثالهم. كما لا يدفعها الفقراء والمعوزون.

• شرائع حصار وفتح مدن أرض الموعد:

أما شعوب المنطقة التي يطلق عليها (أرض الميعاد) أي سكان أرض فلسطين، فتقول التوراة في شأنها: (أما مدن الشعوب التي يَهَبها الرب إلهكم لكم ميراثا، فلا تَسْتَبْقوا فيها نَسَمَة حية، بل دمِّروها عن بكرة أبيها، كمدن الحثِّيِّين والأموريين والكنعانيين والفرزيين والحويين واليبوسيين، كما أمركم الربُّ إلهكم، لكي لا يعلِّموكم رجاستهم التي مارسوها في عبادة آلهتهم، فتغووا وراءهم وتخطئوا إلى الربِّ إلهكم) [3]انتهى.

هذه الشعوب الستة، يجب أن تباد إبادة تامة، دون أن يُبدؤوا بالدعوة، أو تُقبل منهم جزية، أو يُعقد معهم صلح أو هدنة. ليس هناك إلا السيف، والسيف وحده. والموت والدمار الكامل هما نصيب هذه الشعوب المسكينة، ولا ذنب لها إلا أنها سكنت ما سمَّوه (أرض الميعاد) قبلهم.

ويعلق شُرَّاح التوراة على هذه الفِقرة فيقولون: (كيف يمكن لإله رحيم أن يأمر بإهلاك كل المراكز الآهلة بالسكان؟ لقد فعل ذلك لحماية بني إسرائيل من عبادة الأوثان، التي كانت، ولا بد، ستجلب الخراب عليهم (20:18) وفي الحقيقة، لأن بني إسرائيل لم يقضوا تماما على هذه الشعوب الشرِّيرة كما أمرهم الله، تعرَّضوا باستمرار لاضطهادهم، وإلى الكثير من سفك الدماء والتخريب، أكثر مما لو كانوا أطاعوا توجيهات الله قبل كلِّ شيء)!! اهـ.

وهكذا ترى هؤلاء الشُرَّاح برَّووا هذه الإبادة الكاملة لهذه الشعوب؛ بأمر الربِّ الإله! بل أظهروا الأسف على نجاة بعض هذه الشعوب التي لم يُبدها تماما سيف إسرائيل!

فأين ما جاءت به التوراة هنا مما جاء به القرآن من أحكام؟

إن البلاد القريبة - التي يطلق الشُرَّاح عليها (أرض الموعد) - (لا تُستبقى فيها نَسَمَة حية!) يعني: إبادة كاملة، الاستئصال لأهل هذه البلاد! فلا تستبعد ما صنعه الأوربيون النصارى حين نزلوا بأرض أمريكا الشمالية، من محاولة استئصال الهنود الحمر، أهل البلاد الأصليين!! ولا تستغرب ما صنعه البريطانيون وغيرهم حينما ذهبوا إلى (أستراليا) واكتشفوها، وقضوا على سكانها الأصليين. وقد استخدم هؤلاء وأولئك في إبادة السكان الأصليين وسائل وأساليب لا تمتُّ إلى الأخلاق، ولا إلى الإنسانية بصِلة، ووصفها بـ(الوحشية) ظلم كبير للوحوش، لأن الوحوش لا تقتل من الحيوانات الأخرى إلا ما تحتاج إليه لأكلها. فإذا شبعت كفَّت. وهؤلاء لا يشبعون من قتل، ولا يرتوون من دماء، وإن سالت مدرارا.

• فكرة استئصال الأمم وإبادتها فكرة توراتية :

إن فكرة استئصال الأمم والشعوب والأخرى وإبادتها: (فكرة توراتية) أصيلة توارثها قراء التوراة والمؤمنون بها، من اليهود والنصارى. وهي فكرة مرفوضة تماما في الإسلام. ولقد رأينا القرآن الكريم كيف شدَّد النكير على فرعون في ظلمه لبني إسرائيل، لأنه أراد إبادتهم بطريق بطيء، حيث أمر بتذبيح أبنائهم واستحياء نسائهم. ومعنى تذبيح الذكور من المواليد وتقتيلهم: أن يباد الجنس بعد عقود من الزمان. قال تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [القصص:4[

وهي فكرة مرفوضة تماما في الإسلام، لا بالنسبة إلى (الأمم البشرية) فحسب، بل بالنسبة إلى (الأمم الحيوانية) أيضا. فلم يُجِز الإسلام إبادة نوع أو أمة من العجماوات لسبب من الأسباب، وقال في ذلك رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم: "لولا أن الكلاب أمة من الأمم، لأمرتُ بقتلها" [4]. أي بإبادتها وتخليص الناس من أذاها.

ولكنه عليه الصلاة والسلام نظر إلى الأمر نظرة أعمق، فرأى أن هذه الكلاب - بتعبير القرآن - (أمة) لها خصائصها وصفاتها التي ميَّزتها عن غيرها من الأجناس التي خلقها الله، وإنما خلقها لحكمة، علمها مَن علمها، وجهلها مَن جهلها. وقد قال تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} [الأنعام:38[

وبهذه النظرة المتسامية سبق الإسلام بنحو أربعة عشر قرنا: ما تنادت به البشرية اليوم من ضرورة الحفاظ على الأجناس الحية من الانقراض، وهو ما يسمونه (مبدأ نوح) عليه السلام [5[

فانظر إلى هذا الأفق الرفيع الذي ارتقى الإسلام بالبشرية إليه، في المحافظة على أجناس الدواب والطيور وغيرها، واعتبارها (أمما أمثالنا) وقارن بينه وبين ذلك الحضيض الذي انحدر إليه الغربيون الذين رضعوا فكرة التوراة الاستئصالية مع لبان أمهاتهم. فاقترفوا من جرائم الإبادة ما يندى له جبين التاريخ.

• مذابح العصابات اليهودية في أرض فلسطين :

وقد رأينا بأعيننا ماذا فعلت العصابات اليهودية الصهيونية بأهل فلسطين، وشعب فلسطين؟ لقد قاموا بجملة مذابح بشرية رهيبة، من قتل النساء والأطفال والشيوخ والمدنيين العزل، بلا هوادة ولا رحمة، ولا مراعاة لأي اعتبار إنساني، كما فعلوا في (دير ياسين) وغيرها، حتى بقروا بطون الحوامل، وأخرجوا الأجنة من أحشائها، وعبثوا بها بسنان أسلحتهم، وهم يتضاحكون! وقتلوا الابن أمام عين أبيه، وعين أمه الوالهة! وذبحوا الأب والأم أمام أعين أبنائهما وبناتهما، وبهذه الوحشية أدخلوا الرعب في قلوب الفلسطينيين، ففروا من ديارهم مذعورين، وتركوها لهؤلاء السفاحين الإرهابيين.

لقد كان هؤلاء المجرمون السفَّاحون يطبِّقون شريعة التوراة التي لُقِّنوها: ألا تدعوا فيها نَسَمَة حية!!

هذه هي شريعة التوراة بالنسبة لهذه الشعوب: دمِّروها عن بكرة أبيها! لا تُبقوا فيها نَسَمَة حية! هكذا أمر الرب الإله موسى وقومه وأتباعه: أن يفعلوا بهذه المدن وأهلها حين تقع في أيديهم، وقد أُمروا أمرا ملزما: أن يبدؤوا بقتالهم وقتلهم. لا يَدَعونهم إلى دين يعتنقونه، أو يقبلون منهم جزية يدفعونها، فليس لهم خيار إلا الموت بحدِّ السيف.

فأين هذا مما جاء به القرآن من قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ} [البقرة:191،190[

وأين هذا مما جاء به القرآن - حتى بعد ما سمَّوه (آية السيف) من سورة التوبة - من قوله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ} [التوبة:6]؟

وأين هذا من قوله تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ} [الآية:62،61[

إن من يقرأ ما جاء في نصوص الكتابين (التوراه والقرآن) عن السلام والحرب: لا يسعه إلا أن يقرأ قول البوصيري في لاميَّته رحمه الله:

الله أكبر! إن دين محمـــد وكتابه: أقوى وأقوم قيـــلا!

لا تذكروا الكتب السوالف عنده طلع الصباح فأطفئ القنديــلا!

• نصوص معبرة من أسفار القوم:

وأضيف إلى هذه الفقرات التي نقلناها من التوراة، فقرات أخرى من التوراة وملحقاتها من أسفار العهد القديم، نقلها العلامة الشيخ رحمة الله الهندي في كتابه الشهير: (إظهار الحق):

( 1 ) في الباب الثالث والعشرين من (سفر الخروج) هكذا: (23) (وينطلق ملاكي أمامك، فيدخلونك على الأموريين والحيثانيين والفرزانيين والكنعانيين والحوايين واليابوسيين الذين أنا أخرجهم (24) لا تسجدنَّ لآلهتهم ولا تعبدها، ولا تعمل كأعمالهم، ولكن خرِّبهم تخريبا، واكسر أوثانهم).

( 2 ) في الباب الرابع والثلاثين من (سفر الخروج) في حقِّ الأمم الست هكذا: (12) (فاحذر أن تعاهد مطلقا سكان تلك الأرض الذين تأتيهم لئلا يكونوا لك عثرة (13) ولكن اهدم مذابحهم، وكسر أصنامهم، واقطع أنساكهم(

( 3 ) في الباب الثالث والثلاثين من (سفر العدد): (51) (مُر بني إسرائيل وقُل لهم: إذا عبرتم الأردن وأنتم داخلون أرض كنعان (52) فأبيدوا كلَّ سكان تلك الأرض، واسحقوا مساجدهم، واكسروا أصنامهم المنحوتة جميعها، واعقروا مذابحها كلَّها (55) ثم أنتم إن لم تبيدوا سكان الأرض، فالذين يبقون منهم، يكونون لكم كأوتاد في أعينكم، ورماح في أجنابكم، ويشقُّون عليكم في الأرض التي تسكنونها (56) وما كنتُ عزمت أني أفعل بهم سأفعله بكم(

( 4 ) في الباب السابع من سفر التثنية هكذا: (1) (إذا أدخلك الربُّ إلهك الأرض التي تدخل لترثها، وتبيد الشعوب الكثيرة من قدامك: الحيثي والجرحيثاني والأموراني والكنعاني والفرزاني والحواني واليبوساني، سبعة أمم أكثر منكم عددا وأشدُّ منكم (2) وسلَّمهم الرب إلهك بيدك، فاضربهم حتى إنك لا تبقي منهم بقية، فلا تواثقهم ميثاقا ولا ترحمهم (5) ولكن فافعلوا بهم هكذا: خرِّبوا مذابحهم، وكسِّروا أصنامهم، وقطِّعوا مناسكهم، وأوقدوا أوثانهم(

قال صاحب (إظهار الحق): (فعُلم من هذه العبارات أن الله أمر بإهلاك كل ذي حياة من الأمم السبع، وعدم الشفقة عليهم، وعدم المعاهدة معهم، وتخريب مذابحهم، وكسر أصنامهم، وإحراق أوثانهم، وقطع مناسكهم، وشدَّد في إهلاكهم تشديدا بليغا، وقال: إن لم تهلكوهم أفعل بكم ما كنتُ عزمتُ أن أفعله بهم! ووقع في حقِّ هذه الأمم السبعة (أنهم أكثر منكم عددا وأشدُّ منكم). وقد ثبت في الباب الأول من (سفر العدد): أن عدد بني إسرائيل الذي كانوا صالحين لمباشرة الحروب، وكانوا أبناء عشرين سنة وما فوقها، كان: ستمائة ألف وثلاثة آلاف وخمسمائة وخمسين رجلا (603550) [6]، وأن اللاويين مطلقا ذكورا كانوا أو إناثا، وكذا إناث سائر الأسباط الإحدى عشر مطلقا، وكذا ذكورهم الذين لم يبلغوا العشرين سنة خارجون عن هذا العدد، ولو أخذنا عدد جميع بني إسرائيل، وضممنا المتروكين والمتروكات كلهم بالمعدودين، لا يكون الكلُّ أقلَّ من ألفي ألف وخمسمائة ألف، أعني مليونين ونصف مليون (2500000) وهذه الأمم السبعة إذا كانت أكثر منهم عددا وأشدُّ منهم، فلا بد أن يكون عدد هذه الأمم أكثر من عددهم.

ونقل العلاَّمة الشيخ رحمة الله من التوراة والعهد القديم من المذابح البشرية التي ارتكبها أنبياء بني إسرائيل تطبيقا لأحكام التوراة: ما تقشعرُّ منه الأبدان، وتشيب له الولدان. ننقل بعضه هنا للموازنة والاعتبار.

( 5 ) في الباب الثاني والثلاثين من سفر الخروج في حال عبادة العجل هكذا: (25) (فنظر موسى عليه السلام العشب أنه صار عريانا إنما عرَّاه هارون لعار النجاسة، وجعله عريانا بين الأعداء (26) فوقف في باب المحلة، وقال: مَن كان من حزب الربِّ فليقبل إليَّ، فاجتمع إليه جميع بني لاوي (27) وقال لهم: هذا ما يقول الرب إله إسرائيل: ليتقلَّد كلُّ رجل منكم سيفه، فجوزوا في وسط المحلة من باب إلى باب، وارتدوا وليقتل الرجل منكم أخاه، وصاحبه، وقريبه (28) فصنع بنو لاوي كما أمرهم موسى عليه السلام، فقتلوا في ذلك اليوم من الشعب نحو ثلاثة وعشرين ألف رجل). فقتل موسى عليه السلام على عبادة العجل ثلاثة وعشرين ألفا.

( 6 ) وفي الباب الخامس والعشرين من سفر العدد، أن بني إسرائيل لما زنوا ببنات المؤاب، وسجدوا لآلهتهن، أمر الربُّ بقتلهم. فقتل موسى أربعة وعشرين ألفا منهم.

( 7 ) من طالع الباب الحادي والثلاثين من سفر العدد، ظهر له أن موسى عليه السلام لما أرسل اثني عشر ألف رجل مع فنيحاس بن العازار لمحاربة أهل مديان، فحاربوا وانتصروا عليهم، وقتلوا كل ذكر منهم، وخمسة ملوكهم وبلعام، وسبوا نساءهم، وأولادهم، ومواشيهم كلَّها، وأحرقوا القرى والدساكر والمدائن بالنار، فلما رجعوا غضب عليهم موسى عليه السلام، وقال: لم استحييتم النساء؟ ثم أمر بقتل كل طفل مذكر، وكل امرأة ثيِّب، وإبقاء الأبكار، ففعلوا كما أمر، وكانت الغنيمة من الغنم: ستمائة وخمسة وسبعين ألفا، ومن البقر: اثنين وسبعين ألفا، ومن الحمير: واحدا وستين ألفا، ومن الأبكار: اثنتين وثلاثين ألفا، وكان لكل مجاهد ما نهب من غير الدواب، والإنسان، وما بين مقداره في هذا الباب. غير أن رؤساء الألوف والمئين، أعطوا الذهب لموسى والعازار: ستة عشر ألفا وسبعمائة وخمسين مثقالا. وإذا كان عدد النساء الأبكار اثنتين وثلاثين ألفا، فكم يكون مقدار المقتولين من الذكور مطلقا، شيوخا كانوا أو شبانا أو صبيانا، ومن النساء الثيبات؟!

( 8 ) عمل يوشع عليه السلام بعد موت موسى عليه السلام بالأحكام المندرجة في التوراة، فقتل (الملايين) الكثيرة، ومَن شاء فليطالع هذا في كتابه من الباب الأول إلى الباب الحادي عشر، وقد صرَّح في الباب الثاني عشر من كتابه: أنه قتل واحدا وثلاثين سلطانا من سلاطين الكفار، وتسلَّط بنو إسرائيل على ممالكهم.

( 9 ) في الباب الخامس عشر من سفر القضاة في حال شمشون هكذا: (ووجد فكًّا، أعني: خد حمار، فمدَّ يده وأخذه، وقتل به ألف رجل(

( 10 ) في الباب السابع والعشرين من سفر صموئيل الأول: (8) (وصعد داود ورجاله، وكانوا ينهبون أهل جاسور وجرز وعمالق، لأن هؤلاء كانوا سكان الأرض من الدهر من حد سورا حتى حدِّ مصر (9) وكان يخرِّب داود كلَّ الأرض، ولم يكن يُبقي منهم رجلا، ولا امرأة، ويأخذ الغنم، والبقر، والحمير، والجمال والأمتعة، وكان يرجع ويأتي إلى أخيس). انظروا إلى فعل داود عليه السلام: إنه كان يخرِّب الأرض، وما يُبقي رجلا، ولا امرأة من أهل جاسور، وجرز وعمالق، وينهب دوابهم وأمتعتهم!

( 11 ) في الباب الثامن من سفر صموئيل الثاني: (2) (وضرب المؤابيين وجرَّهم بالحبال، وأضجعهم على الأرض، وأعدَّ حبلين للقتل، وحبلا واحدا للاستحياء، وكان المؤابيون عبيدا لداود يؤدُّون إليه الخراج (3) وضرب داود أيضا هدر عازار بن راحوب ملك صوبا ... (5) فأتت أرام دمشق، ليعينوا هدر عازار ملك صوبا، وضرب (أي بالسيف) داود من أرام اثنين وعشرين ألف رجل). فانظروا إلى فعل داود عليه السلام بالمؤابيين، وهدر عازار، وجيشه وجيش أرام.

( 12 ) الآية الثامنة عشر من الباب عشر من سفر صموئيل الثاني هكذا: (وهرب السريانيون من بين يدي إسرائيل، وقتل داود من السريانيين سبعمائة مركب، وأربعين ألف فارس، وسوباك رئيس الجيش ضربه فمات في ذلك المكان).

( 13 ) وفي الباب الثاني عشر من سفر صموئيل الثاني هكذا: (19) (فجمع داود جميع الشعب، وسار إلى راية فحارب أهلها، وفتحها (30) وأخذ تاج ملكها عن رأسه، وكان وزنه قنطارا من الذهب (!)، وكان فيه جواهر مرتفعة، ووضعوه على داود، وغنيمة القرية أخرجها كثيرة جدا (31) والشعب الذي كانوا فيها أخذهم ونشرهم بالمناشير، وداسهم بموارج حديد، وقطعهم بالسكاكين، وأجازهم بقمين الأجاجر، كذلك صنع بجميع قرى بني عمون، ورجع داود وجميع الشعب إلى أورشليم). ونقلت هذه العبارة لفظا لفظا، عن الترجمة العربية المطبوعة سنة 1831م، وسنة 1844م.

فانظروا كيف قتل داود عليه السلام بني عمون قتلا شنيعا، وأهلك جميع القرى بمثل هذا العذاب العظيم الذي لا يتصوَّر فوقه [7] انتهى.

هذا بعض ما نقله العلاَّمة الشيخ رحمة الله في كتابه (إظهار الحق) من كتب القوم المقدسة، بنصوصه وحروفه، على ما فيها من ركاكة، وهو غيض من فيض، وقليل من كثير. وكلُّ نصٍّ منها ينضح بالقسوة البالغة، والوحشية القاسية، التي لا تعرف الرحمة إليها سبيلا، بل إن الوحوش لا تقتل إلا ما تحتاج إليه لأكلها، أما تذبيح الألوف، وعشرات الألوف، بل مئات الألوف من البشر، بهذه الاستهانة والسهولة، كأنما تبيد صراصير، أو نملا، لا لسبب ولا لجُرم إلا لأنهم مخالفون في الدين، أو لأنهم سكان أرض معيَّنة، وأن يتمَّ ذلك من رسل وأنبياء لهم مقام عند الله، مثل موسى ويوشع وداود وغيرهم، فهذا هو الذي يذر الحليم حيران [8[!

• تأثير هذه النصوص في اليهود والنصارى :

ولا غرو أن تؤثِّر هذه القصص الإسرائيلية، والأخبار الدينية، المنقولة من أسفار التوراة، وملحقات التوراة، من أسفار الأنبياء، في نفوس قرَّاء هذه النصوص المقدسة عندهم من اليهود والنصارى على السواء، وأن تنشئ فيهم تلك (النفسية المتوحشة) التي لا ترحم ولا ترقُّ لضعيف ولا مسكين، وتستحلُّ قتل النساء والولدان والشيوخ، الذين لا يستطيعون حيلة، ولا يهتدون سبيلا، ولا عجب أن وصف القرآن بني إسرائيل بهذا الوصف المعبِّر، فقال تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة:74[.

وفي مقام آخر قال تعالى عن بني إسرائيل بعد أن أخذ الله عليهم الميثاق أن يعملوا الصالحات، حتى يستحقُّوا مثوبة الله سبحانه وتعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} [المائدة:13]. فجعل قسوة قلوبهم عقوبة من الله تعالى على نقضهم الميثاق، وهي مقرونة بلعنة الله تعالى لهم.

وسنفرد ما صنعه النصارى من مذابح بعضهم لبعض، من الكاثوليك للبروتستانت، ومن البروتستانت - بعد انتصارهم - مع الكاثوليك، وما صنعوه من مظالم مع اليهود، في (ملحق) خاص في آخر الكتاب، حتى لا نطوِّل على القارئ الكريم [9[.


اترك تعليق